المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد محمود عبد الرحيم    Headshot

الاقتصاديات الإبداعية وحلول التنمية الشاملة في العالم العربي

تم النشر: تم التحديث:

2016-03-26-1459016680-1636768-toprichestcountryintheworld201411.jpg

مع التقدم التكنولوجي ظهرت أنواع جديدة وغير تقليدية من الاقتصاديات قد يقوم عليها اقتصاد بلاد بأكملها مثل اقتصاد المعرفة، واقتصاد التنمية البشرية.
والاقتصاد علم لم ينفصل أبدًا عن تلبية احتياجات الإنسان، والاحتياج الإنساني يبتكر حل المشكلات الإنسانية، وبمعنى أدق فالحاجة أم الاختراع necessity is the mother of invention، لا يمكن وضع تعريف محدد حول الاقتصاد الإبداعي ولكن يمكن القول أن الاقتصاد الإبداعي بالنسبة للأشخاص أو الدول يعني ببساطة مدى تحويل الهواية أو الإبداع الشخصي إلى تدفق نقدي واستخدام الحلول غير التقليدية والإبداعية في حل المشكلات الاقتصادية.

وحديثًا، ومع زيادة أهمية استخدام تكنولوجيا المعلومات، ومع تقدم وسائل الاتصال، بدأت تظهر الحلول الاقتصادية الإبداعية حول العالم ونستعرض في السطور القادمة في رحلة اقتصادية حول العالم لنماذج اقتصادية ابداعية ، فمثلًا يظهر مفهوم اقتصاد الفقراء في الهند فقد قام أحد رجال الأعمال في الهند "راتان تاتا" وهو حاصل على دكتوراه فخرية من مدرسة لندن للاقتصاد، كما سمته مجلة "فوربز "الأمريكية رجل أعمال العام ٢٠٠٥ راتان تاتا من قام بثورة تغيير شاملة في تكنولوجيا صناعة السيارات على مستوى العالم، بعدما أخذ على عاتقه تصنيع سيارة زهيدة الثمن حتى تكون في متناول الجميع .

كانت الفكرة في البداية أشبه بالحلم عندما شاهد "راتان" أسرة مكونة من أربعة أفراد فوق دراجة بخارية في ليلة ممطرة، فقرر ضرورة توفير وسيلة أكثر راحة للتنقل يمكن للأسر والعمال والمزارعين تحمل تكاليفها، وبالفعل تم تصنيع سيارة تاتا نانو (أرخص سيارة في العالم)! نعم أرخص سيارة في العالم، ليس هذا فقط بل إن الهند أيضًا قدمت للعالم في إطار ما يمكن أن نسميه اقتصاد الأشد فقرًا.
2016-03-26-1459016391-4151018-703562775393.jpg

فقد نفذت مشروعًا بتوفير جهاز كمبيوتر محمول مطوّر، بسعر (35 دولارًا)، يعتبر الجهاز أرخص كمبيوتر محمول في العالم، ويعمل بتقنية اللمس، وتعتبر الهند أول بلد في العالم تحاول أن تبتكر صناعة متطورة بتكاليف أقل لرفع مستوى الناس الأقل دخلًا، وتجربة بنك الفقراء (جرامين) في بنجلاديش هو فكرة اقتصادية بديعة غيرت من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بنجلاديش التي انخفضت فيها نسبة الفقر انخفاضا كبيرًا، وأصبح البنك نموذجًا في محاربة الفقر في الاقتصاديات العالمية، حيث يتعامل بقروض صغيرة جدًا تقضي على التعثر وتصنع حياة للفقراء وخصوصًا في القرى الصغيرة والمناطق الأقل تنمية، كما يعطي البنك الأولوية للنساء في الريف اللاتي يشكلن ٩٦٪ من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن، والغريب أن البنك يحقق أرباحًا.

والمقصود هنا خلق أفكار اقتصادية جديدة لجعل الفقراء في المجتمع قوة منتجة وليس عبئًا على الاقتصاد الوطني، وتبني مشروعات قومية في هذا الصدد، وهناك دول كثيرة في العالم قامت على اقتصاديات غير تقلدية كالصين؛ فقد كانت البداية بصناعات متناهية الصغر وصناعات صغيرة ثم عملت بخطط مدروسة، وصولًا إلى الصناعات الحربية والسيارات والطائرات.

