المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد قناوي أمين  Headshot

ماذا حدث للمصريات؟!

تم النشر: تم التحديث:

على مدى ثلاثين عاماً هي سنوات عمري القليلة المليئة بالتقلبات والأحداث، كنت شاهداً على تغيّر كبير في نمط تفكير السيدات المصريات أو البنات، وخصوصاً المقبلات على الزواج والارتباط العاطفي.

أستطيع أن أتذكر تلك السعادة الغامرة التي طالما رأيتها على وجه تلك العروس -قريبتي- حينما علمت أن فلاناً قد جاء طالباً يدها للزواج، رأيت تلك الفرحة وهي تقفز في عينيها، وتلك الضحكات التي أصبحت تعلو ذلك الوجه الذي صار يشع بهجةً وسروراً.

أرقبها من بعيد وأنا أرى كل يوم زيادة الفرح والسرور في داخلها، حتى جاء موعد الزفاف، وكانت مثل البدر في ليلة التمام، عروس كالقمر يشع نورها كي يغطي كلَّ مَن حولها، حتى إنك إذا ما جئت كي تهنئها وجدت النور قد غمر قلبك بشكل لا إرادي.

تمر الأيام والأيام وأتذكر أنني ما زلت أراها بتلك الصورة سيدة رائعة سعيدة، ولديها بيت ناجح جميل، كانت لا تعمل على الرغم من كونها تحمل شهادةً جامعيةً، لكنها قررت أن تتفرغ لمملكتها، لطالما كان زوجها رجلاً سعيداً، وكم أحببت تلك الابتسامة التي لم تفارق وجهه الكريم.

وتمر الأعوام عاماً بعد عام، وتتقلب بنا الأحوال والأيام وأصل إلى العشرين، وأنظر جيداً إلى من حولي وأجد اختلاف الأحوال وتغيّر الأحداث.. ويتكرر المشهد بحكم سُنة الحياة ألا وهو مشهد الزواج، ولكنني أجد اختلافاً شديداً وتغيراً ملحوظاً.

أجد تلك الفتاة أما وقد علمت بأن شاباً جاء لطلب يدها، وقد تغير وجهها وتحولت الابتسامات إلى عبوس وقلق واضطراب، وتبدل الحال من الضحكات العالية إلى السكون والصمت المريب. يزداد القلق يوماً بعد يوم وأرى الحيرة تكسو ذلك الوجه الذي طالما رأيته هادئاً وراضياً سعيداً، كلما تمر الأيام تزداد تلك الأعراض حتى تشعر وأنها زهرة قد انطفأ نورها وقمر قد تحول، أراقب من بعيد وأتعجب ماذا حدث؟! أليس الزواج هو أمنية كل فتاة كما تعودت؟! ماذا حدث للمصريات؟! هل هن الضحية؟! هل هن السبب فيما وصلن إليه؟! هل هو المجتمع وتقاليده العقيمة؟! هل الرجال هم السبب؟!

أرى أن السبب هو مزيج عميق من إجابات تلك الأسئلة، نعم وبكل أمانة هن ضحايا، ضحايا الحياة المادية البشعة التي حولت المرأة إلى شريك في تحمل مسؤولية الإنفاق على البيت، وأصبحت مطالبةً بجلب المال من أجل تلبية النفقات وشراء الشاليهات والسيارات الفارهة، ومن أجل سد الحاجة وشراء الطعام أيضاً.

هن ضحايا العمل غير الملائم لطبيعة المرأة وتركيبتها النفسية والجسدية، هن ضحايا مجتمع عقيم الفكر لا يقدر تضحية السيدة التي تقرر ترك العمل وتربية الأبناء والاهتمام بالبيت حتى لطالما قيل لها: "أنت تجلسين في المنزل ماذا تفعلين؟! لا شيء".

