المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

عودة الأب الروحي للفساد

تم النشر: تم التحديث:

بعد ثورة يناير..رأيت أمين شرطة يرفض بشدة عشرة جنيهات يدفعها إليه مسن لأنه أحضر له حاملة حقائب بمطار القاهرة..
ربما لم يكن ذلك تغيّرا بالضرورة في سلوك الشخص لكنه كان تعبيرا عن توجه جديد لمجتمع انتفض في مواجهة الفساد فلاذ الفاسدون إلى جحورهم يرتجفون..
وربما لم يكن كل الوزراء في عهد الثورة بتاريخ مشرف فيما يتعلق بالفساد.. لكن لا يمكن أن تقدم أحدهم اليوم بجريمة فساد ارتكبها وهو يعمل وزيرا فترة السنتين والنصف من عمر ثورتنا.. لأن عين الثورة كانت تُدقق وتُراقب.. وهو ما جعل قنص العيون من أوائل أهداف الثورة المضادة.. حتى قنصت العيون وخطفت الأرواح بعد انقلاب يوليو 2013.
نقارن ذلك الوضع اليوم مع براكين الفساد التي تنفجر من رأس الدولة إلى أخمص قدميها.. فلا يغرنك أن السلطة الانقلابية تحاول أن تضع الصورة في إطار أن الزعيم يحارب الفساد كما حارب الإرهاب.. إنما دقق في حشايا الصورة وألوانها الغامقة المتداخلة، ستكتشف أن الفاسدين خرجوا من جحورهم لأنهم أدركوا أن عصر الفساد عاد أزهى مما كان عليه أيام مبارك..
أما حكاية محاربة الفساد، فلا تنسى أن عصر مبارك شهد تفجر قضايا فساد كبرى، كقضية الأسمدة المسرطنة والتلاعب بالعملة والأغذية الفاسدة والدم الفاسد والاتجار بتوريد الأجهزة الطبية للمسشفيات الحكومية، وكان من بين ضحاياها وزراء وحيتان كبار.. ومع ذلك كانت مصر - ومازالت - ضمن أسوأ عشر دول من حيث مستوى تفشي الفساد الإداري والمالي بها..
إنما الفارق بين الثورة على الفساد وتفجير قضايا فساد في عهد منظومة الفساد أن الأول يجتث الفساد من المجتمع تحت عين وبصر المجتمع وباستنفار همته، بينما الثاني يتلاعب بمشاعر الشعب، فيوهمه بأنه يقاتل الفساد بينما هو يقاتل لتفريغ الساحة لمنظومته الخاصة التي ترغب في احتكار الفساد ومعاقبة من يعاقره بعيدا عن المنظومة..
إننا أمام نفس قواعد عائلات المافيا التي لا تقبل أن يستقل أي من أفرادها أو صبيانها بعمل بؤرة مافيا خاصة به، فإما أن تكون ضمن العائلة تعمل لأجلها وبتوجيهها أو أن يكون مصيرك ما يقرره مجلس العائلة تحت قيادة الأب الروحي..
إن محاربة الفساد كما هي الرؤية التي طرحتها ثورة يناير ولم يقبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يُنجزها، وكان ذلك مفهوما؛ كما لم يستطع الرئيس مرسي أن يطبقها، وكان ذلك كارثيا.. تقوم على قواعد واضحة:
- تبني قانون واضح يسمح بوصول وتداول المعلومات بحرية للشعب صاحب المصلحة، لا أن يُجرم نشر صحفي لبيانات تخالف البيانات الرسمية كما نص قانون مكافحة الإرهاب الأخير والذي تصحّ أن نُضيف لتسميته "وحماية الفساد" لخنقه حرية تداول المعلومات.
