المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد محمود عبد الرحيم    Headshot

عوائد التعليم الغائبة وتأثيرها على الإقتصاد فى العالم العربي

تم النشر: تم التحديث:

2015-10-13-1444766362-9001863-4214534488.jpg

يعد التعليم من أهم قواعد صناعة التنمية الاقتصادية، وغياب الوعي المجتمعي كان نتيجة إهمال التعليم إلى جانب العديد من المشكلات السياسية والأمنية والاجتماعية التي ساهمت في صناعة مفهوم اقتصاد اليأس في العالم العربي.

وساهم في ذلك أيضاً تكريس ثقافة الانقسام والصراعات في كافة المجالات مع إهمال البحث العلمي، إلى جانب الإشكالية الخاصة في تطبيق العلم في العالم العربي وإمكانية التحول إلى مجتمع الاقتصاد المعرفي وتطبيق العلم في الحياة، وهي من اكبر التحديات العلمية.

ببساطة لابد أن لكل شيء تتعلمه في الحياة تطبيق، وإلا فإن التعليم يفقد قيمته، فالعلاقة بين العمل والتعليم هي علاقة طردية أي كلما زاد التعليم زادت معه فرص العمل المناسبة، وأعتقد أن أهم مخرجات للتعليم تكمن في أكثر من محور وأهمها المحور الأول: الوضع الاجتماعي والتأثير في المجتمع، حيث كلما زاد معدل التعليم والمعرفة ينعكس ذلك على المهارات الاجتماعية والاتصال الخاصة بالشخص مع المجتمع مثل حل المشكلات وتوقعها وإدارة الأزمات وصناعة القرارات والتأثير في الغير، وغيرها من المهارات.

المحور الثاني: وهو الانعكاس المادي أي أنه كلما زاد التعليم زاد المقابل المادي، خصوصاً في ظل نظرية الندرة النسبية، كلما زاد ندرة ونوعية التعليم وطلب سوق العمل لهذا التعليم زاد المقابل المادي، ما ينعكس على حياة الفرد الشخصية وعلاقته في من حوله.

المحور الثالث: وهو محور الرضا الداخلي والشعور بالتقدير الداخلي، وهو ما يسبب توازناً نفسياً للشخص، كما أن نوعية وجودة التعليم كلما كانت ذات محتوي قيم لابد أن تتزامن مع تدريب يسهم في اكتساب الخبرات سريعاً، وهذا بالطبع أفضل كثيراً من الاعتماد على الخبرة العملية فقط، فقياس التكلفة والعائد في التعليم هام، فإذا أصبح التعليم تكلفة بلاعائد فلا قيمة له ولا هدف منه.

هذا بالإضافة إلى أهمية امتلاك الموهبة الشخصية لأنها أساس النجاح مع العمل والتعليم لخلق مكانة متميزة سواء في سوق العمل أو حتى في الحياة الشخصية، فإن الموهبة إذا تمت إدارتها بالأسلوب المناسب مع تعليم ذي جودة ستحقق نتائج مبهرة على كافة المجالات.

من المهم أن يصبح تعليم الفرد يدل على موهبته وقدراته وإمكانيته لأنه إذا كان التعليم مهما كانت قيمته ضد مهارات ومواهب الفرد الشخصية تصبح عملية مدمرة لأنه من جهة يبعد الفرد عن مواهبه ويكتسب تعليماً غير نافع، لأنه في الغالب لن يؤثر في الشخص، التعليم دون موهبة نصف نجاح والموهبة بلا تعليم أكثر من نصف النجاح والتعليم والموهبة هو النجاح بعينه. ومن الضروري أيضاً فهم العلاقة بين التعليم والموهبة والتأثير على سوق العمل.

مصطلح التعليم غير المكلف وهو تعليم قليل التكاليف وقد يكون العائد الاقتصادي له قليل أو متوسط أو كبير وغالباً ما يكون تعليماً نظرياً دون تجارب أو تطبيق أو أبحاث وتفاعل علمي، أو تنمية قدرات العلمية والشخصية، وينتشر التعليم غير المكلف في الوطن العربي، حيث الكليات النظرية ذات الأعداد الكبيرة دون النظر إلى جودة التعليم.

