المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مأمون أبوشوشه Headshot

سُمية ماهر.. "الحدوتة" التي أدمت المُقّل!

تم النشر: تم التحديث:

"مش هينزلوا غير وأنا معاهم، ما تسيبونيش لوحدي!".. كانت تلك العبارات هي آخر ما قالته العروسة "سُمية" قبل أن تُختطف على يد قوات الأمن من منزل أبيها أمام أعين مَن في المنزل من شقيقاتٍ ووالدة، أعيتهم رحلات البحث عنها منذ الثلاثاء 17 أكتوبر/تشرين الأول، ذلك التاريخ الذي لن ينساه مؤرخٌ لتلك الحقبة البغيضة التي تعيش فينا ولا نعيش فيها!

سُمية.. الفتاة العشرينية التي اعتقل والدها منذ ما يزيد عن أربعة أعوام -بسبب مواقفه المعارضة للنظام- خاضت خلالها تجربة الابنة الكبيرة والمسؤولة عن شقيقاتها في غياب والدهن، أدت دورها بنجاحٍ وواصلت المسير إلى أن التقت بـ"حُسام" ذاك الطبيب الذي سُجن هو الآخر جوار والدها في ذلك الملعون المُسمى بالسجن، ومرت الأيام وتقدم الطبيب المحكوم عليه بالسجن 7 سنوات لخطبة الفتاة خريجة كلية العلوم، الأمر الذي يظنه سكان كوكب زحل مستحيلاً فمن تقبل بانتظار هذا المستقبل المجهول المعالم غير تلك الفتاة التي لطالما أحبت "المعافرة" مع أدق تفاصيل تلك الحياة المزعجة.

وتشاء الأقدار أن يُقبل طعن الخطيب الطبيب على حكم سجنه، فإذا به خارج أسواره بعد أربع سنوات قضاها ظلماً، ليبدأ وسُمية سبيلهما الذي استهلاه بعقد قرانهما في مشهدٍ انتظره، بل تمنّاه القاصي عنهما والداني، لكن عصابة من اللصوص تحكُمنا ترتوي بآلامنا أصرت على سرقة الفرحة ويا ليتهم اكتفوا بسرقة الفرحة وتركوا أصحابها، سرقوا أصحابها.. خطفوا سمية!

من الممكن أن يكون الشعب المصري الخانع قد اعتاد خلال السنوات الماضية على مشاهد وأنباء الاعتقال والتعذيب والقتل والترويع بحق الرجال ممن يُشتبه فيهم أمر الاعتراض أو حب التغيير أو الثورة، لكن المشهد الآن بات مختلفاً؛ حيث دمر كل القواعد وتخطى العادات والتقاليد التي تربينا عليها نحن الشعب المصري على مدار آلاف السنين، فتُخطف البنات ويُخفين قسرياً ويُمنع عنهن الدواء ويُنكلُ بهن، لا لشيءٍ سوى أنهن أحببن الحياة ورجَون لو أن سماء بلادنا أمطرت "حرية" لتطهرنا مما لحق بنا من نجس الخنوع.

هذا النظام الذي تخصص في وجع القلوب وتشتيت الشمل وتفريق الجمع، يُخرجُنا من قصة أسماء مصر وإبراهيم رجب الشهيرة، اللتين قضتا ما قضتا ولقيتا ما لقيتا من معاناة وعذاب تابعناهما، إلى رواية مرعبة جديدة من بطولة "سمية ماهر وحسام هارون"، أبى هؤلاء أن يُتموا علينا سعادتنا التي غمرتنا حين التقيا أخيراً! فيختطفونها دون سابق إنذار ويُبدلون الأدوار لتُسجن سمية وتُنكل بها وتُختطف وتُخفى ليبدأ حسام مشوار البحث عنها، مُبدلاً حلم العمر من منزلٍ صغير يجمعهما، إلى أن يعرف خبراً يدله على مكانها؛ لتراها عيناه ولو لثانية واحدة!

فإلى متى سنظل نكتب وندوّن عما يحدث حولنا دون جديدٍ أو مفيدٍ يُخرجنا من ذلك الممر الذي يضيقُ بنا بمرور الساعات، مصر التي باتت سجناً كبيراً ذات أسوارٍ شاهقة يمارس سجانها بحقنا أبشع الممارسات لتكتوي قلوبنا وتحترق عجزاً وكمداً، غير قادرين على تقديم يد العون لمن نحب خوفاً من أن تطوّقها قيود السجان.

سُمية.. التي عاصرت ثورة يناير البيضاء كأي شابٍ وفتاة في عمرها وعاصرت ما تلاها من أوهامٍ بيعت للشعب المصري لم تكُن تدري أن ينتهي بها المطاف "مخطوفة" بين يدي عتيّ، يبحثُ عنها رفيق الدرب "حُسام" بين الأقسام وبين السجون دون أن يدلّه أحدٌ على أثرها، ألأبيها المحبوس ظلماً منذ أكثر من 4 سنوات أخفوها؟! أم لها ولنجاحها ومثابرتها ومجاراتها للظلم و"المعافرة" مع الحياة البائسة اختطفوها؟!

لم تطاوعني يداي على "الفضفضة" منذ فترة ليست بالقليلة، لكني لم أتوقع يوماً أنها حين تقرر أن تنصاع، سيكون المصير أن تكتب عن تلك "الحدوتة" الأكثر رُعباً في تاريخ الحواديت على الإطلاق، حدوتة اختطاف سُمية، تلك الفتاة التي أصبحت أيقونة لتجسيد القهر الذي نعانيه في ربيع عمرنا الذي كرهناه وتمنينا لو أنه ما هَلّ!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.