المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

فقه السياسة وعلاقة الدولة بالدين

تم النشر: تم التحديث:

يخلط كثيرون بين علاقة الدين بالدولة وهي علاقة لا انفصام فيها، سواء بالدول التي تقوم فيها حكومات لها مرجعية دينية أو تلك التي تنشأ بها حكومات لا تقر المرجعية الدينية نظريا وتتعامل معها واقعا؛ فالدين يبقى العنصر الأول الذي يشكل هوية الدولة وواجهتها الثقافية ونظمها القانونية ابتداء من الدستور الذي تسيطر عليه معاني الهوية الثقافية وعلى رأسها الدينية حتى قوانين الأسرة التي تعكس بصدق الروح الدينية في قواعدها وأحكمها.

ويرتبط بذلك فهم عقيم للعلمانية الغربية التي يفهمها البعض - دون روية - بأنها مخاصمة للدين أو على الأقل انفصال عنه؛ بينما هي لم تنشأ إلا بتسليم بدور الدين في المجتمع وتأثيره في أبنية الدولة، سوى إنها رفضت احتكار الكنيسة للدين وهيمنتها على مؤسسات الدولة.

ومن ثمّ تصبح من أكثر العبارات سذاجة في نقاشاتنا الفكرية عبارة "الفصل بين الدين والدولة"، وهو أشبه ما يكون بالدعاوى للفصل بين الدولة ومكونات هوية شعبها وعناصر ثقافته لتصبح دولة تعبر عن فراغ لا عن مجموع بشري له صفات وهوية وطريقة حياة.

ويُصبح الأمر أكثر سذاجة عندما تصدر مثل هذه الشعارات على ألسنة بعض السياسيين أو المفكرين في العالم الإسلامي، خصوصا السني، حيث لا يمثل الدين مؤسسة من مؤسسات الدولة الأساسية كما هو حال الكنيسة في النظام السياسي الغربي أو المرجعيات في البناء السياسي الشيعي؛ فيكون الحديث عن الفصل بين "الدين" والدولة ترجمة خاطئة للموقف الغربي بشأن الفصل بين "الكنيسة" والدولة.

ففي الفكر الغربي تمثل الكنيسة - وليس الدين - مكونا أساسيا في النظام المؤسسي للدولة، بل وفي بعض الأحيان نظاما موازيا لنظام الدولة ومتنازعا معها في إدارة شئون الشعب؛ وهو نتاج طبيعي لقيام الكنيسة بدور السلطة الزمنية عدة قرون على حساب تغييب الدولة ملكية أو إقطاعية.

أما في الفكر الشرقي، فإن تجربة قيام مؤسسة دينية مكتملة العناصر بإدارة الشئون الدنيوية لم تحدث ولو على سبيل الاستثناء عدا تلك الاجتهادات المنعزلة التي تشكلها الحالة الإيرانية إستنادا لدور المرجعية، وبعض مكونات الفكر السلفي الذي لا يحمل رؤية سياسية في محاولة لكثلكة الفكر الإسلامي العصيّ على ذلك. ومن ثمّ لا يوجد أساس واقعي للدعوة لفصل "مؤسسة دينية" عن الدولة؛ لأنه لا توجد مؤسسة دينية إسلامية توازي أو تنافس الدولة؛ وكلّ مؤسسة موجودة في أي من الدول الإسلامية كالأزهر في مصر ليست سوى جهة دعوية وعلمية مستقلة - إن توفرت لها عناصر الاستقلال - أو "إدارة حكومية" تحاول الدولة من خلالها أن تسيطر على ما يمكن تسميته "مرفق الدين" لتحويل الدين إلى واحد من الخدمات التي تعتبرها الدولة من وظائفها، كخدمة الدفاع والتعليم والصحة وغير ذلك.

أما عن التيارات السياسية التي تستند لمرجعيات إسلامية فهي لا تختلف عن الأحزاب المحافظة في أوربا بتاريخها الطويل، بما تقوم به من محاولة تأسيس رؤيتها السياسية على مقاصد دينية وعناصر ثقافية يعتقدون أنها تشكل جوهر هوية الشعب، دون أي زعمٍ بأن هذه الأحزاب تمثل الدين أو تشكل مؤسسة دينية تحتكر النشاط الديني أو سعيٍ لتحل بنفسها محل مؤسسات الدولة؛ سوى ما تروجه ماكينات إعلامية تحاول أن تُظهر خطورة تبني الحرية وسلوك طريق الديموقراطية، فتهوّل من بعض المفردات لتُشعر المجتمع بخطر المطالبة بالتغيير.

