المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

اصطفاف المختلفين

تم النشر: تم التحديث:

تحتاج الأمم في لحظات التغيير إلى تضافر جهود أنصار التغيير بالقدر الذي تتضافر فيه جهود المتمسكين بالواقع المُر بكل سلبياته.. وهو ما تعبر عنه الدعوات المستمرة للاصطفاف.. ومن المنطقي أن يخشى الطرف الآخر ذلك الاصطفاف لأنه يرجح كافة أنصار التغيير، غير أنه من غير المفهوم أن يحقّر بعض من أنصار التغيير مفهوم الاصطفاف، بل ويسخر من المصطلح ذاته معتقدا أن الاصطفاف قرين التنازل أو على الأقل قبول الحلول الوسط.

ويبدو أنه من الواجب أولا أن نميّز بين عدة مصطلحات للوصول للمعنى المراد:

1- الاحتواء، ويعني أن طرفا يستطيع أن يبتلع طرفا آخر، سواء بأن يقنعه برأيه أو أن يستوعبه في كيانه أو أن يهزمه في مجمل الصراع؛ وفي كل الأحوال ستكون النتيجة 1+1= 1 إذ لا تؤدي الزيادة الكمية إلى زيادة في الفاعلية أو القدرة.

2- التضامم: ويعني اكتساب مزيد من المشاعر الحسنة لدى الجمهور لبناء حاضنة شعبية ضرورية لامتلاك القدرة على التغيير لكنه لا يزيد في هذه القدرة وإنما يجعلها مرحبا بها؛ وهو أشبه باكتساب فريق في مباراة كرة قدم لتأييد غالبية أو كل الجمهور في المدرجات، فرغم أهمية ذلك فإن المعادلة تبقى 1+1=1.
3- التوافق: والتي تتضمن تنازلا من الطرفين للوصول إلى حلول وسط وهو ما يمنح زيادة محدودة في القدرة، لكنه لا يصل بها لحد الكمال؛ وهو ما يمكن التعبير عنها بالمعادلة 1+1= واحد ونصف.

4- الاصطفاف: ويعني أن فئات مختلفة تتبنى وجهات نظر في ظاهرها التناقض لكنها تتفق على هدف أعلى واحد، فإذا استطاعت أن تتبنى طريقة لإدارة خلافاتها والتنسيق بين فاعليتها وتوحيد جهودها لتحقيق الهدف المشترك ، فإنها تصل لتحقيق الحد الأقصى من القدرة اللازمة لتحقيق التغيير، وهو ما يمكن التعبير عنه بمعادلة 1+1=2 .
وربما كانت الحرب العالمية الثانية، خلافا للأولى، تعبيرا عن طريقة الإدارة التي تعتمد على توحيد الأضداد في مواجهة خطر مشترك، وبناء مؤسسات يمكنها أن تدير التناقضات لتتحول إلى معامل قوة للجميع، كإنشاء الأمم المتحدة بطريقة السيطرة الخماسية على القرار في مجلس الأمن، وكذلك المؤسسات المكملة كالبنك الدولي ومحكمة العدل الدولية لفض النزاعات المستعصية على الإدارة، إلى غير ذلك.

فالتراضي على طريقة إدارة الخلاف هي الوسيلة المثلى لصناعة الاصطفاف بينما أن التراضي على الحول النهائية هي طريقة الوساطة والتوفيق التي ربما لا تسمح بها أوقات التغيرات الكبرى، سواء في المعارك المصيرية أو الثورات الشعبية. والجانب الآخر من المشكلة هو أن غياب هذا الاصطفاف بذاته هو ما يؤدي إلى تعاظم الخصم المشترك وتنامي قدرته على هزيمة أو ابتلاع معارضيه، فلنتصور كيف سيكون حال ألمانيا النازية إذا لم يستطع الحلفاء (الأعداء) أن يضعوا طريقة لبناء تحالفهم وإدارة صراعهم.

لو طبقنا ذلك على وضع الثورة المصرية التي لا يجوز لأي فصيل أن يدعي ملكيته لها، فما تحقق خلال الثمانية عشر يوما بالتحرير كان إنجازا جماعيا لكل الأطياف لا يمكن نسبته لطرف واحد أو الادعاء أن هذا دخل باكرا وذاك جاء متأخرا أو القول بأنه لو لم يحمِ هذا الميدان لما استمر الاعتصام، أو أن القدرة التنظيمية هي الأساس أو القدرة على التسويق للثورة وأهدافها هي ما صنعت الفارق؛ فالحقيقة أن تخلف عُنصر واحد من العناصر التي اجتمعت في الميدان كان سيعني تخلف النتيجة النهائية.. وبالتالي فإن الانقلاب جاء نتيجة منطقية لتفكك هذه العناصر.

