المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

الدولة والجيش

تم النشر: تم التحديث:

الدولة القومية الحديثة هي نتاج عمل مثابر للشعوب.. عمل لم يُثمر إلا عندما انتقل من مرحلة الانتماءات الطائفية أو الفئوية أو الجغرافية إلى التشارك في في انتماء أوسع لكيان افتراضي اسمه الدولة.. انتماء لم يلغِ أي انتماء آخر لكنه أخذ الأولوية بسبب الضرورة وبسبب الحاجة لإشباع معاني المصلحة المشتركة.

ولم تنجح عملية الانتقال إلا في اللحظة التي تحقق فيها تحولٌ آخر لإشباع الحاجة للحماية والدفاع، بأن تكوّنت الجيوش بالمعنى القومي والشامل والذي يسمح لها باحتكار القوة المسلحة.

ولذا فإن مفهوم الدولة القومية ارتبط بوجود الجيش القومي، كما إن صحتها ومرضها ارتبط بحالة الجيش؛ فهي مريضة إذا وقع الجيش في حالة تبعية لأجنبي أو لحاكم مستبد، وهي بعافية وصحة إذا بقي الجيش في جانب القيام بواجباته دون القبول بأن يكون تابعًا.

يمكن أن تختلف أو تتفق مع مفهوم الدولة القومية، لكنك لا يجوز أن تنزع عنها صفاتها وأركان وجودها ومنها الجيش وتنتظر أن تكون الأمور بخير. ومع ذلك فإن التخلّي عن الدولة القومية لشكل آخر من أشكال الكيانات السياسية لا يمكن أن يكون مغامرة تقودها جهات غامضة تتبنى رؤية الهدم دون أن تحمل أي رؤية لبناء البديل.

فالاتحاد الأوربي مثلا يُعبر عن توجه للانتقال من الدولة القومية لكيان أوسع يستند لمساحة أكبر من المصالح ومن عوامل التماسك والانتماءات الأكثر رحابة، بتفعيل معاني تاريخية وثقافية، لا بل ودينية، يُحرمها البعض علينا، بينما هي إحدى القاطرات التي تدفع الشعوب الأوربية، رغم اختلافاتها، لتقديم تضحيات عظمى لإنجاز الكيان الاتحادي الجديد.

إذن فالتفريط في الدولة القومية لا يعني بالضرورة انهيار الكيان السياسي، وإنما يعني تبني رؤية تسمح بانتقاله من كيان قائم بذاته إلى وحدة ولبنة في بناء أوسع، والقبول بتنازلات في معاني السيادة التقليدية، لتحقيق معاني الريادة الحديثة.

أما الرؤى التي تعتمد مفهوم تفكيك الدولة لبناء غيرها فهي إما مغرضة أو غير مدركة، لأن التفكيك يعني الانتقال لحالة فراغ لا يتحكم في إعادة بنائه إلا الأكثر قوة والذي يمتلك أدوات إعادة صياغة المنطقة، وهي قوى دولية مهيمنة بالتعاون مع دول إقليمية تملك قدرا من القوة تسمح لها بأن تؤدي أدوار خدمية للقوى المهيمنة بمقابل أو بدون مقابل حسب حنكة حكامها. لكنه في كل الأحوال على حساب المنطقة وشعوبها.

وربما إن هدم الجيوش هي أسرع وسيلة للوصول لإنهاء مفهوك الدولة القومية والشعب القُطري دون إيجاد بديل. فلم تنشر أمريكا الفوضى في الشمال الشرقي من العالم العربي إلا بعدما أقدم ممثلها في حكم العراق السفير بول بريمر على "حل الجيش العراقي" لتعود بالدولة العراقية إلى ما قبل مفهوم الدولة، وبالشعب العراقي إلى معاني التشرذم والطائفية والتفكك..

فملاحظة مدققة للحرب العراقية الإيرانية التي مكثت ثماني سنوات متمركزة على الجنوب العراقي (ذي الغالبية الشيعية)، بل والتي استطاعت إيران في بعض مراحلها أن تصل لمحاصرة البصرة واحتلال الفاو وتهديد العمارة لم تؤدِّ إلى انهيار للنظام الاجتماعي أو إلى تفكك الشعب العراقي بين شيعي وسني..

لكن الأمر كان مختلفًا في 2014 حيث انتقل العراق من الشعب إلى الطوائف بعدما تفكك جيشه ليستبدل به ميلشيات مدججة بكل سلاح حديث لكنها لا تستطيع أن تحقق إنجازًا معقولًا على الأرض لأنها غير مدفوعة بمصلحة مشتركة بالمعنى القومي وإنما بنوازع طائفية..

