المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

لا انتخابات أم انتخابات لا؟

تم النشر: تم التحديث:

كان يُمكن أن يكون السؤال "من سننتخب؟"، غير أن الأوضاع التي تسود بلادنا منذ 3 يوليو/تموز 2013 وضعتنا جميعاً أمام سؤال مختلف، وهو: "هل توجد انتخابات بأي معنى؟".

يُفترض أن الشعب أمام الاستحقاق الانتخابي الأهم في الربع الأول من هذا العام، لكن أحداً لا يشعر أن هناك أي أجواء لأي نوع من الانتخابات.
فالرئيس الوحيد الذي انتخب انتخاباً نزيهاً معتقلٌ، والتالي له في عدد الأصوات مُستلب الإرادة، وكل مَن شارك في انتخابات رئاسية أو حتى برلمانية سابقة على 2013 إما معتقل أو مقموع أو مطارد.

ومن ثَم، يأتي السؤال الحائر منطقياً، بينما يكون السؤال عن الاختيار بين مرشحين للرئاسة أشبه بأحلام اليقظة أو تخاريف صائمين استبد بهم الجوع بينما موعد الإفطار يبتعد كل ساعة.

غياب الأسس المنطقية لأي انتخابات - بغض النظر عن نزاهتها أو انحرافها - لا يعني أن الشعوب وصلت لنهاية التاريخ.

فمصر لم تعرف - إلا استثناء - أي انتخابات بأي درجة من النزاهة منذ سبعة عقود، ومع ذلك، فإن حراكاً شعبياً استمر لمدة عشر سنوات على الأقل ناهض التوريث وغياب العدالة الاجتماعية والشمولية السياسية وحقق اختراقاً في 2011.

تقدم الثورة المضادة وانتزاعها ما حصل عليه الشعب من مكاسب، لا يعني سوى أن جولة أخرى من الكفاح السلمي تصبح واجبة.

غير أن قواعد العمل بعد ثورة فتحت كل الآفاق - سياسية واجتماعية - ليست كقواعد العمل بعد انقلاب أغلق كل أفق، وجعل الموت مرسوماً على كل أبواب الوطن.

فإذا كان حق المواطن في التعبير عن رأيه بالتجمع أو التظاهر أو الهتاف قد جرى مصادرته؛ لتكتمل دائرة عزل المواطن عن التأثير في تشكيل السلطة أو توجيهها أو محاسبتها، فإن كل وسائل القمع لا يضمن لأي سلطة أن يظل الشعب صامتاً، وأن يقبل بهذا الحصار.

ولحين بلوغ تلك اللحظة التي لا يمكن لفصيل سياسي أو نخبة سياسية أن تُحددها، فإن الشعب يمتلك أدوات أخرى أبيّة على المصادرة أو الملاحقة.
وبالعودة لمناسبة الانتخابات، فباستثناء حصول أمر خارج التوقعات في هذه اللحظة، فإن السلطة تسعى لجعلها فرصة لإعادة تمثيلية تابعها شعبنا عشرات المرات سابقاً، وهي تظن أنها تُقدم تحفة فنية جديدة.

فهي تعتقد أنها ضيقت دائرة الخطر بمحاصرة كل العناصر والتيارات والأشخاص الذين يشكلون تهديداً لها، وتركت فقط نافذة صغيرة لأولئك الذين لا يحملون هذا التهديد، ليس لأنهم لا يتمنون زوالها أو لأنهم على توافق معها، بل لأنهم لا تلتقي لديهم العناصر الكافية لإحداث التغيير.

والسلطة بالتأكيد مُرتاحة لتشتت القوى التي تُعارضها، فهذه القوى وإن تقاربت كثيراً في العامين المنتهيين، لكنها لا تملك مشروعاً موحداً يمكنه أن يُفزع السلطة ولو على مستوى الانتخابات القادمة.

تُدرك السلطة الصعوبات التي تواجهها القوى السياسية المناهضة لها، سواء بسبب ميراث الخلاف الذي لا يزال يحتاج لمزيد من الوقت للتغلب عليه، أو بسبب عوائق التواصل المباشر التي تستلزم ابتكار آليات للتواصل والتداول لم تتحقق بعد.

كما سعت السلطة لكبت روح التغيير من داخل النظام عن طريق تهديد أو اختطاف كل من يطمح لذلك.

تشعر السلطة بأنها في مأمن من التغيير عبر الانتخابات بعد مجهود جبار بذلته على مدار العام السابق، حقق لها - فيما تعتقد - ساحة شبه خالية من المخاطر، وسوقاً دون بضاعة أو زبائن.

غير أن الأمر - خلاف ما تظنه - لم ينته بعد، فالانتخابات لم تأتِ بعد، وباب الترشح لم ينفتح والتصويت لم يبدأ والستائر لم تُسدل ولم يقف المشاهدون إعجاباً وأياديهم تحترق من التصفيق.

