المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

الديمقراطية واجب الوقت

تم النشر: تم التحديث:

لا يستثيرني ذلك التأفف كلما تحدثنا عن الديمقراطية، التي يعتبرها صديقي نظاماً غربياً دخيلاً. فهو مسكين (بتعبير البخاري رحمه الله) لا يعرف الفارق بين المبدأ (الواجب) وأدوات تطبيقه (التي لا يتم الواجب إلا بها).

فهو لا يجد حرجاً في أن يُسمي وسائل تطبيق المفاهيم الصناعية "تكنولوجيا"، لكنه يستشيط غضباً إذا سمينا وسائل تطبيق مفاهيم الشورى "ديمقراطية".

لا يُدرك أنه في ابتكار الوسائل والأدوات تبارت الأمم وتنافست ونقلت عن بعضها حتى تعامل النبي صلى الله عليه وسلم بالدرهم الفارسي والدينار الرومي، ولم يُسمّ أياً منهما درهماً إسلامياً أو ديناراً شرعياً، بل لم تجد الأمة في كل عُصورها ضرورة لأن تبتكر عُملة باسمها؛ لأنها ببساطة لم تر في طباعة العملات "أي انطباع ديني"، فهي من وسائل التبادل وليست جوهر المبادلة.

ما يُشعرني بحرج هو غياب الحرية في أمتنا، وقد أسست نهضتها الأولى على حرية لم تعرف الإنسانية قبل الإسلام مداها، حتى حمل ربعي بن عامر بقامته القصيرة وثيابه المتواضعة رسالة الحرية إلى قائد جيوش كسرى؛ فقال له: "جئنا نُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد". وإذا كانت عبادة العباد تأتي جبراً وترهيباً وترويعاً أو ترغيباً وترويضاً، فعبادة رب العباد لا تأتي إلا اقتناعاً وتدبراً دون إكراه بعد أن "تبين الرشد من الغي".

المسكين نفسه يحسب أن قول الصحابي يعني أن نخرج الناس من عبادة الملوك إلى الإسلام، بينما هو يقرأ "ليس عليكم هداهم" (البقرة 272)، ويتلو "لست عليهم بمسيطر" (الغاشية 22)، ويمر عدة مرات في حياته على "إنك لا تهدي من أحببت" (القصص 56)، ولا تصدمه أبداً "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29). ولا يُدرك أن ذلك هو أساس "حرية الاعتقاد"، الذي يستثير بعضاً منا كلما جاء ذكره في ورقة أو وثيقة، فيُسارع للبحث لها عن قيود ليُحاصرها أو ملحقات تُفسرها وكأنها تعبير شائن أو عمل مُدان.

أصر النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتوقف - في مواقف كبرى - عند بعض الوسائل لينبه إلى خطورتها وأهميتها في النظام السياسي. فهو يوم أحد ينزل طائعاً على رأي الأغلبية المخالف لرأيه، بالخروج لملاقاة خصومه خارج المدينة فينهزم جيشه، دون أن تحمل لنا الآثار أنه ندم يوماً على الالتزام برأي الأغلبية.

وفي بعض الغزوات لا يعطي قراراً حتى يسأل الناس، ثم لا يكتفي بأصوات التأييد التي تأتيه هتافاً من جلبة الجموع، بل يدعوهم لأن "يعودوا إلى عُرفائهم"، ثم يرجعوا له بموقف كل فئة، معتبراً أن "العرافة حق، ولا يستقيم الناس إلا بعرفاء"، بمعنى ممثلين من بين الجمهور ليسوا الأكثر فقها أو علماً، بل الأقدر على التعبير عن هموم الناس وتطلعاتهم.

وقبل ذلك في لحظة التأسيس للدولة، يُصر على أن يكتب "صحيفة"، يُعدد فيها قبائل وبطون الأنصار وسكان المدينة مسلمين ويهود ومشركين، ويُضيف إليهم المهاجرين، ويُسمي كل منهم "أمة"، ثم يُسمي مجموع سكان دولة المدينة "أمة"، يتشاركون في الدفاع عن مدينتهم وفي الأعباء المالية والالتزامات والحقوق، وينزلون على نظام قضائي واحد.

ومع ذلك لا ننتبه لحقيقة أن ذلك تأسيس جلي لمبدأ المواطنة الذي يجعل تعامل الدولة مع رعاياها لا يستند إلا لعقد يُحدد الحقوق والالتزامات دون أن يتخطاها إلى إلزام المواطن بدين بعينه، أو محاباته فيما لو انتمى لدين محدد.

ومع ذلك ما زلنا نستمع إلى مشاكسات حول معنى المواطنة ومداها، ومدى جواز تولي غير المسلم لهذه الوظيفة أو تلك. فلم نستوعب بعد أن وظائف الدولة ليست هي الدولة، وأن الدولة ليست هي الأمة.