ويمكن لنا أن نعدد أمثلة بلا حصر لاجتماع العناصر المختلفة أو حتى الأضداد لخلق كيان أكثر صلابة من كل عنصر فيها منفردا، سواء لأسباب طبيعية أو للضرورة، فالأسرة الجيدة مكونة من زوج وزوجة وأطفال، والمادة الأصلب يمكن أن تكون نتاجا لامتزاج الحديد والبلاتينيوم والنحاس مثلا، وليست أيا من هذه المواد منفردة، والنسل الأكثر قدرة على تجنب العيوب الخلقية أو الأمراض الوراثية هو نتاج زواج الأباعد وليس الأقارب.
ويذهلني بعض أصدقائنا عندما يُشيرون إلى ثورات شعبية كنماذج لثورات الفصيل الواحد أو الأيديولوجيا الواحدة التي حسمت نزاعا مع سلطات تقليدية عتيقة، ثم لا يجدون سوى الثورتين الفرنسية والإيرانية.. والحقيقة أن الثورتين لم تكن أي منهما ثورات أيديولوجية أو فصائلية، إنما كانتا ثورتين شعبيتين بامتياز اعتمدتا على اصطفاف واسع لفئات اجتماعية ذات مصالح ورؤى متخالفة تماما. والخطأ الذي يقع فيه من يتناول الثورتين بحسبهما أيديولوجيتين هو أنه يبدأ من النتائج ذاهلا عن المقدمات وعلى عكس التقييم العلمي.

الثورة الفرنسية - مثلا - كانت توافقا معلنا بين الطبقة الوسطى (البرجوازية) التي أدركت ضرورة التغيير للحفاظ على امتيازاتها والطبقة الفقيرة التي أرادت أن تضمن الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والمثقفين المؤمنين بقيم حقوق الإنسان (التي لا تهم الطبقة الفقيرة وتثير حفيظة الوسطى) وهو ما يعكسه إعلان حقوق المواطن سنة 1789 والذي تضمن تسوية مرضية بين المنتصرين في الثورة ذات الأطراف المتنافرة هي أقرب لفرض أدوات تؤدي لحسم الخلاف وليس تبنيا لحلول نهائية لقضايا فكرية أو أيديولوجية؛ بل إن الجمهورية كانت في النهاية شكلا لإدارة الخلاف حول طريقة إدارة الدولة بعد انتصارهم المشترك.

كذلك فإن البعض يستقي من هيمنة آية الله الخوميني من قُم على عملية وضع الدستور وتشكيل النظام السياسي في طهران بعد سقوط الشاهنشاهية، أن الثورة كانت أيديولوجية، غير منتبه أن الشعارات الأيديولوجية لم تُرفع إلا بعد انتصار الثورة وأن الخوميني نفسه لم يصدر عنه أي تصريح فصائلي أو فئوي طيلة الثورة، وأن صناعة الثورة كانت بيد مجموعة مختلفة المشارب منها الليبراليون اليساريون، وأن انقلاب آية الله الخوميني على شركاء الثورة لم يُخف حتى الآن دور الثوريين من مجاهدي خلق وبني صدر وتراث علي شريعتي. فنحن لسنا أمام ثورة أيديولوجية وإنما أدلجة لاحقة للثورة وخطف للنصر الشعبي لتجنيه فئة واحدة؛ وهو ما أدى لتشويه مسار الثورة لاحقا وسقوطها في براثن المذهبية التي كانت شعارات الثورة إدانة لها.

وإذا انتقلنا للثورة الروسية، فالأمر لم يكن بعيدا عن الثورة الفرنسية في مسيرتها ولا عن الثورة الإيرانية في مآلاتها.

الحقيقة المرة للبعض - الذي يستخف بالاصطفاف - هي أن الثورات لا تقوم بها فئة من المجتمع وإنما تأتي نتاج توافق ضروري بين فئات مختلفة من الشعب تمثل الأغلبية، يجمعها هدف التغيير الذي يُصبح أهم من الخلافات البينية ويستحق أن يقبل كل فريق بشراكة فريق آخر يختلف معه وينتقل من إثارة الخلاف والمكايدة إلى البحث عن طُرق لإدارة الخلاف وتحجيمها وتحديد الأهداف وتعظيمها. والحقيقة المرة الثانية أن الأغلبية السياسية ليست بالضرورة أغلبية شعبية، فالأولى تصنعها الاختيارات الحرة للشعوب، بينما الثانية تصنعها الضرورات القاسية في الأزمات وحال غياب الحرية.

إنه قانون اجتماعي لا تفلت منه أي حركة تغيير، فلا يتحقق التغيير إلا بالانتقال من حالة الصراع بين الفئات الفاعلة في المجتمع إلى حالة التلاقي لتحقيق التغيير والتوافق على إدارة خلافاتها.
وبالتالي فعندما ندعو لاصطفاف فإننا لا ندعو أحدا ليتنازل عن وجهة نظره، وإنما ليتنازل عن روح المخاصمة ويقبل فكرة التعاون لتحقيق الهدف الأسمى وهو التغيير، وبالتوازي مع ذلك الانتقال من حالة تفجير الخلافات إلى إدارتها وابتكار أدوات لحسمها دون أن يكون همّ كل طرف هو دفع الشريك الآخر لتبني وجهة نظره.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.