- إنشاء لجنة وطنية لمكافحة الفساد، مستقلة عن السلطة حتى لا تستخدمها السلطة لإخفاء فسادها وفساد أنصارها والتنكيل بخصومها، وتتوفر لها الوسائل القضائية والمعلوماتية التي تجعلها قادرة للنفاذ لكل جحر في الدولة. وقد نص دستور 2012 على تشكيلها بما يضمن لها الاستقلال وعلانية تقاريرها لكن دستور الانقلاب ألغى هذا النص في مسعاه لاستعادة الأوضاع القديمة المختلة التي تسمح بتسرب وتسيّد الفساد.
- مشاركة الشعب في مكافحة الفساد بطريقين: الأولى، بأن تكون الرقابة على عملية مكافحة الفساد مقررة لمجلس نيابي منتخب بنزاهة في بيئة سياسية صحية تضمن عدم تزوير إرادة الشعب. والثاني أن يكون ضمن تشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد ممثلين منتخبين من الشعب بما يجعلهم رقباء على الموظفين العموميين الذين ربما تتوصل السلطة التنفيذية لكسب ودهم.
- إنهاء كل أشكال توارث الوظائف خصوصا في القضاء والشرطة والأجهزة الرقابية؛ فالملاحظ أن كل اسم كبير من عوائل الفساد له أقارب نافذين في تلك الأجهزة بما يؤدي في النهاية لمؤاخاة بين الدولة والفساد، فتتحول مكافحة الفساد لعمليات قرص أذن بسبب تجاوز فاسد على منطقة نفوذ فاسد أثقل منه وزنا أو أكثر قربا من السلطة التي تُدير المنظومة؛ وتنتهي بأن يتصالح الجميع ليعود الهدوء للعائلة ويبقى الفساد ناخرا في بنيان الدولة.
- أن تنتقل عمليات تخصيص الأراضي - وهي واحدة من مكامن الفساد الكبرى - من يد الأجهزة الحالية إلى جهاز مستقل يُشارك فيه أهل المناطق التي تقع فيها تلك الأراضي لضمان عدم التضحية بمصالحهم لصالح المقربين للسلطة. على أن تنظم قواعد التخصيص قواعد مختلفة تغلب عليها المصلحة العامة والشفافية.
- أن تتم مراجعة كافة عمليات الفساد الكبرى التي جرت في عهد مبارك والمعاقبة عليها بعلانية وشفافية حتى تكون عبرة؛ وعدا ذلك فستكون الرسالة لكل فاسد أن قربه لمنظومة الحكم هي ضمان حمايته من العقاب. وهو ما أشارت إليه المادة 13 اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بأن حذرت من التصالح مع فساد شاركت فيه السلطة أو بعض أركانها لأنه يكرس الفساد تحت دعاوى منها "وهناخد إيه من حبسه"؟ ولما إذا يُحبس مرتشي تلقى رشوة خمسة آلاف جنيه، بينما يُطلق سراح من استولى على مليارات وفقا لقواعد غير عادلة للتصالح؟!.
- تقرير مبدأ وحدة الميزانية، بإدراج كافة إيرادات الدولة بكل مؤسساتها ومصروفاتها ضمن الميزانية العامة وإلغاء كافة الموازانات الخاصة المسماة بند 1 المقررة للجيش والمحكمة الدستورية والرئاسة والبرلمان؛ وقد كان دستور 2012 قد أقر هذا المبدأ وألغى الموازنات الخاصة، لكن دستور الانقلاب استعادها مرة أخرى.
أما تركيز السلطة بيد شخص، ثم تفجير قضية فساد من آن لآخر للإيهام بأن معركة متواصلة مع الفساد يقودها ذلك الشخص، فهو لا يعني سوى العودة لنظام مبارك؛ فمع كل مرحلة إحلال وتجديد لبعض أعضاء مافيا الفساد الرسمية ستنفجر بعض القضايا وسيُضحى ببعض الأنصار للحفاظ على العائلة.. بينما الشعب يرى قضايا دون أن تصله عدالة..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع