المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جاسر Headshot

التلوث الاجتماعي

تم النشر: تم التحديث:

الهدف من تربية الأطفال أن نساعدهم لينمو نموّاً سليماً ونبني شخصية قادرة تتمتع بالإحساس والالتزام والاهتمام، وتتبوأ مكانها في المجتمع، مستخدمين أساليب تربوية فعّالة بحيث تغرس سلوكاً حسناً.

ويتعلّم الأطفال ما يجربونه ويتعلمون من أية كلمة تلتقطها أَسماعهم؛ لذلك فعلى الآباء اختيار الكلمات المناسبة وغير الغاضبة التي لا تُلحق بالأطفال أذى عاطفياً أو معنوياً ولا تقلل من ثقتهم بأنفسهم، بل تلك التي تعزز إيمانهم بقدراتهم وقيمهم الذاتية.

وتعتبر تربية الأبناء من أصعب المهام الملقاة على كاهل الوالدين، فمنذ خروج الطفل إلى الحياة يُسخّر الوالدان جميع إمكاناتهما لتربيته على الطريقة الصحيحة حسب ما يرونه مناسباً، وكل مجتمع له خاصيته بتربية الأبناء من خلال التقاليد والعادات التي يتبعونها في دولهم.

فالمجتمعات المسلمة تربي أبناءها على الشعائر الدينية، منها الذهاب إلى المسجد للصلاة، أو حفظ كتاب الله عز وجل، بينما المجتمعات المسيحية تربي أبناءها على ديانتها، أبرزها الذهاب إلى الكنيسة كل يوم أحد، وكذلك اليهودية.

ولكن الغريب في مختلف المجتمعات التي ذكرتها في الفقرة السابقة، وفي ظل حرص الوالدين على تربية أبنائهما تربية سليمة لا تشوبها أي شائبة، يصطدمون بالمجتمع الذي يحيط بالأسرة، بمعنى أن الأسرة المتدينة لا تسمع الأغاني في منزلها، يخرج ابنها للشارع فيسمع ما لم يسمعه في المنزل، وهذا يعمل لدى الأطفال "صدمة اجتماعية".

وأود هنا أن أسرد لكم بعض القصص التي حدثت، سواء معي أو مع أصدقائي المقربين، من بينها ابني الكبير "فارس"، أربيه على سماع الكلمات الإيجابية والابتعاد عن الألفاظ السيئة، لكن يخرج ويلعب مع أبناء جيرانه، ولا أعلم ماذا يقولون لبعضهم، أو يسمع من الأطفال سواء أكبر منه سناً.

وبعد أن تعود "فارس" الخروج إلى الشارع في فترة المساء بعد العصر، يعود يحدثني ما حصل مع "يزن" و"محمد" و"خليل" أصدقائه الذين يلعب معهم كل يوم، لكني أشعر بأنه يخفي عني شيئاً.

وفي إحدى المرات، تشاجر مع أخته الكبيرة "شهد" في داخل المنزل على جهاز "الآيباد"، فإذا بي أسمع ووجه فارس مليء بالغضب ويقول لها "يا بنت (...)"، كنت جالساً فوقفت بشكل غير إرادي واتجهت نحوه مسرعاً ودون وعي مني فضربته ضرباً موجعاً بعض الشيء، وعند مشاهدتي وهو يبكي تركته لساعات.

وعدت إلى مكاني السابق وجلست، وأتفكر ما هذا الكلام الذي سمعته قبل قليل، فبدأت الأفكار تدور داخل رأسي، وبدأت أطرح الأسئلة على نفسي، هل سمع هذا الكلام "البذيء" من داخل المنزل؟، هل سمعه من الأطفال الذين يلعبون في الشارع؟.

فجلست معه جلسة مصارحة، فقال لي: "سمعت فلاناً يقول هيك وهيك" ولم يتجرأ أن يعيد نفس الكلام؛ لذلك قررت بعد ذلك عدم خروج الطفل إلى الشارع بتاتاً، وبعد فترة وجيزة حدثت نفس المشاجرة مع أخته فلم يعِد تلك الكلمة التي ذكرتها في الفقرات السابقة، فتأكد حينها بأن الشارع هو السبب الرئيسي بتعلم "فارس" تلك الألفاظ البذيئة.

وأعتقد أن عدم خروج ابني إلى الشارع ليس هو الحل الأمثل من أجل ضمان عدم سماعه لكلمات بذيئة؛ لذلك يحتاج الأولاد إلى تعريف واضح للسلوك المقبول وللسلوك غير المقبول، إنهم يجدون من الصعب عليهم أن يتصرفوا حسب دوافعهم ورغباتهم بدون المساعدة الأبوية، عندما يعرفون الحدود الواضحة للسلوك المسموح به، فإنهم يشعرون بأمان أكثر.

فتقويم سلوك طفلك ليس من الضروري أن يكون فقط عن طريق النقد طوال الوقت، فالأبناء يحتاجون لكلمات التشجيع والإعجاب عندما يقومون بشيء جيد، فلا تترددي في قول "أحسنت" عندما يقوم أبناؤك بتصرف جيد، أو عند أداء مهمة بنجاح.

ومن الأسهل بالنسبة للأهل أن يضعوا القواعد ويصّرحوا بالممنوعات، وأن يضعوا الحدود من أن يطبقوها، يميل الآباء ليكونوا مرنين عندما يتحدّى الأولاد هذه القواعد، يريد الآباء لأولادهم أن يكونوا سعداء، عندما يرفض الأهل أن يسمحوا لأولادهم بكسر القواعد، فيُحتمل أن يحمل الأولاد والديهم على الاعتقاد بأنهم غير محبوبين ومذنبين.

ويستطيع الآباء أن يستفيدوا من الإضاءة الواضحة لمساعدتهم في الذهاب، حيث يريدون بتربية أولادهم، وبالإضافة لتلك الإضاءة يحتاجون إلى المهارة والخبرة المتطورة التي تمكنهم من تربية جيل ناضج علمياً وتربوياً، وقادر على المساهمة في بناء المجتمع والوطن وفق حضارة إنسانية وتقنية متطورة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.