وقد فهمها الصحابة مبكراً، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلتقي أبا مريم الحنفي، قاتل أخيه زيد بن الخطاب، فيقول له: واللهِ لا أحبكَ حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح! فيرد أبو مريم: أتمنعني لهذا حقاً هو لي. فقال عمر: لا. فقال: أتغصبني حقاً ليس لكَ. فقال عمر: لا. فقال أبو مريم: فإن كان عدل وإنصاف، فإنما يحفلُ بالحُبّ النساء!

إنها ليست قصصاً تُروى على المنابر ليتلقاها المستمعون بالحبور وبنشوة رضا عن النفس، وإنما رسائل لكل الأجيال لتتلقاها، ولتحول تلك القيم إلى رؤى متماسكة وصيغ قابلة للتطبيق، ولتُبنى عليها، فإذا لم نفعل فقد خنّا أمانة نزعم القدرة على حملها.

ورغم حديث النبي صلى الله عليه وسلم "تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".

ورغم قوله صلى الله عليه وسلم "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فلكما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الإسلام".

وهو ما يعني أن المرض والعطب سيصيب أو ما يصيب نظام الحكم، وهو ما حدث واقعاً ومبكراً، فكان أن نُزع عن "الخلافة" أساسها الشورى، واستبدلت به أساساً من الملك العضوض المستند للتوارث لا على اختيار الناس. كما ابتُذلت البيعة فاختُصرت في موافقة الأعيان والكبراء وولاة الأقاليم على انتقال السلطة من أبٍ لابنه أو من ملك لآخر منقلب أو متغلب بالسيف، بينما القرآن يُشير لنظام يشمل الجميع وليس للكبراء والسادة.

ومع ذلك يأتينا من يُعيد نقل أقوال البعض في فترات حكم "المُلك العضوض والحكم الجبري"؛ ليقول إن "الشورى معلمة لا ملزمة"، ويهزأ من أولئك الذين يتهمهم بأنهم ضحايا فكري غربي؛ لأنهم يعتبرون الحرية هي أعلى القيم التي يُدافعون عنها، وأن الديمقراطية صيغة ضرورية لمنع الاستبداد ولإعادة السيادة للشعب في أن يختار ويُحاسِب.

ويتصدى من ينشدون اكتساب رضا الناس بإثارة عواطفهم، فيُدافعون عن الخلافة - كل خلافة - وهم لا يختلفون عن أولئك الذين يسبون الخلافة، كل خلافة. فهؤلاء يريدوننا أن نقبل "بأي خلافة"، وأولئك يريدوننا أن نتبرأ من "كل خلافة".

بينما علينا أن لا نقبل إلا بما يتوافق مع قيمنا وأن نراجع ما حاد عنها وفارق معانيها الواضحة، بل علينا استكمال تلك المسيرة التي وُضعت لبناتها في القرن الأول الهجري، ببناء نظام سياسي يجعل الحرية رأس القيم التي يحميها، ويجعل تداول السلطة أساساً لمشاركة الشعب في إدارة شؤونه، ويترجم البيعة إلى آليات تسمح لأبسط فلاح وأبسط عامل بأن يُشاركا في تعيين الحكام ومحاسبتهم، فيسعى لرضاه الحكام دون أن يسعى هو إليهم طلباً لحقه، فيستنزفون كرامته ويهضمون حقوقه ويُلقون إليه بالفتات، ثم تخرج علينا أصوات نكرات لتنتقد الفلاح والعامل، ولتغض الطرف عن تقصيرها في أن تُقدم لهؤلاء رؤية يلتفون حولها ونظام حكم عادلاً مُحكماً يُعيد لهؤلاء كرامتهم.

فلم يأتِ الإسلام ليُحرم النظام الكهنوتي لتقبل أمته بأنظمة حكم تستند لكهنوت "ديني" "عسكري" أو "نخبوي"، يحرم الشعب من حقوقه الأساسية، ويعتبره قطيعاً يحتاج لمن يقوده، لا سيداً ينتظر من يقوم على خدمته.

كما لم يُحرم الإسلام أن يتحدث أحد باسمه، لنفاجأ بأن آلافاً ممن يقل علمهم أو يزيد، يتجرأون بالتحول إلى متحدثين باسمه. بينما أن الإسلام لا يُعبر عنه إلا قرآنه وسنة نبيه وأمته عندما تجتمع (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، اجتماعاً حقيقياً، وليس توافق علماء، كما يذهب البعض.

اليوم، ونحن نقترب من نهاية القرن الرابع عشر الهجري، فإن مهمة هذه الأجيال - وقد أدركت الكارثة التي حملتها الدكتاتوريات إلى شعوبنا ودولنا وأمتنا - أن تُعيد الاعتبار لقيمنا الكبرى، وأن نرتفع بفكرنا السياسي إلى ما يتوافق مع تلك القيم، وأن ننشد إصلاحاً سياسياً لا يُعيد تطبيقات لم تُعبر عن تلك القيم، بل يجتهد لطرح رؤى تتطابق معها، وتُعبر بصدق عنها. فما زالت "الحوادث ممدودة والنصوص محدودة" لكنها تغص بالمبادئ الكبرى والمعاني الجليلة تنتظر من يكشف عنها الغطاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.