على سبيل المثال إحدى الكليات في إحدى الجامعات العربية العريقة لا يوجد معامل للحاسب الآلي تغطى أعداد الطلاب، ما يؤدي إلى تعليم برامج الحاسب الآلي نظرياً على الورق بدلاً من استخدام المعامل!! فتحول الهدف من إجادة مهارة للطالب إلى حفظ منهج ونسيانه بطبيعة الحال بعد الدراسة.

التعليم الأمثل هو القائم على أركان (التعلم والبحث وتطوير المهارات الشخصية والمهنية) نتيجة الفساد والروتين والمحسوبية وزيادة عدد الخرجين، أدى ذلك إلى زيادة المعروض من رأس المال البشري، فمهما زاد الطلب على العمالة فإن العرض يزيد عن الطلب، بما يعنى أن صعوبة وجود فرص عمل حقيقة للشباب في الوطن العربي وبالتالي فإن سوق العمل ليس مفتوحاً، بما يعنى أن العرض والطلب يواجهان تشويهاً في سوق العمل في الوطن العربي، وبما ينعكس بالسلب على العديد من المشاكل والظواهر المجتمعية، وأهمها على الإطلاق هو البطالة، حيث إن البطالة ليست ظاهرة قاصرة على الاقتصاد الكلي ومؤشراته بل هي ظاهرة في المجتمع تؤثر في ظواهر أخرى مثل نسب الجريمة والعنوسة.

ظهرت مفاهيم جديدة في التعليم للربط بين التعليم وسوق العمل ومنها على سبيل المثال:

- التعليم بالمحاكاة Simulation :هو استخدام الطالب الأجواء الحقيقة التي سوف يمارس منها مهمته أو مهنته بعد التخرج ولكن في صورة تعليمية سواء كان هذا باستخدام أجهزة مثل استخدام جهاز محاكاة قيادة الطائرات والدبابات للطلاب الكليات العسكرية، أو محاكاة للمحاكم للطلاب الكليات القانونية على سبيل المثال، أو عقد مؤتمر للطلاب للمناقشة القضايا المطروحة لجامعة الدول العربية في نفس قاعة القمة العربية لطلاب العلوم السياسية، تسهم عملية المحاكاة في ربط التعليم بسوق العمل وتقليل الفجوة مع الواقع، وبالتالي عند التخرج تكون نسبة النجاح والتأقلم أعلى كثيراً ممن استخدموا النظريات فقط.

التعليم المرح: هو ذلك النوع من التعليم الذي يستخدم بالألعاب وخصوصاً للأطفال في بداية التعليم، وهو خلق ألعاب لها أهداف تعليمة سواء كانت ألعاب فكرية أو رياضية، وإلى ذلك من ألعاب علمية وأناشيد ومسابقات وغيرها، بالإضافة إلى اكتشاف الطفل وقدراته من خلال هذه الألعاب ووضعه في بيئة تخيلية (محاكاة صغيرة ومناسبة ) للتركيز على ابداعاته. وهذا المفهوم تقريباً غائب في العالم العربي. فقد ذكر تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" عام 2014 قال إن نحو 43% من الأطفال في الدول العربية يفتقرون إلى المبادئ الأساسية للتعليم سواء كانوا في المدارس أو خارجها. كما جاء فيه أيضاً أن 36% في المئة فقط من الفتيات في اليمن، على سبيل المثال، حصلن عن قدر من التعليم الأساسي.

التعليم التفاعلي: هو التعليم القائم على المشاركة مثل الندوات والدورات التدريبية والمؤتمرات وأبرز مثل على ذلك هو تدريب مجموعة من الطلاب على كورس تدريبي معين ثم يقوم هؤلاء الطلاب بعد ذلك بتدريب زملائهم في الجامعة تحت إشراف أكاديمي، وبذلك يتم إعطاء الفرصة لصنع قيادات طلابية وتعظيم الاستفادة للطلاب وتشجيع البحث والتعليم التفاعلي، وقد سعت في هذا الإطار بعض الجامعات العربية، واقع التعليم في العالم العربي ليس بخير فقد ذكرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "ألكسو" في تقرير لها عام 2011 أن أكثر من ربع سكان الوطن العربي مازالوا محرومين من التعليم ومواصلة التعلم، وأشار إلى أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في الدول العربية وصل إلى 72.9 في المائة، أي أن نسبة الأمية تصل إلى 27.1 في المائة. الأمل في التعليم والمعرفة في العالم العربي موجود بالطبع>

