المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جعفر  Headshot

غزوة ترامب "المباركة" وغياب العرب

تم النشر: تم التحديث:

اجتاحت العالم صور صادمة لضحايا ومصابين، معظمهم من الأطفال، جراء هجوم بالأسلحة الكيماوية شنته طائرات النظام السوري يوم الثلاثاء 4 أبريل/نيسان 2017 على بلدة "خان شيخون" بريف إدلب، قُتل خلاله أكثر من 100 مدني، وأصيب أكثر من 500، غالبيتهم من الأطفال، وسط إدانات دولية واسعة.

كان من بين الصور التي اكتظت بالضحايا الأبرياء صورة لطفل مفتوحة عيناه وكأنه يرفع يديه للسماء يشكو الصمت المريب والخذلان المركب للأمة (الأنظمة والشعوب، الهيئات والمؤسسات)، تلك الشكوى الحزينة البريئة التي اصطدمت بحسابات السياسة وتعقيداتها فأخرست ألسنة الساسة ولم تلامس أفئدتهم الصماء.

غير بعيدٍ انبري الكيان الصهيوني، ومنذ اللحظات الأولى لوقوع المجزرة، في غسل ضميره عبر التنديد بقوة والحديث عن الصدع الذي أصاب "العالم المتحضر" جراء الصور "الصادمة" التي تهز "مشاعر" كل إنسان! وهذا التباكي على الإنسان العربي المسلم لم يقف عند السفاح نتنياهو فحسب؛ بل امتد إلى أكثر أركان كيانه تطرفاً وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، الذي انتقد تقاعس المجتمع الدولي، مؤكداً أن ردَّ الفعل كان مجرد "صفر"، وتناسى هؤلاء المجازر والانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية ليل نهار!

في الضفة الأخرى وعبر المحيط، ظهر ترامب عصر الأربعاء في حديقة الورود بالبيت الأبيض، وقال إن الهجوم "الذي يتعذر وصفه" ضد "حتى الأطفال الرضع" غيَّر موقفه من الأسد. وسئل عما إذا كان بصدد صياغة سياسة جديدة بشأن سوريا، فرد ترامب بالقول: "سترون".

لم يمر الكثير من الوقت عندما أطلقت السفينتان الحربيتان "بورتر" و"روس" 59 صاروخاً عابرة من طراز توماهوك من شرق البحر المتوسط على قاعدة الشعيرات الجوية فأخرجتها جزئياً عن الخدمة؛ الأمر الذي أزعج حكام الكرملين واعتبروه عدواناً على روسيا له تداعياته السلبية.

لم يفوّت العرب بالطبع تلك اللحظة، فانطلقت أصوات بعض حكامهم لتهنئة أخيهم فخامة الرئيس ترامب على غزوته المباركة، لا سيما الخليج، فقد هنأ العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز تليفونياً، الرئيس الأميركي، على قراره "الشجاع الذي يصب في مصلحة المنطقة والعالم"، وأعرب عن تأييده الكامل لضرب أهداف عسكرية تتبع النظام السوري.

وبعيداً عن الأهداف المعلنة والمستترة للضربة الجوية الأميركية، نقول إن الغرب يسوق قضية حقوق الإنسان كهدف معلن للتغطية على تكتيكات متسقة مع خططه المعدة حيال المنطقة مع الاستفادة من الآثار الإيجابية للعمليات؛ لحشد التأييد وتبييض الذمة الخربة في الأساس، وإلا فلماذا غابت حقوق الإنسان عن الذهنية الغربية في التعامل مع القضية السورية طيلة الأعوام السابقة من الحرب المدمرة التي توصف بأنها الأكثر عنفاً في السنوات الأخيرة، والتي تسببت في دمار واسع ومئات الآلاف من القتلى والجرحى، وتشريد أكثر من 6 ملايين سوري، وإجبار 3 ملايين آخرين على الفرار من البلاد كلاجئين.

التحليل الأخير يشير إلى الشكوك المتزايدة وضعف الثقة إزاء سياسات الغرب في المنطقة جراء غياب العدالة وممارسة معايير مزدوجة إذا تعلق الأمر بترسيخ قيم الديمقراطية؛ بل والتعامل بأريحية شديدة مع السلطوية والاستبداد؛ فأميركا التي ضربت النظام السوري انتقاماً منه على استخدام الكيماوي -وهي خطوة متأخرة وغير كافية- هي هي من استقبلت بحفاوة في الوقت ذاته الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي قتل ما يزيد على 3 آلاف من معارضيه؛ منهم 1000 في يوم واحد! بينما صمتت على مجازر في إسرائيل وسوريا والعراق؛ بل استخدمت نفوذها الدولي في منع قرارات وسحب تقارير تدين سجل حلفائها في مجال حقوق الإنسان.

المثير للدهشة، الفعل "صفر" الذي يمارسه العرب كل يوم خارج نطاق التنديد الخجول الذي استبدل حديثاً بدعوة الفاعلين الرسميين في المنطقة (الروسي والأميركي) "إلى احتواء الصراع في سوريا والتوصل لحل شامل ونهائي للأزمة"!

الأكثر دهشة، تلك الأبواب المفتوحة لتمرير وتبرير وتسهيل أجندات خارجية تطيح بالمنطقة: الجغرافيا والتاريخ والسياسة، الأنظمة والشعوب والثروات.

الحل الذي ينهي هذا الغياب العربي من وجهة نظري يأتي عبر خطوتين:
الأولى: إطلاق آلية شعبية ورسمية لمواجهة المخططات الوافدة واستلهام روح الربيع العربي في التغيير السلمي عبر الضغط المجتمعي لتحرير مواقع السلطة من السلطوية والاستبداد وجعلها أكثر تعبيراً عن هوى الشعوب وتطلعاتها.

الثانية: استنهاض الجيل الجديد لتحمّل مسؤولياته وبناء استراتيجية انتقالية متوسطة الأجل لترسيخ حكم الشعوب والاستقلال عن القرار الغربي عبر بناء قدرات داخلية تمكن الأمة من الاعتماد على الذات وتوظيف الثروات كافة وخلق بيئة مكافحة للفساد والاستبداد من خلال إنشاء آليات عادلة ورادعة في الوقت ذاته تغير المستقبل وتبني الأمة . بغير ذلك، ستدخل الأجيال القادمة بين شقي رحى الأنظمة المستبدة والاستعمار المُقنَّع.

يبقى ما طرحته سراباً ما لم نستشعر جميعاً الخطر الذي يهدد وجودنا، واعترفنا بأن هناك مشكلة جسيمة لن تحل إلا برؤية مشتركة مسكونة بروح التحدي إزاء العقبات والتسامح فيما بيننا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.