وهناك دول اقتصادها يقوم على السياحة أو الخدمات أو أي اقتصاد غير تقليدي. وربما ظهور دول كبنما وقناتها المائية، حيث أدت هذه القناة دورًا كبيرًا في اقتصادها، كل ذلك أدى لظهور اقتصاد جديد ومهن حرة جديدة حول العالم، حتى من خلال الإعلام الاجتماعي الذي ساهم في التسويق المباشر والوصول السريع لأكبر قدر ممكن من العملاء في مختلف الدول.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهرت اقتصاديات جديدة من خلال وسائل الإعلام الاجتماعي كتنظيم المؤتمرات، والتصوير للهواة والمحترفين، وكتابة المقالات والكتب، وتحميل الكتب، وتنظيم الموارد البشرية من خلال تسويق السير الذاتية والبحث عن العمل، والتواصل مع المعجبين والعملاء بالنسبة لمسوق للمنتج، سواء أكان سلعة أم خدمة. ويندرج في هذا مجالات الملكية الفكرية، وحقوق النشر، والنماذج، والعلامات التجارية، والتصاميم، وبراءات الاختراع، والأعمال الفنية، والموسيقى، وبرامج الحاسوب، والتصوير الضوئي، والأفلام، والفيديو، والألعاب، والعمارة، والبحوث، والتطوير، وتصميم الملابس والمنتجات.

وهناك على سبيل المثال في الهند صناعة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات التي غزت بها العالم وأصبحت أحد أهم مصادر الدخل القومي. وفي أمريكا الجنوبية صناعة الرياضة؛ كتنظيم الأحداث الرياضية، واحتراف اللاعبين في الدول الأوروبية، وعودة الأموال على الأندية المحلية وبالتالي ضخ عملة صعبة في السوق المحلية، ودفع الضرائب والرسوم للدولة، وهذا يساهم في انتعاش اقتصاد هذه البلاد إذا أحسنت هذه الدول إدارة هذه الموارد.

وفي تركيا مثلًا حيث صناعة القمامة وإعادة تدويرها بصناعات مفيدة. وهناك العديد من الأمثلة حول العالم، وفي السويد شركة IKEA الشركة التي يوجد لديها 2000 موزع في 67 دولة و 136 فرعًا في 28 دولة بدأت برغبة جامحة من قبل بائع كبريت اسمه إنغفار كامبراد حوّل حلمه إلى واقع من خلال التحول إلى صاحب أكبر شركة أثاث عالمية، وعندما تزور متجر الشركة في أي فرع حول العالم تجد نفسك وكأنك في السويد البلد الأم للشركة، حاولت الشركة توفير كل سبل الراحة للعميل من خلال طريقة عرض المنتجات أو حتى فتح مطعم خاص في المتجر، ومن خلال المطعم يتم تسويق أنواع الطعام السويدي فهو ليس متجرًا وليست مجرد شركة إنما هي خير سفير للاقتصاد السويدي ونموذج للإبداع الاقتصادي في الشركات في العالم.

2016-03-26-1459016854-5849364-ikea_0.jpg

وليس المقصود هنا بالإبداع هو أفكار أو مستوى جودة منتجات الشركة، إنما الإبداع في التسويق وطريقة العرض ورسالة ورؤية الشركة، فالاقتصاد الإبداعي اليوم قطاع رئيسي ومهيمن في مجال المهن والأعمال والتجارة والاقتصاد، وصار المقياس الأساسي للتقدم الاقتصادي، وهو اقتصاد يتطور مع تطور التقنية وبخاصة في مجالات الاتصالات والمعلوماتية.

وبالارتقاء الإنساني وتطور حاجاته، فالإنسان يتطلع بعد تلبية احتياجاته المادية إلى الاحتياجات الروحية والفكرية، وهذه المنتجات بدورها تطور وتعظم الموارد المادية الملموسة والاحتياجات المادية أيضًا كالعمارة واللباس والطعام، ويمكن ببساطة ملاحظة الإبداع والخيال في تطوير وتعظيم هذه المرافق والاحتياجات. وكأن الأمم تتقدم وتزيد مواردها بما تملك من جمال وخيال هذه الأفكار كنموذج للاقتصاد الإبداعي، ويمكن أن تكون نقطة تحول للعديد من الشباب في تكوين صناعة إبداعية لو سهلت عملية الترحيب بالأفكار، أو على الأقل تسجيلها وحمايتها رقميًّا بدلا من المراجعة المملة.