الصورة ليست قاسية هكذا، فهناك جهود كبيرة تبذل على أرض الواقع، على سبيل المثال تصنيف الجامعات العربية في تصنيف شانغهاي لعام 2014 أحد أهم التصنيفات للجامعات في العالم ويعتمد تصنيف شانغهاي الأداء فيما يتعلق بالبحوث لاسيما البحث العلمي، من دون الأخذ بعين الاعتبار جودة التعليم. كما تشمل معايير التصنيف مرور الحائزين على جوائز نوبل سواء من خلال الدراسة أو التدريس (20 بالمائة من العلامة الممنوحة) ونجاح الخريجين (10 بالمائة) وحجم الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلتي "ناتشر" و"ساينس" البريطانيتين (20 بالمائة) ونسبة الإشارة إلى تلك البحوث والجامعات في وسائل الإعلام والمجلات العلمية (20 بالمائة) ونسبة الإشارة إلى الباحثين في السنوات الخمس الأخيرة (20 بالمائة) والأداء الأكاديمي (10 بالمائة، جاءت جامعة الملك عبدالعزيز السعودية الأولى عربياً في المركز 156 متبوعة بجامعة الملك سعود في المركز 157. وحلت جامعة القاهرة ثالثة على المستوى العربي في المركز 410 عالمياً، ثم حلت جامعة العلوم والتكنولوجيا في الرياض بالمملكة العربية السعودية في المركز 426، متبوعة مباشرة بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز 427.
2015-10-13-1444766233-1406223-big201411322814RN225.jpeg

هناك العديد من الأفكار والمقترحات للتطوير التعليم وربطه بسوق العمل في العالم العربي، ومنها على سبيل المثال، ربط التعليم الأكاديمي في الجامعات بسوق العمل من خلال ووحدات للتوظيف والتدريب وتنمية المهارات في الجامعات العربية والمدارس العربية، تطوير التعليم الفني والصناعي، العمل على مكافأة الخرجين الأوائل والمتميزين سواء للجامعات أو التعليم الفني من خلال قروض حسنة ومكافآت مالية لائقة، والتشجيع على فتح مشروعات وتشجيعهم على ريادة الأعمال والمساندة في مرحلة ما بعد فتح المشروع من خلال التدريب والاستشارات الفنية والمالية وتشجيع ثقافة العمل الحر، التعاون مع المجتمع المدني والجامعات للنشر ثقافة العمل التطوعي في كافة المجالات، وبالتالي ينعكس ذلك على الخبرة وكفاءة الطلاب في سوق العمل في المستقبل بعد التخرج، دمج الأنشطة الطلابية في المقررات الدراسية مع تصميم أنشطة طلابية تتناسب مع كل مرحلة من مراحل التعليم سواء الجامعي أو ما قبل الجامعي.

في النهاية الوطن العربي يحتاج إلى مجهود ضخم وكبير من أجل التنمية الاقتصادية، وهناك الكثير من العلامات المضيئة للتحول للاقتصاد المعرفة والتنمية الاقتصادية، فالتعليم هو رأس المال الحقيقي للدول وأساس أي تنمية اقتصادية، وهي الحقيقة التي يعمل من أجلها دول العالم وحتى إن كانت كل المؤشرات الدولية والإحصائيات تؤكد أن التعليم في الوطن العربي في حالة سيئة إلا أن هناك أملاً وجهوداً قد تنعكس في المستقبل على التعليم، ولما لا فقد نستطيع يوماً أن نغزو الفضاء أو نستحوذ على جوائز نوبل، ولن يتغير مفهوم اقتصاد اليأس إلا من خلال التعليم، ليصبح التعليم هو وقود التنمية في العالم العربي في المستقبل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.