المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

أكشاك الدين

تم النشر: تم التحديث:

تعيش أمتنا مسرحاً عبثياً لا حدود له، فزعماء توافدوا بالعشرات للتبرك بالسيد ترامب في الأراضي المقدسة بخلوا حتى بكلمة للدفاع عن ثالث الحرمين الشريفين.

وسلطة قنصت مصلين وأراقت دماء معتصمين نشرت أكشاكاً للإفتاء، معتبرة الدين سلعة لا تختلف عن غيرها من السلع التي تحتكرها المؤسسة الحاكمة.

ويبدو أن الأمر يحتاج للتذكير بمعنى الدين كلما جرت محاولات لاختذاله في صورة مزرية أو فتوى مخزية.

فبجانب التصور الخاص للحياة وللكون ولما بعد الحياة، يشمل الدين شعائر للممارسة ونموذجاً سلوكياً وقواعد حاكمة للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، ويُطلق عليها الشريعة.

وربما زادت الشريعة في بعض الأديان السماوية عن العقيدة والشعائر أو العكس أو تحقق قدر من التوازن بينهما، لكن تلك العناصر متوفرة بقدر في كل دين سماوي.

ولذا كان احترام الحق في الاعتقاد جزءاً من الحقوق الدينية وليس كل هذه الحقوق، فبجانبه حق في ممارسة الشعائر، وحق في التعبير إلى غير ذلك، مما يشكل حزمة الحقوق الدينية.

التزاوج بين العقيدة والشعائر والقواعد السلوكية هو ما جعل الأديان السماوية أكبر مشروعات إصلاحية في التاريخ.

فالإسلام أخرج مائة ألف عربي من بطن الصحراء؛ ليمزجهم في شعوب مختلفة تاريخاً وفكراً وعقيدةً؛ ليصنع من هذا المزيج حضارة شكلت جسراً للإنسانية عبرت عليه من العصر القديم والوسيط إلى العصر الحديث.

وكأنه أعطى للإنسانية ترياق حياة لتواصل مسيرتها على الأرض بعد أن كانت قد وصلت لمرحلة من الجمود هدد بقاءها.

كما أنقذت المسيحية - رغم كل ما لاقته من عنت وقهر - الدولة الرومانية من التلاشي ومنحتها روحاً وعمراً جديدين بعدما كادت شمعتها أن تنطفئ.

حققت الأديان إنجازات مذهلة للبشرية في الفترات التي كانت فيها طليقة من يد السلطة ومتحررة من قيد المؤسسات، لكن هذا العطاء كان يتراجع في كل مرة يجري فيها إعاقة حركة الدين بترويض السلطة له عن طريق سجنه في بناء مؤسسي تابع لها.

فعلى سبيل المثال أدى اختصار المسيحية في مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية وارتباطها بسلطة الإمبراطورية الرومانية لأزمة دينية عميقة، فإذا كان العصر الذهبي للمسيحية وانتشارها الواسع ممزوجاً بالتعذيب ومصادرة الأموال والتضييق على المؤمنين من السلطة الرومانية، فإن أزمتها بدأت مع تحوّلها إلى الدين الرسمي لنفس الإمبراطورية بموجب مرسوم ميلان الذي أصدره الإمبراطور قسطنطين سنة 313 ميلادية.

بالطبع حققت للكنيسة مكتسبات، لكن ذلك جاء مقابل فقدانها لأهم خصائصها التي ميّزتها قبل الاعتراف بها ديانة رسمية للدولة وهو استقلالها من ناحية وحرية الناس في اعتناقها أو اعتناق غيرها من ناحية أخرى، بحيث كانت اختياراً إنسانياً لا فرضاً سلطوياً.

لم تعد المسيحية ديانة الأقلية المطاردة والمضطهدة، بل أصبحت ديانة الدولة وتمتعت بسلطة الدولة التي استعملتها في مواجهة الأديان الأخرى.

كما استفادت من الروح الإمبريالية للإمبراطورية للتمدد عبر أقاليم لم تحلم بالولوج إليها واستخدمت أدوات الدولة لفرض الكاثوليكية على ملايين من غير معتنقيها.

وفي المقابل، فقدت الكنيسة القدرة على منع الأباطرة من التدخل في شؤونها وتحديد أي تفسير ديني يمكن تبنيه بشأن العقيدة المسيحية.

واضطرت الكنيسة لقبول القانون الروماني الذي رفض المسيح عليه السلام، الاحتكام إليه، كما دعمت كل إمبراطور واعتبرته اختياراً إلهياً.

لا يختلف عن ذلك منح مؤسسات دينية في العالم العربي صفات مقدسة لحكام مستبدين، ككونه ولياً من أولياء الله الصالحين أو أنه من نسل النبي أو كونه أميراً للمؤمنين أو حامياً للمقدسات أو غير ذلك.

إنها صفات لا تثبت إلا بدعم من هيئة دينية تروج لها وتعمل على تثبيتها في قلوب المتدينين بخطابها الديني.

كانت المقايضة التي أبرمتها الكنيسة مع الإمبراطورية ناجحة في حينها، فالإمبراطورية حصلت على شرعية جديدة أمام شعوبها، وفي المقابل حصلت البابوية على الشرعية الزمنية لسلطتها الدينية.

