المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد لطفي محمد Headshot

لماذا أكل الفأر الطماطم؟

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظة: التدوينة تحتوي على عبارات بالعامية المصرية

"فيه فار في الشقة!".. بهذه العبارة الرومانسية صرخت زوجتي! فارتعدت فرائصي وجُنَّت ضربات قلبي وارتسم الرعب على وجهي.

كنا في الأشهر الأولى من عمر زواجنا، تلك الأشهر الحاسمة التي أعرف يقيناً أنها ترسم الصورة الذهنية لكل منا لدى الآخر، وتضع مسلَّمات وقواعد قد تستمر سنوات عديدة قبل أن تطولها يد التغيير. ومن ناحيتي، لم أدخر جهداً حقيقة في رسم صورتي كما أحب، فانطلقتُ بكل طاقتي أطلق نيران الرومانسية والفحولة والرجولة وخفة الظل بسبب ومن دون سبب، حقيقة وافتعالاً، داخل السياق أو خارجه، وكنت أراني يوماً بعد يوم أقترب بثبات وثقة مما أريد.

"المشكلة إني بقْرف منها لدرجة الموت، وبقت دي الحاجة الوحيدة اللي بخاف منها".

بتلك العبارة الكاذبة رددت عليها. كانت العبارة كاذبة بفجاجة، فليست الفئران هي الشيء الوحيد الذي أخافه؛ بل وليست حتى أكثر تلك الأشياء، فأنا -حقيقة- أخاف من كل شيء! غير أني لم أجد إلا تلك العبارة لحفظ ماء وجهي وإنقاذ رجولتي التي أصبحت على المحك.

"وبعدين ده بيجرى بسرعة والشقة كلها عفش، همسكه إزاى؟!"؛ هكذا أكملت محاولاً ادعاء أن كل مشكلتي تكمن في عدم استطاعتي الإمساك بذلك الفأر تعيس الحظ الذي دخل بقدميه إلى عرين الأسد!

"فيه مصيدة تحت، انزل هاتها ونحطها في المطبخ بالليل وأكيد هتمسكه"؛ أجابت زوجتى على تساؤلي -الكاذب- بحلٍّ عملي فعلاً، فأنا هنا لست مطالباً بمطاردته ولا مواجهته، فحمدت لها طوق النجاة هذا الذي ألقته إليّ دون أن تدري.

نزلت إلى "تحت" -حيث أمي وأبي- سألت أمي عن المصيدة فأخرجتها لي، وسألتني عن الفأر فقلت لها إنني لم أره، وأخذت منها المصيدة، وأنا أقاوم شعوراً بالاشمئزاز من منظرها (المصيدة بالطبع وليست أمي)، وأمسكتها من قاعدتها الخشبية محاولاً عدم لمس هيكلها المعدني وأسلاكها الصدئة التي كانت صورة مجسمة للرعب والموت.

وصعدت بها إلى زوجتي، التي أخذتها ووضعتها بحرص في المطبخ بعد أن علّقت بداخلها ثمرة "طماطم" حمراء كبيرة؛ لتغري الفأر بلونها، ولم تكن تعلم -ولا أنا- أن الفأر لا يميز الألوان من الأساس! وأكملنا باقي يومنا محاولَين ادعاء أن كل شيء طبيعي، غير أن كلماتنا المتوترة وحواسنا المتشنجة المتربصة كانت تفضحنا بامتياز، حتى إذا ما جنّ الليل ذهبنا للنوم، آملين أن تزول الغمة.

وبالفعل، قبل أن نغمض أعيننا، انتفضنا على صوت طرقعة قوية فقفزت زوجتي صائحة: "المصيدة! وقفزت معها ضربات قلبي فعجزت عن الكلام، خرجتُ خلفها بأرجل لا تكاد تحملني إلى المطبخ وأشعلنا الأنوار ورأيته. كان فأراً منزلياً متوسط الحجم، ويبدو أن المصيدة أغلقت عليه بمجرد دخوله إليها، فلم تكن ثمرة الطماطم قد مُسَّت بعد، وكان يحاول باستماتةٍ دفع باب المصيدة، غير أنها كانت محكمة بالفعل ولله الحمد.