الجيش في الحالة المصرية جاءت لحظة ميلاده في عشرينيات القرن التاسع عشرا إيذانا باستكمال بناء الدولة المصرية في ظل تراجع العالم القديم بأنماطه الجيوسياسية وتصوراته الاجتماعية.. فلم يكن مطلوبا من مصر أن تتمسك بعالم يحتضر، حتى إذا انحصر تحولت إلى مساحة من الفضاء الخاوي بلا معالم دولة أو إطار يلتف حوله الشعب.. كان الانتقال لمفهوم الدولة الحديثة ضرورة فرضتها ظروف متغيّرة بأسرع مما تصور المتشائمون أو المتفائلون..

آلاف من أبناء الفلاحين لأول مرة منذ قرون يرتدون الزي العسكري ويحملون البنادق ويدخلون معارك على أراضٍ لم يحلموا بأن يروها يومًا، وعشرات آلاف الضحايا كتبت بقاء الشعب المصري رغم الانكسارات الكثيرة والأفراح المتناثرة.

وكما كان حضور الجيش إيذانًا بحضور الدولة، فإن انحيازه للحركة الوطنية كان تبشيرًا بتبني مصر لأول دستور في تاريخها في فبراير 1882 والذي لم يسقط إلا بالاحتلال الإنجليزي في نهاية العام، ليقوم بما قام به بول برايمر في العراق 2003 لكنها بطريقة تناسب العصر، فأعاد تقييد عدد الجيش المصري وتجريده من القدرات التسليحية التي يمكن أن تُهدد المحتل، وتحويله لأشبه ما يكون إلى ميليشيا يعتمد عليها المحتل في فرض نفوذه في إفريقيا، وهو ما أدى إلى وقوع آلاف المصريين قتلى في مذبحة مروّعة بالسودان عندما أُلقي بهم لمواجهة الثورة المهدية. لا يمكن لجيش حقق انتصارات مذهلة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في الشام وأوربا أن يلقى هزيمة نكراء كتلك إلا إذا لم نكن أمام نفس الجيش.

لا يمكن أن نتحدث عن عودة للجيش المصري بالمعنى الوطني إلا ابتداء من لحظة انتزاع المصريين لبعض من حقوقهم الدستورية والاجتماعية بعد ثورة 1919، فبدأ الحديث عن الجيش الوطني مرة أخرى لاستكمال عناصر الاستقلال، وهو ما بلغ ذروته مع حركة الجيش في 1952 والتي تضامن معها الشعب أملًا في استعادة بناء الدولة الوطنية المصرية بأركانها ومنها استكمال بناء جيش وطني يحمي ولا يخدم محتلًّا ولا مستبدًا. لكن الأحداث لم تتطور على الدوام بشكل إيجابي كما لا يجوز اختصارها فقط في جوانبها السلبية، فقد انتقلت محاولات تقييد الجيش المصري بالتبعية لمحتل، لتصبح محاولات تكريس تبعيته لمستبد.

وبالحديث عن التدافع الدائر في شوارع وميادين المحروسة، فسيكون كارثيًّا وصفه بأنه نزاع بين الجيش والشعب أو جزء منه، إذن لا شعب بلا جيش ولا جيش -بالضرورة- بلا شعب؛ لكنه نزاع حول كيفية حماية الدولة وأركان وجودها وأولها الجيش؛ فالجيش يمرض إذا وقع في حالة تبعية لمحتل أو لمستبد؛ ومرضه يعني مرضا للدولة وتهديدًا لوجودها؛ وهو ما يؤكده واقع الحال.

إن إدارك مفهوم الصراع يمكن أن يُعالج رؤى بعض المتحمسين والذين يصفون الجيش المصري بالخيانة أو بأنه جيش كامب ديفيد، ليُفرطوا بكل سهولة في ملكية الشعب للجيش ويسلموا بسذاجة بأنه مملوك للفئة المستبدة التي تختطف الدولة.

وربما أول الإدراك معرفة أن الجيش هو أكثر أركان الدولة تعبيرًا عن حالة شعبها طالما أنه لا يتشكل بصورة فئوية أو طائفية؛ والجيش المصري على خلاف جيوش أخرى بالمنطقة يعبر بصدق عن مزاييك الجغرافيا المصرية من أسوان إلى الإسكندرية وبور سعيد.. وما تراه من شعور بالقلق أو بالرضا لديك ستجده في كل وحدة وكل قطاع وكل سلاح..

إننا أمام جيش الشعب.. لكننا أيضًا أمام شعب يُعاني اختطافًا من ثلة لا تُراعي مصلحة الوطن.. وهو ما يصح على الجيش نفسه.. دون أن يمس ذلك حقيقة أنه جيش الشعب..

والنتيجة هي أن البحث عن الحرية والوصول لمسار ديموقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعة، ليس مطلبًا لصالح الشعب وحده بل لكل أركان الدولة بما فيها الجيش.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.