لكن الزواج المحرم أفرز نظاماً مشوهاً، فالتوافق الذي قسّم الحياة بين دين ودنيا ووزع السلطة بين كنيسة وإمبراطورية، ما لبث أن انهار بمجرد أن استشعرت الكنيسة ضعف الإمبراطورية، فحلّت الكنيسة بالتدريج محل الدولة، ابتداء من صناعة القانون حتى التحكم في الثروة من خلال ملكية أربعة أخماس الأراضي الخصبة في القارة الأوروبية حصلت عليها عبر النذور والتبرعات.

أصبح البابا فوق الإمبراطور، وبدلاً من يختار الله الملوك كما روجت الكنيسة سابقاً، أصبح البابا هو من يختارهم؛ لأنه المعبر عن إرادة الرب.

وتحوّلت الإمبراطورية الرومانية العسكرية إلى إمبراطورية "مقدسة" تحمل مهام ربانية باعتبارها أداة بيد الكنيسة.

لم تستفد المسيحية من انتصار الكنيسة واحتكارها للسلطتَين الزمنية والدينية؛ إذ تحول الدين إلى كابوس مخيف، فبدلاً من أن يكون منقذاً لمعتنقيه من الاستبداد والظلم تصدت الكنيسة بنفسها لممارسة الاستبداد بأدواتها وفي أقبية كنائسها حيث لفظ مئات آلاف المعذبين أنفاسهم.

عانى الدين من ممارسة المؤسسة الدينية للسلطة الزمنية أكثر مما عاناه من مطاردة وتعذيب بيد السلطات الإمبراطورية في العصر المسيحي الأول.

وبالتدريج تحوّلت الشعوب الأوربية للعداء للكنيسة، وتخلى ملايين المسيحيين عن الكاثوليكية ليبتكروا مذهباً جديداً تتراجع فيه سطوة المؤسسة الدينية وهو المذهب البروتستانتي. لكن هذا التحول لم يأتِ إلا بعد حروب أهلية طاحنة وانقسامات مريرة وعمليات تهجير وتطهير ديني واسع.

انتهى الحال اليوم لوضع الكنيسة في الزاوية وحصارها بحزمة من التشريعات التي تحظر عليها العمل العام وتمنع عودتها للتمدد في الحياة الاجتماعية.

كان يُمكنها أن تستمر ترياقاً للحياة ورمزاً للحرية والتنوير لو لم تقبل أن تجعل من نفسها ماكينة لخدمة السلطة أو مؤسسة للسلطة.

أما لدينا، فمنذ سبعة عقود تحاول حكومات العالم العربي، التي يغلب عليها الاستبداد، أن تصنع معادلة كتلك التي صنعها قسطنطين في القرن الخامس الميلادي؛ ليَمنحوا أنفسهم خلوداً في السلطة.

فمن ناحية يجري تفريغ الدين من معانيه الكبرى ومقاصده الأساسية، وهي العدل والرحمة وحق الإنسان في الاختيار بإرادته، اختيار عقيدته التي يلقى عليها ربه، فكيف يُحرم من حقه في اختيار حكامه أو ممثله في مجلس المقاطعة أو مجلس الشيوخ أو مجلس الأمة أياً كانَت تسميته.

ومن ناحية أخرى، يجري حبس الدين في مؤسسات مقيدة ومُراقبة من السلطة، يتلخص دورها في تبرير الاستبداد وتقديس المستبدين واتهام كل احتجاج للشعوب في مواجهة القمع والإفقار بأنه خروج عن أصول الديانة وإثارة لفِتنة محرمة.

فكما بررت الكنائس سابقاً محاكم التفتيش بالدفاع عن العقيدة الكاثوليكية، فإن ممثلي مؤسسات دينية برروا قتل محتجين أبرياء بزعم أنهم خوارج ورائحتهم نتنة، كما جرى تصدير مشهد تنصيب حكام انقلابيين أو وراثيين في إطار ديني مقدس.

بل إن دعم الصراعات بين الأشقاء يجري بتبريرات دينية تتنافس مؤسسات دينية على صياغتها بصورة مخزية ومحزنة.

وتعبيراً عن وصولنا إلى القاع الذي كان لا يحتمل البعض مجرد تصور بلوغه، فإن رموزاً دينية ومؤسسات دينية بررت أو صمتت عن إغلاق أبواب الأقصى أمام المسلمين أو فرض إجراءات التفتيش عليهم تكريساً لسلطة محتلة لثالث الحرمين الشريفين.

فاستخدام الدين الوظيفي لتبرير الشيء ونقيضه هو أمر غير جديد، وعرفته كل الأمم في لحظات الانحطاط الكبرى.

جاء الدين ليحرر الأرواح من ربقة حكام مستبدين اعتقدوا أنهم يملكون الأرض ومن عليها من بشر، وأنهم يتحكمون في الأجساد وما تحملها من أرواح طاهرة.

فقد كان الرجس الكبر في كل دين هو العبودية لغير الله والاستسلام للاستبداد.

لكن المستبدين لم يعدموا الحيل ليجعلوا من الدين أساساً لعروشهم ومبرراً لاستبدادهم ويُساعدهم على ذلك متدينون ضعيفو الإيمان أو مؤمنون محدودو الفهم.

في هذا الإطار يُمكن فهم التحريم القاطع للانقطاع للتدين في الإسلام؛ إذ إن التسامح مع الانقطاع للتدين يعني خلق وظائف دينية وصولاً إلى بناء مؤسسة دينية تحتكر الدين والتعبير عنه، وهو ما يحوّل الدين لأكشاك لتصدير ما تفيض به السلطة من غثاء لا للدعوة لما يحمله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.