ظللت واقفاً -متجمداً في الحقيقة- أمامه لا أدري ما أفعل، فقالت زوجتي: "إنت هتفضل واقف، يللا مَوِّتُه!"، فنظرت لها عاجزاً متوسلاً وقلت: "إزاى؟!"، ففكَرَت قليلاً وقالت: "فيه تحت جردل كبير، إملاه ميَّه وغرَّقُه"، فقلت لها -محاولاً الهروب قدر الإمكان: "زمانهم تحت ناموا دلوقتي، الصبح أبقى أغرَّقه"، وتركتها ورجعت إلى غرفة النوم، آملاً أن أموت قبل الصباح، وكان هذا إيذاناً بانتهاء الحديث، ولا أدري كيف غلبني النوم فعلاً، ولكنني نمت!

استيقظت وأنا أحمل على كتفي هماً كبيراً، ودخلت معها إلى المطبخ فوجدنا الفأر ساكناً في المصيدة ولكنه بدأ يتحرك حين رآنا، ولاحظنا أن ثمرة الطماطم قد اختفت تماماً، فقالت زوجتي: "هو أكل الطماطم؟!" فقلت محاولاً إفراغ توتري وخوفي في دعابة مفتعلة: "ابن الكلب بينتقم مننا، قال: قبل ما أموت هخرب بيتكوا وآكل الطماطماية كلها"، وضحكنا بملء فينا -من التوتر والانفعال- وكأن قنبلة ضحك قد انفجرت في وجهينا، ثم بمنتهى الحرص والرعب حملت المصيدة من قاعدتها الخشبية ونزلت لأسفل حيث جردل المياه الكبير وقمت بإغراق الفأر. وليس هنا مجال ذكر تلك التفاصيل البشعة!

في الأيام التى تلت تلك الواقعة، لم يكن لنا حديث إلا عن الفأر، واستأنفت ماكينة التصنع والافتعال -بعد أن زال الخطر فعلياً- عملها على أكمل وجه، فانطلقَت مني النكات والدعابات عن الفأر "الطِفِس" الذى يأكل حتى آخر لحظة في حياته، وأحياناً عن الفأر "المنتقم" الذي أراد "خراب بيتنا"، وهكذا تدريجياً حتى ذهب الموضوع طي النسيان وتلته مواضيع أخرى وأخرى.

لا أدري لماذا تذكرت هذا الحادث الآن، وقد مضت عليه سنوات وسنوات، ولا أدري أيضاً لماذا صار السؤال يلحّ عليَّ بشدة: كيف قضى الفأر ليلته الأخيرة داخل المصيدة؟ ولماذا أكل الطماطم؟

قد يكون هذا بسبب النزعة الفلسفية التي أصبحت أميل إليها كنتيجة طبيعية للتقدم في العمر، وقد يكون بسبب تكاثر الأحداث والخطوب التى مرت عليَّ طوال تلك السنوات، ما أثقل كاهلي ودفعني دفعاً للهروب إلى ما قبل تلك الخطوب، محاولاً التشبث بتلابيب الصبا ونضارة السنوات الأولى وبساطة الأحداث.

وبغض النظر عن السبب، إلا أني أتساءل الآن حقاً: أيكون الفأر قد أكل الطماطم؛ لإلحاق الضرر بنا بالفعل كما تمازحنا وقتها؟ أيملك الفأر تلك الشخصية المقاتلة التي تجعله حريصاً على إيلام قاتله وإلحاق الضرر به بكل ما أوتي من قوة، حتى اللحظة الأخيرة في حياته، وحتى عندما يوقن بالهلاك؟! أيكون الفأر أفضل منا نحن المستسلمين لجلادينا اليائسين من الفعل المتخاذلين عنه؟

