المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد لاشين Headshot

التجربة السويدية.. هل يمكن تطبيقها في بلداننا العربية؟

تم النشر: تم التحديث:

اتفقنا أو اختلفنا حول بعض التغييرات التي تشهدها الساحة السويدية، خاصة فيما يسمى بملف اللاجئين وتنامي بعض الأحزاب والأصوات السياسية التي تنادي بتضييق الخناق على المهاجرين، إلا أن النموذج السويدي ما زال يشكل حالة فريدة، ونموذجاً جديراً بالمتابعة والاستفادة منه، كما أن تلك التغييرات لم تقف عند حد السويد؛ بل انتابت بلداناً كثيرة حول العالم اختل توازنها فيما بقي النموذج السويدي متماسكاً ومتوازناً،

وبات من الصعوبة نقله كما هو بحذافيره ذلك أن لكل مجتمع طبيعته وكينونته التي تختلف بلا شك عن المجتمعات الأخرى، والتي ينبغي فيها مراعاة تحقيق أفضل توازن ممكن في العلاقات التي تحكم القوى الاقتصادية والاجتماعية الفاعلة دون إحداث تغييرات مفاجئة على النظام الاقتصادي والاجتماعي بالبلد الذي يبحث عن تغيير حقيقي، أو السير على خُطى السويد، أو أي نموذج آخر متقدم حول العالم،

والإنجازات السويدية في المجال الاقتصادي غالباً ما تشكل مصدراً للحلول المقترحة للمشكلات التي تتعلق بكيفية تطوير وتعديل المسار الاقتصادي، وكذلك تحسين ظروف العمل وأجور العاملين ومنظومة العمل بشكل عام، وبالسياسات الاجتماعية الخاصة بالتعليم والضرائب والصحة والإسكان والمرافق والمتقاعدين وغيرها من مجالات تعد السويد فيها نموذجاً يحتذى به، وذلك طبقاً لإحصائيات عالمية دقيقة، وليس لمجرد أنها السويد.

ثقة المواطن السويدي في دولته بداية النجاح وهذا ما نفتقده

لقد حققت السويد في مجالات كثيرة تقدماً كبيراً بالنسبة للدول الصناعية الأخرى، وذلك بفضل السلم الصناعي القائم بين مختلف القوى الاجتماعية، الذي جنّبها أزمات وإضرابات ونزاعات كثيرة وقعت فيها غيرها من الدول، هذا السلم الصناعي الذي تحقق بفضل التفاهم والتناغم والتشاور الدائم بين مسؤولي أرباب العمل والعمال، وحرصهم على تحقيق هدف واحد ومشترك وهو مصلحة السويد أولاً وأخيراً،

فانعدمت سبل الفساد بكل مستوياتها؛ مما جعل المواطن السويدي ينام وهو يشعر براحة شديدة واطمئنان للقائمين على أمور بلاده في كل المجالات، خاصة أنه شريك دائم ومطّلع على كل ما يحدث في بلاده، وذلك بفضل تربّع السويد على عرش الشفافية في العالم، فمن السهل أن تعرف كم يتقاضى رئيس الحكومة السويدية، وكم تنفق الأسرة الملكية من الأموال وأنت جالس في بيتك من خلال شبكة الإنترنت.

كيف نهضت السويد اقتصادياً؟

لم تأتِ النقلة النوعية والطفرة الاقتصادية التي أحدثها المجتمع السويدي في غمضة عين، لكنها كانت مصحوبة بمزيد من الكفاح والعمل، والتي انتقل فيها المجتمع السويدي إلى مجتمع صناعي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع مطالبة الطبقة العاملة بتحسين ظروف العمل، لا سيما في ما يتعلق بعدد ساعات العمل وبتشغيل الأطفال واختارت النقابات "اشتراكية" كارل ماركس كمرجعية وأيديولوجية، والتي تمخض عنها تأسيس اتحاد العمال عام 1899، الذي أدار ظهره للماركسية ولليبرالية على حد سواء، متبنياً أفكار الديمقراطية الاجتماعية، ومقدماً دعمه للحزب الذي يحمل الآن اسم (الحزب الديمقراطي الاجتماعي).

وفي الفترة من 1919 إلى 1933 التي حلَّت فيها أزمة اقتصادية عالمية أصابت دول العالم قاطبة، إلا أن الاقتصاد السويدي كان متماسكاً نوعاً ما عن بقية الدول الصناعية، فقد ألزمت السويد شركات قطاع الخشب والورق بتخفيض الأجور، مما قاد إلى إضرابات عنيفة هزت المجتمع السويدي وأدت إلى تدخل الجيش لوقف حالة العنف والفوضى.

وتأزم الموقف بشكل واضح في السويد وبفضل هذه الأحداث فاز الحزب الديمقراطي الاجتماعي في انتخابات عام 1932، وبدأ بتنفيذ سياسة اقتصادية اجتماعية جديدة للخروج من حالة الكساد والنهوض بالمجتمع السويدي؛ حيث تدخلت الدولة وقامت بتنفيذ سياسة الدعم وقدمت دعمها لبناء المساكن ولقطاعات التعدين والتجهيزات وفي قطاع التعليم والصحة والمرافق وغيرها.

في عام 1936 تم تأسيس هيئة سوق العمل وبعد مرور عامين تم توقيع اتفاقية أخرى، التي أسست قواعد السلم الصناعي، وتسمح هذه الاتفاقية الموقّعة بين العمال وأرباب العمل للديمقراطية الاجتماعية بتأكيد وجودها من خلال تبنّي إصلاحات اجتماعية تهدف إلى تحسين الظروف العامة للمجتمع، وما يسمى بالرفاهية الاجتماعية.

عاملان أساسيان في نهضة السويد

من هذا المنطلق ساهمت الدولة السويدية من 5 إلى 6% من مجموع الإنتاج؛ ليصبح دور الدولة في عملية الإنتاج أضعف بكثير مما عليه في بلدان غربية وعربية تتسم بالرأسمالية، إلا أن النموذج السويدي اعتمد في ذلك على عاملين أساسيين؛ الأول: أن هذه المساهمة المحدودة من قِبل الدولة في العملية الإنتاجية جعل الدولة السويدية تتفرغ لتقديم خدمات اجتماعية استطاعت السويد من خلالها أن تقدم النموذج الأفضل في العالم، أو من بين أفضل النماذج في مجالات كالصحة ورعاية الكبار والمتقاعدين ومستويات الدعم المرتفعة لمجالات التعليم والمرضى والمهاجرين وغيرها وتحسين المنظومة الاجتماعية بشكل عام.

والثاني: في الاعتماد على التنافسية من خلال شركات خاصة وليست حكومية، وتلك السياسة أثبتت نجاحها بين الشركات التي تقود البلد اقتصادياً، وتبذل قصارى جهدها لتقديم كل ما هو أفضل لديها، بدلاً من أن تركن الدولة إلى مصانع وشركات حكومية من الممكن أن يعتمد فيها العامل على مرتّبه فقط، والعمل بشكل روتيني وغياب روح التنافسية والإبداع وروح الابتكار التي خلقت شركات مثل فولفو وإريكسون وغيرها الكثير من شركات سويدية ذاع صيتها حول العالم؛ لتبقى التجربة السويدية نموذجاً عالمياً جديراً بالمتابعة والاستفادة منه في بلداننا العربية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.