هكذا تسمع هي يومياً ممن حولها وأولهم زوجها.. أصبحنا لا نرى قيمة ربة المنزل، لا نرى أهمية ذلك الدور الذي تلعبه المرأة في بيتها، إن الأمر هنا لا يتعلق بالطعام والشراب واحتياجات المنزل من تنظيف ورعاية، إنما يتعلق بالبناء والتربية، بناء جيل جديد من الرجال والنساء، تربية أبناء على الأخلاق والفضيلة.

كيف لا يكون ذلك أهم أدوار الإنسان على الإطلاق، ألا وهو التربية؟ كيف لا تكون الأم المربية هي كل المجتمع؟! كيف لا يكون ذلك الدور أهم من العمل والحصول على المال؟! كيف لا تحصل تلك المرأة على التقدير والاحترام والتكريم الذي تستحق؟!

إن انعدام ذلك التقدير والاهتمام جعل المرأة تبحث عنه في مجالات العمل تاركةً خلفها دور الحياة الأساسي ألا وهو بناء البيت، لطالما تعودنا أن نقول ربة المنزل أو صاحبة البيت، ولكن البنات أصبحن منغمسات في تلك الحياة المادية، وما لها من تبعات، أصبحن لا شيء يسعدهن إلا قدوم التنزيلات في محلات الملابس، لا شيء يسعدهن إلا التسوق وشراء مساحيق التجميل، هنا يتحمل المجتمع هذا الذنب بما أوصلها إليه، ولكنها أيضاً ضحية نفسها.

عجبت من ذلك المجتمع الذي أصبح لا يرى ولا يعي شيئاً من أساسيات الحياة.

ثم من قال إن نجاح الفتاة أن تحصل على زوج، من قرر أن الزواج هو أكبر نجاحات الفتاة، ألا نؤمن بالنصيب والرزق؟! إن الزواج نصيب ورزق من الله، ولا دخل لأحد في تقديمه أو تأخيره.

ثم نأتي معاً للإجابة عن آخر سؤال لدينا ألا وهو هل الرجال هم السبب؟! الإجابة نعم وبكل أمانة وتجرد، إن الرجال هم السبب الكبير فيما وصل إليه البنات من كره ومقت للحياة الزوجية، هم السبب بما أصبحوا عليه -إلا من رحم ربي- من انعدام تحمل المسؤولية وانعدام الشهامة والأخلاق.

في السنوات الأخيرة لطالما سمعت ورأيت بعيني ذلك الزوج الذي يدفع زوجته للمحاكم من أجل أن تحصل على أقل حقوقها، من يدفع تلك المسكينة إلى المحاكم من أجل أن تحصل على حريتها من ذلك الظالم الطاغية، إن محاكم الأسرة أصبحت تعج بآلاف القضايا من نوعية ظلم الرجال لزوجاتهم، حتى أصبحت من المشاهد اليومية في المجتمع أن على الزوجة أن تتحمل خيانة زوجها، عليها أن تستحمل أن يتزوج عليها دون علمها، أن يفعل ما يحلو له وقتَ ما يشاء كأنها قطعة من أثاث المنزل الذي اشتراه بِحرِّ ماله.

إن طغيان كثير من الرجال قد تسبب في شرخ في نفوس البنات حتى وصلنا إلى أن قدوم العريس بمثابة قدوم القلق والاضطراب، قدوم العريس هو قدوم الأيام الصعاب، الانخراط في مشروع زواج هو اشتراك في حرب لا يعرف أحد من الفائز فيها.

إننا نعيش معاً في شراكة من أجل العبور بسفينة الحياة إلى الجنة أو النجاة معاً، إلى السعادة والرضا، كيف نصل لذلك المرفأ وقد أصبحنا يخاف بعضنا البعض؟! كيف ذلك وقد صار كل منا مصدراً للألم والوجع بدلاً من السكن؟!

لا أملك إلا أن أتساءل: ماذا حدث للمصريين؟! هي دعوة من أجل إيجاد حل.. كيف تسترد الفتاة سعادتها بقدوم شريك العمر؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.