المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسين Headshot

وراء كل مواطن مصري مخبر سري متخفي

تم النشر: تم التحديث:

كارثة حقيقية أن يكون حلم معظم الشباب في مصر هو الهجرة إلى الخارج بعد أن ضاقت عليهم مصر بما رحبت وظنوا أن لا ملجأ إلا إلى دول الغرب الديمقراطية المرفهة.
فلم يعد الوطن بالنسبة لكثير منهم مصدرا للأمن والأمان والاستقرار بل بات أشبه بالسجن مدى الحياة فلا فرص وظيفية ولا تعليم جيد ولا صحة ولا مستشفيات آدمية، والقائمة تطول.
ولم تعد مصر شابة كما كانت بل تحولت إلى دولة عجوز كل ما فيها قارب على أن يشيخ حتى شبابها هرموا بعدما فقدوا الأمل فيمن يصغي إليهم باهتمام ويأخذ أفكارهم على محمل الجد. ربما يكون الشخص الوحيد الذي يهتم بهم هو المخبر الشرطي الذي يتخفى في المقاهي والنوادي والشوارع بل ودور العبادة إلى أن يوقع بهم متلبسين في كلمة معارضة للنظام ويتهمهم بقلب نظام الحكم وإبداء الرأي فيما ما لا يعنيهم.
فكما أن وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة، فوراء كل مواطن مصري مخبر سري متخف يظهر وقت اللزوم ليصفعه على "قفاه" ويقوده إلى الحجز حتى أصبح كل فرد يشك في أصابعه لعلها تُخبر عنه يوما ما.
ومن وظيفة هذا المخبر المتخفي مراقبة أفعال وأقوال الشباب في متنفسهم الوحيد الذي يلجأون إليه من أجل (الفضفضة) أو التعليق على شؤون الدولة ومعرفة ما يحدث من أخبار من خلال الإنترنت. فقد صدر حكم بالسجن ثلاث سنوات على شاب سكندري يدعى عمرو نوهان بعد أن أدانته المحكمة العسكرية بالتخطيط لقلب نظام الحكم وإهانة رموز الدولة لمشاركته صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي بأذنيّ ميكي ماوس، الشخصية الكارتونية الشهيرة في أفلام والت ديزني، على صفحته الخاصة على فيسبوك. وبعد موجه من الاستياء والسخرية من الواقعة انتشرت الصورة عالميا ولاقت القضية دعما واسعا للمطالبة بالإفراج عن نوهان.
بينما تشير أصابع الاتهام إلى تورط الأجهزة الأمنية في اختفاء مصطفى محمود الشهير بماصوني، البالغ من العمر 26 ربيعا، منذ شهر يونيو/ تموز الماضي. وفقا لتصريحات والده خلال مداخلة تليفونية مع أحد البرامج الفضائية قال خلالها إن زملاءه في العمل أكدوا أن أفراداً من الأمن الوطني هاتفوهم كي يتحروا عن بعض المعلومات الخاصة بابنه.
جيل يرفض التهميش ويحاول صنع مستقبله بيده، شارك في ثورة كان شعارها "الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية" ربما يكون فقد إيمانه بهذه الشعارات بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على الانتفاضة الشبابية التي ثارت في وجه استبداد وظلم فترة حكم مبارك وثلاثين عاما عجافا عاشها المصريون تحت قبضة أمنية لا تمس للأمن بصلة.

وأفضل من يلخص لنا الوضع الحالي هو الكاتب الساخر الذي رحل أثناء مشاركته في إحدى المظاهرات بالإسكندرية، جلال عامر،

"لماذا نهتم في مصر بالسجون أكثر من اهتمامنا بالمدارس؟ الإجابة واضحة لأن المدارس بالنسبة لنا هي ماض لن يعود، لكن السجون هي مستقبلنا جميعا"

، فمن الهمّ ما يُبكي ومنه ما يُضحك أيضا ويكون مدعاة للسخرية والتعجب ولكنه ضحك كالبكاء.

لماذا تُصر الأنظمة الحاكمة في بلادنا أن تبني أسوارا عالية بينها وبين الشباب أم هو اختلاف ثقافات وصراع أجيال بين جيل الراديو والتلفزيون الأبيض والأسود وجيل الآي باد والإنترنت؟! ولماذا تُصر على تهميش آرائهم ورؤيتهم على أنهم مجرد صبية عديمي الخبرة متهورين لا يستطيع أحد منهم أن يتحمل مسؤولية نفسه، ويجب عليه أن يبتعد عن السياسية ويلتهي بكرة القدم والأفلام والبرامج الترفيهية والألعاب الإلكترونية؟ هذه النظرة المتعالية تحدث نوعا من الانفصام في المجتمع، فالمشاركة السياسية وإبداء الرأي حق مكفول للجميع شبابا وشيوخا، ساسة وعامة.
أما في بلادنا أصبحت المشاركة السياسية عبئاً على من يحاول الاقتراب منها فمصيره معلوم للجميع، وهو نفس الأمر الذي أدى إلى فقد الثقة في كل ما يتعلق بالحياة والمشاركة السياسية. فقد شاهدنا عزوف الشباب عن المشاركة في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية على الرغم من الدعاية الواسعة في الشوارع والإعلام بصحفه وقنواته الفضائية وإذاعاته. فهذا النوع من الفصام أصبح واضحا لدى الشباب الذي لا يرضى بأن يكون كالعرائس المتحركة تطلب منهم المشاركة السياسية وقتما تشاء وتنهاهم عنها وقتما تشاء.
فهل يستطيع النظام الحاكم في مصر كسب ثقة قطاع كبير من الشعب مرة أخرى وإتاحة الفرصة له لإبداء رأيه دون خوف من سجن أو اعتقال أو بطش رجال الأمن الذين أصبحوا يملؤون الشوارع أكثر من المواطنين أنفسهم؟ وقتها سيرى النظام كيف يهتم المواطن البسيط بأمور بلاده ويشارك في الحياة السياسية بإرادة واعية ويشعر بالانتماء.
ربما يكون النظام الحالي أعاد هيكلة الشرطة ولكن عن طريق المظهر والشكل فقط، واستمر الأسلوب القمعي لكل رأي مخالف. فالذي تغير فقط منذ فترة هو ألوان سيارات الشرطة التي كانت تحمل اللون الأزرق في السابق وأصبحت أكثر رومانسية بلونها الأحمر الذي ظهرت به متزامنة مع احتفالات الشباب بالفالانتاين العام الماضي.
"اتجمعنا أغراب واتفرقنا أحباب" أتذكر جيدا هذا الشعار الذي رأيته على خلفية إحدى سيارات الشرطة الحمراء والذي كان أشبه بشعارات سيارات الأجرة والتوك توك أكثر منه شعارا لمؤسسة أمنية.
2015-10-26-1445863382-2967847-IMG2014021901100.jpg
إلا أن اللون والشعار حملا رسالة موجهة إلى ثلة من الشعب عادت للعداء مع رجال الشرطة كسابق عهدهم قبل ثورة يناير التي كانت من أهم أسبابها قسوة الشرطة والانتهاكات داخل الأقسام الأمنية والاختفاءات القسرية. فهي إما رسالة تصالح أو تخفي وراء شعار جديد ولون جديد، فبعض الحيوانات تستخدم ذكاءها في تغيير لونها أثناء مواجهة الأعداء كما يشير علماء الأحياء الأمريكان أن الحرباء تستخدم اللون الأحمر في حالة المواجهة مع العدو.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.