المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد خالد خليفة Headshot

كيف نجح أردوغان في كسب الصراع التركي - الأوروبي؟

تم النشر: تم التحديث:

شهدت الفترة الأخيرة أزمة عميقة على صعيد الدبلوماسية التركية - الأوروبية أشعلت شرارتها الأولى ألمانيا بعد منعها لتجمعات مؤيدة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وداعمة للاستفتاء المزمع إقامته في تركيا في 16 أبريل/نيسان من الشهر الجاري، الذي يوسع من صلاحيات الرئيس التركي ويحافظ على وحدة الأراضي التركية، الفاصل أيضاً للسلطات، وزائل لشبح الانقلابات العسكرية، بالإضافة إلى تقوية عجلة الدفع الاقتصادية التركية، مواصلة النهضة التي تشهدها تركيا منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002.

هذه المؤشرات زادت حنق ألمانيا تجاه تركيا المنافس القوي لها؛ لذلك تسعى بقوة إلى إجهاض هذه النهضة من خلال دعمها للأقليات واحتضانها لهم، والسماح لهم بالتظاهر ضد الرئيس التركي، مع العلم أن الاتحاد الأوروبي يصنف هذه المنظمات على أنها إرهابية، لكن ما نراه يظهر خلاف ذلك.

الاتحاد الأوروبي هو أكبر شركاء أنقرة التجاريين بحجم تبادل تجاري قُدِّر عام 2016 بـ142 مليار دولار، حصة ألمانيا وحدها منه 35 مليار دولار، لكن على الرغم من حجم التعاون الاقتصادي الكبير بين أوروبا وتركيا، يمارس الاتحاد الأوروبي ضغطاً كبيراً على تركيا، بقيادة ألمانيا زعيمة الاتحاد، التي يوجد داخل أراضيها أكثر من ثلاثة ملايين تركي يحملون جنسيتها، وشكلوا الجزء الأكبر في نهضة ألمانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا.

لكن ألمانيا لا تهتم لهذا إنما يهمها سلامة نواب حزب الشعوب الديمقراطي الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني.

عملت ألمانيا بسرعة على تأليب بعض الدول داخل الاتحاد وظهرت هولندا بقوة في تصعيد هذا الصراع الأوروبي - التركي، بعد سحب إذن الهبوط المعطى لطائرة وزير الخارجية التركي، وتوقيف وزيرة شؤون الأسرة والسياسات المجتمعية لساعات ومنعها من دخول قنصلية بلادها التي تعتبر أرضاً تركية وفق القانون التركي والتعاملات الدبلوماسية.

ومنعها أيضاً للقاءات جماهيرية تركية كان يفترض أن يشارك فيها هؤلاء المسؤولون، لكنها على صعيد آخر تسمح للقاءات جماهيرية من مؤيدي الطاغية بشار الأسد.

لم يقتصر الأمر على ألمانيا وهولندا فقط، بل انضمت لهما النمسا وسويسرا والدنمارك، فاقم هذا التحالف الأزمة التركية بشكل كبير وأدى إلى احتداد الرد التركي على مستوى الخطاب الذي استعمل فيه أردوغان مفردات "النازية والفاشية"، ولم تكتفِ أنقرة بهذه المفردات وقامت باستدعاء القائم بأعمال السفير الهولندي عدة مرات وأبلغته الاحتجاج، وطلبت من السفير عدم العودة حتى حين.

على الجانب السويسري أيضاً تصاعدت الأزمة بعد رفع لوحات من معارضي أردوغان من الأقليات كُتب عليها "اقتل أردوغان"، زاد هذا بشكل حاد من غضب الرئيس التركي تجاه الاتحاد الأوروبي عامة، وخصوصاً بعد تجمع القادة الأوروبيين في روما خلف بابا الفاتيكان، أطلق أردوغان تصريحاته التي تعمل على صف الشعب التركي خلفه.

هل نجح أردوغان في صف الشعب التركي خلفه؟
نجح أردوغان بشكل كبير في صف الشعب التركي خلفه، لا سيما بضربه على أوتار القومية التركية، وأن أوروبا تعادي القومية التركية، لا سياسة حزب العدالة والتنمية، ولا شخص أردوغان، اتفقنا أم اختلفنا مع هذا الرجل لا بد من الاعتراف بأنه تعامل مع هذه الأزمة بحنكة، واستطاع توظيفها بشكل لافت لصالحه، ودفع غالبية معارضيه من الوقوف خلفه والتراجع عن مواقفهم السابقة ضد سياسة حزب العدالة والتنمية، وقام بتصريحه الأخير الذي أشار فيه إلى أن هذا الاتحاد صليبي، ومنذ متى كان البابا عضواً في الاتحاد، بترسيخ قناعة لدى غالبية الأتراك أن هذا الصراع أبعد من أن يكون صراع حريات وحقوق إنسان وإنما حملة صليبية.

قبل هذه الأزمة كنت أتردد على أحد المقاهي التركية الكبيرة في أوروبا، وبشكل دائم كنت أتحدث مع صاحب المقهى ومجموعة من الأتراك عن سياسة أردوغان، وجميعهم كانوا من أشد معارضيه، لكن بعد هذه التحولات الأخيرة، تغير الأمر وأصبحوا يشيدون بسياسة أردوغان الساعية لحفظ وحدة الأراضي التركية، وهذا نموذج صغير من أكثر من خمسة ملايين يعيشون داخل الاتحاد الأوروبي، حسب استطلاعات الرأي الغالبية العُظمى منهم مؤيدة لاستفتاء التعديلات الدستورية ولا سيما حزب العدالة والتنمية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.