آلمني هذا الافتراض الذي يجعلني أقل من الفأر شكيمةً وأضعف عزماً، فنفضته عن رأسي سريعاً، وقلت: ومن قال إن الفأر أيقن بالهلاك؟ لم لا يكون الفأر قد امتلك الأمل في النجاة ولِم يفارقه هذا الأمل لحظة واحدة حتى النهاية؟ لقد ظلَّ في المصيدة ليلة كاملة، فلِم لا يكون قد حاول طوال تلك الليلة أن يفتح باب المصيدة ويتحرر؟
إن كان فكَّر هكذا ونفض اليأس عن نفسه فبالتأكيد سيحتاج إلى كل قوته وطاقته للمحاولة والعمل، وسيجد في ثمرة الطماطم وسيلة للحصول على تلك القوة.

أراحني هذا الافتراض قليلاً، غير أني سرعان ما عدت أتساءل: أيكون الفأر قد أكل الطماطم ليتقوى على الكفاح من أجل حريته فعلاً؟ أيكون الفأر مؤمناً بأن عليه العمل بِجِدٍ وأنه محاسَبٌ على عمله وفقط، أما النتائج فلا يملكها ولا يملك إلا أن يسعى إليها؟ أيكون الفأر قد مات راضياً عن نفسه؟ أيكون الفأر قد مات مؤمناً أكثر منَّي؟

هالني ما أقوله وما يعنيه فعنّفت نفسي بشدة وقلت: ومن قال أيضاً إن الفأر هو ذاك المقاتل؟ بحثت في عمر الفئران فوجدت أعمارها حول العامين، وبمقارنة هذا بأعمارنا نحن البشر والتي تدور حول الستين عاماً وجدت أن اليوم عندنا بثلاثين يوماً بالنسبة للفأر والليلة بثلاثين ليلة. أي إن الفأر قضى فعلياً داخل المصيدة ثلاثين ليلة بمقاييسه هو، فمن قال إنه قاتل ثلاثين ليلة؟!

لِم لا يكون الفأر قد قاتل ليلة أو ليلتين، تعب ليلة أو ليلتين، يئس ليلة أو ليلتين، ثم تعايش؟ لم لا يكون الفأر قد بلغ منه اليأس مداه فألِف المصيدة؟ لم لا يكون مع تتابع الليالي عليه قد نسي كيف دخل إليها ابتداءً؟ لم لا يكون قد تأقلم على أنها هي العالم، وأن حدودها هى الحقيقة؟ إن كان الفأر قد فكر هكذا فبالتأكيد سيفعل ما فعل بالضبط، وجد أمامه طعاماً فأكل، وقطعاً لو وجد أمامه شراباً لشرب، ولو كانت معه فأرة داخل المصيدة لتناكحا وتناسلا، ولقضى باقي الليالي يعاشر فأرته، ويرعى صغاره، وينشغل بتوفير طعامهم وشرابهم!

ارتحت نسبياً لهذا الافتراض الذى يحفظ عليَّ إيماني ورجولتي ويلقي بالوضاعة على الفأر، غير أني سرعان ما تساءلت مرة أخرى: أنكون نحن هذا الفأر الأخير؟ أنكون قد دخلنا بأرجلنا إلى مصائدنا المختلفة جرياً وراء ثمرة الطماطم؟ أنكون قد طال علينا الأمد فنسينا أننا داخل مصيدة؟ أتتوالى علينا الليالي ونحن نفرح ونحزن، نرضى ونغضب، نتصالح ونتقاتل، نتباعد ونتقارب، دون أن ندري أننا نعيش بالفعل ليلتنا الأخيرة في واقع سيدٍ خفىٍ خارج المصيدة، ينام الآن منتظراً الصباح ليغرقنا، ويبدأ مع المصيدة ليلة جديدة؟

فما أفظع ما يثيره فينا التقدم في العمر! وما أعذب الصبا ببراءته وبساطته وجهله! ويا حظ من عاش صبياً ومات صبياً! والمجد كل المجد للبسطاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.