وبمتابعة تطور الأحزاب المحافظة الأوربية ، فإنها لا تختلف عن الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية في دول العالم الإسلامي التي سمحت التطورات السياسية فيها بإنشاء أحزاب؛ لكن الأحزاب المحافظة الغربية استفادت من مناخ الحرية في العالم الغربي لتطور رؤاها ومفاهيمها لتصبح أكثر واقعية وأكثر حنكة مع تمسكها الدائم بوجهات نظرها المستندة للمكونات الدينية والثقافية لمجتمعاتها؛ فأمكن أن ترى رئيس وزراء انجلترا المحافظ أو مستشارة ألمانيا بانتمائها الحزبي المحافظ في صورة مشرقة، بينما يُقدم إعلام ظلامي نماذج الأحزاب المحافظة التي وصلت للسلطة في بلادنا بانتخابات نزيهة، كما في تركيا أو المغرب أو حتى مصر قبل الانقلاب العسكري، وكأنه تهديد لوجود الدولة!!

وبالعودة لتاريخ علاقة الكنيسة بالدولة في الغرب، فإنها تطورت عبر ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة دولة الكنيسة، والتي هيمنت فيها الكنيسة البابوية عدة قرون على إدارة النظام السياسي الغربي الذي استند إلى حق الكنيسة في تعيين الملوك والأمراء أو إقصائهم، وضمان ولاءهم والتزامهم بالعمل ضمن استراتيجيتها السياسية وارتباطهم بنظامها الاقتصادي وخضوعهم لاختصاصها القانوني والقضائي.

الثانية: مرحلة كنيسة الدولة، والتي حاول فيها الملوك في العالم الغربي - بعد تراجع نفوذ الكنيسة - السيطرة على كنائسهم المحلية والتحكم في تولية الكرادلة والرموز الدينية بعيدا عن هيمنة البابوية في روما، ومن ثمّ استخدام الكنيسة في السيطرة على الرأي العام وتوجيهه وتحصين حكمهم من الثورات والتقلبات السياسية.

الثالثة: مرحلة الفصل بين الكنيسة والدولة، التي يعيشها العالم الغربي بدرجات متفاوتة الآن. ويستند هذا النظام السياسي إلى رؤيا فلسفية تقسم الفرد إلى ضميرين: ديني ودنيوي، فتجعل الديني للكنيسة والدنيوي للدولة ولا تسمح بأي خلط بين الضميرين. ومع ذلك لا ينعكس ذلك فصلا بين الدين والدولة، فتبقى فرنسا تتفاخر بأنها حامية الكاثلوكية في العالم وتستمر الولايات المتحدة في تبني شعاراتها الدينية، سواء بطباعتها على البنكنوت أو بإثارتها وقت اللزوم في مواجهاتها العسكرية.

ولا شك أن لاقتسام الفرد بين مؤسسة دينية وأخرى دنيوية آثار سلبية كثيرة ومنغصات لا تنتهي، لكنها كانت وصفة سحرية توصل إليها الغرب لفض نزاع تاريخي بين مؤسستين متوازيتين تصارعتا لقرون على إدارة الفرد وقيادة المجتمع.

وعندما يسعى البعض في عالمنا - دون إدراك لخصوصية التطور التاريخي لكل مجموعة ثقافية - إلى إحداث هذا الشرخ في الضمير الفردي بين ديني ودنيوى دون مسوغ من واقع أو تاريخ، فإنه إنما يسعى لجلب كل السلبيات والمشكلات التي عانى منها الغرب دون أن نستفيد من الدواء، إذ إن هذا الدواء موصوف لمرض غير موجود في الواقع أو التاريخ العربي والإسلامي.

أما المرض الحقيقي الذي يتشابه فيه العالم الإسلامي مع ما عاشه الغرب في مطلع العصر الحديث، فهو الدكتاتورية ومحاولة حكومات منفصلة عن الشعب السيطرة على كل عناصر السلطة وكل مصادر الثروة والتحدث وحدها باسم الدين.

وهذا المرض لم تعرف له البشرية إلا علاجا واحدا هو تكريس الحرية في النظام السياسي للدولة والشفافية لتمكين الشعب من مراقبة أدائها والسماح بحرية التفكير والتعبير دون احتكار أي جهة لأسس التفكير وعناصر تشكيل العقل والضمير وعلى رأسها الدين. وهو أمر لن تقبله أي سلطة دكتاتورية والتي تفضل - للحفاظ على سيطرتها - التروج لوجود خطر ما يهدد الدولة، بينما هي نفسها الخطر الأول الذي يهدد الشعب ووجود دولته وحريته في التعبير عن مكونات ثقافته وعناصر هويته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.