ما زال لدى القوى المناهضة للقمع ومصادرة الحريات وتفشّي الفساد أوراق لم تسعَ لاستعمالها بعد.

فلو بحثنا عن نصف الكوب المملوء لدى هذه القوى، فسنكتشف أنها أصبحت تقف على أرضية واحدة هي رفض استمرار السلطة، ليس فقط بسبب حجم الجرائم التي ارتكبتها والفشل الذي جرته على البلاد، ولكن أيضاً بسبب ما تشكله من خطر على أمن ومكانة الدولة المصرية.

ربما هي المرة الأولى التي تلتقي فيها المعارضة التقليدية كما عرفناها في عهد مبارك مع الشرائح التي كانت داعمة لحكم مبارك.

فرغم كل انتقادات المعارضة لنظام مبارك، فإنها لم تصل أبداً لحدود اتهامه بالخيانة أو بالتفريط في مقومات الأمن القومي المصري.

فالثورة لم تنطوِ على اتهام النظام السياسي وقتذاك بالخيانة، إنما حملت مطالب سياسية واقتصادية لخّصتها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهي مطالب مُحقة، جاءت ضمن التطور المنطقي المستمر منذ عقود.

لكن الوضع الحالي يُمثل خروجاً عن كل الأطر التي عمل فيها الشعب المصري سابقاً، إلا إذا قارناه بكفاح أجدادنا لتحقيق الاستقلال في مواجهة المحتل الإنكليزي.

فرغم أن إصلاح النظام السياسي وتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين تبقى مطالب أولية، غير أن مطلباً سابقاً على كل ذلك عاد للبزوغ، وهو مطلب إنقاذ البلاد.

فإذا كانت الدعوة للإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية قد جمعت شرائح هائلة من الشعب المصري، فإن "إنقاذ مصر" جمعت كل شرائح الشعب المصري دون استثناء إلا من استثنى نفسه.

هذه الأرضية الجامعة وغير المسبوقة، تمثل الأساس المشترك الذي يُمكن أن تنطلق منه عملية إعادة بناء الدولة المصرية الحديثة.

فالمشروع الإصلاحي تحول إلى مشروع إنقاذ وطني، وبالتالي تمدد اجتماعياً؛ ليشمل كل الشعب تقريباً، عدا من ترتبط مصالحه بشكل مُباشر مع السلطة التي تُعد خارج هذا الإجماع.

وهي ربما فُرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً، لجعل هذا المشروع مستوعباً للجميع ولا يُقصي أحداً ويقوم على أسس ثلاثة:

- رفض استمرار السلطة الحالية.
- توافق على مسار تحول ديمقراطي.
- توافق على أن تكون العدالة الاجتماعية هي أساس كل طرح اقتصادي.

الانطلاق من هذا التوافق يمنح الشعب المصري فرصة لإحداث تغيير في بناء السلطة خلال النصف الأول من 2018، رغم كل المظاهر غير الإيجابية والمشاعر السلبية المحيطة بالكثيرين.

فإذا كان الحديث عن منافسي رأس السلطة القائمة هو ما يؤسس للاختلاف، فإن الحديث عن رفضه يؤسس للتوافق.

وفي ظل الغيوم الكثيفة التي تحرم الجميع من وضع بديل للسلطة، فإن رفضها يصنع حالة إجماع وطني يُمكن أن يخلق البديل في مرحلة تالية.

وبالتالي فإن حملة الانتخابات المزيفة التي تقودها السلطة يمكن أن تواكبها حملة سلمية لرفض السلطة ذاتها، والاستفادة من ظرف الانتخابات الاستثنائي لتعظيم إيجابيات تلك الحملة.

بالضبط كما أشعر أن بعض القراء تلقفها، إنها حملة "لا"، التي لا تحتاج لا لصناديق انتخابات ولا لتوافق على مرشح ولا برنامج انتخابي.

فإذا كانت السلطة تسعى لحرمان الشعب من كل بديل، فيمكن للشعب أن يحرمها من فرصة الادعاء بأن الانتخابات نزيهة أو أنها جرت في إطار من القبول والرضا الشعبي.

فصندوق انتخابات "لا" سيتسع ليشمل كل مدن وقرى الوطن، وتاريخ التصويت سيمتد من لحظة انطلاق أول "لا" حتى تاريخ إعلان النتائج المزيفة في الانتخابات المجهزة، ليصحو الوطن على نتيجتين: نتيجة تُعلنها السلطة بلا مصداقية، وأخرى يُعلنها الشعب يُدرك كل العالم صدقها؛ لأنها ممهورة بتوقيع مصر كلها من أسوان إلى الإسكندرية، ومن السلوم إلى صنافير وتيران.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.