وقد تناول تقرير الاقتصاد الإبداعي للأمم المتحدة للعام ٢٠١٣[1]، الذي نتج عن تعاون مشترك ما بين منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون. يعرض التقرير النتائج المتعلقة ببلدان معينة، وذلك بهدف أن تكون أداة ملهمة للآخرين لإيجاد سبلهم المميزة للتنمية المحلية. فهو يراجع أكثر من ٨٠ برنامجًا ثقافيًا وتنمويًا في العالم من «صندوق الإنجازات للأهداف الإنمائية للألفية المقبلة» الممول من حكومة إسبانيا إلى الصندوق العالمي للتنوع الثقافي التابع لليونيسكو، ففي البيرو أدّي برنامج تنموي مشترك مع «صندوق الإنجازات للأهداف الإنمائية للألفية المقبلة» إلى تدريب الحرفيين المحليين على إنتاج مشروب محلي بطريقة أكثر فاعلية، ولم تؤدّ المبادرة إلى زيادة الأرباح فقط، ولكنّها ساعدت أيضًا على تشغيل النساء اللواتي عادة ما يكنّ مهمشات في المجتمعات المحلية.

كما طوّرت التنمية البيئية من خلال إدخال الأفران الّتي تعمل على الغاز. حتى أنّه كان لهذه المبادرة تأثير على السياسات العامة من أجل احتضان الصناعات الإبداعية على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلّية.

وفي السنغال، قامت إحدى الأكاديميات الموسيقية بتدريب الشباب المحلي على التصميم والرسم الرقمي والإنتاج الموسيقي والتسويق والإعلانات. فساعد هذا البرنامج المبتكر على تمكين الشباب من الاستثمار في قدراتهم محلّيًا والوصول إلى الأسواق العالمية. كما أنّه ساهم في المحافظة على الثقافة الفنية في الوقت الّذي ساعد على استثمار التطوّر التكنولوجي من أجل النمو.

في الوطن العربي وفي مصر هناك مشروع «نقادة» لصناعة المنتجات المعاصرة باستخدام أساليب بدائية كانت معتمدة في الريف المصري. يعمد هذا المشروع إلى إعادة فن الحياكة في مصر حيث اندثرت هذه الحرفة بعدما واجهت كثيرًا من الصعاب. وبعدما كان مشروع «نقادة» مبادرة صغيرة على نطاق ضيق، تحوّل إلى مشروع ناجح استطاع أن يضمن وجودًا محليًا قويًا في الوقت الذي حقق فيه انفتاحًا عالميًا، وأصبح يسوّق منتجاته ذات الجودة العالية في بلدان مثل إيطاليا واليابان ولبنان.

وقد ذكر التقرير أن التجارة العالمية للسلع والخدمات الإبداعية شملت رقمًا قياسيًّا بلغ ٦٢٤ مليار دولار أميركي في عام ٢٠١١، وازدادت أكثر من الضعف بين عام ٢٠٠٢ وعام ٢٠١١. وفي الوقت عينه، يتمتع الإبداع والثقافة أيضا بقيمة كبرى غير نقدية تُسهم في التنمية الاجتماعية الشاملة والحوار والتفاهم بين الشعوب،

وفي مصر كنموذج من العالم العربي، يوجد العديد من الأفكار لتنمية وإنعاش الاقتصاد الوطني؛ كالاستفادة من أموال الوقف، وإعادة تدوير المخلفات، وتحلية المياه لزراعة الصحراء، والسياحة العلاجية، وخدمات قناة السويس.

الخلاصة أن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى حلول إبداعية وجذرية للخروج من الأزمة الحالية، ويجب الاستفادة من الاقتصاد الإبداعي والخروج بأفكار غير تقليدية للخروج من أزمة الاقتصاد المصري من أجل مستقبل أفضل. وفي النهاية لابد أن ينعكس النجاح الاقتصادي على الحياة الاجتماعية بل وعلى الحياة السياسية للدول. وكما شاهدنا، فإن المشاكل الاقتصادية وقلة الموارد تكون دافعًا هاما للخروج بحلول اقتصادية إبداعية، ويمكن الاستفادة من نماذجها العالمية للتطبيق في الدول الأقل نموًا وفي عالمنا العربي، وخاصة فلسطين المحتلة.

1- http://unesdoc.unesco.org/images/0022/002246/224698a.pdfالتقرير كامل