المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسين Headshot

#الفشل_علمني : أنا مش دكتور أو مهندس إذاً أنا فاشل

تم النشر: تم التحديث:

أنت إنسان فاشل في نظر عائلتك إذا لم تلتحق بأي من كليات الطب أو الهندسة أو الصيدلية، أي إذا لم تحمل لقب دكتور أو مهندس. هذا هو التعريف المختصر للفشل وفقاً للموروث الثقافي والاجتماعي المصري.

ووفقاً لهذا التصنيف فأنا أعد من ضمن الأغلبية التي فشلت في الالتحاق بإحدى كليات القمة، فمن غير المعقول أن يكون الجميع أطباء أو مهندسين، فقد حصلت على مجموع بالثانوية العامة يؤهلني لدخول ما نسميه بكليات عامة الشعب أو ما نصفه بالعامية (الكليات اللي ملهاش مستقبل) كالحقوق والتجارة والآداب والتربية ووقع اختياري على الأخيرة، والتي كانت أعلاهم مجموعاً في درجات قبول الملتحقين بها وكأني أرفض التخلي عن حقي في درجة أو درجتين، كما علمني مجتمعي أن النجاح بالمجموع حتى لو تساوت جميع الكليات في نهاية المطاف فالمقاهي تنتظر الجميع.

لم اشعر بالفشل الحقيقي إلا بعد التخرج في الجامعة عام 2005 وحين اصطدمت بالواقع العملي والحياة المهنية التي تنتظرني، ومع أول راتب أتقاضاه كمعلم متعاقد بإحدى مدارس قرية نائية صغيرة في محافظة الفيوم وكان حينها 105 جنيهات مصرية فقط لا غير في بلد تُقدّر العلم وتعتبره مقياساً للنجاح والفشل.

15 عاماً من الضغط العصبي والنفسي في التعليم والاختبارات والدروس الخصوصية والمذكرات والكتب يقابلها 100 جنيه شهرياً لشاب في مقتبل حياته الوظيفية ومطلوب منه أن يبني مستقبله ويبتسم للحياة.

لم يكن أمامي إلا طريقين فإما البحث عن سفر إلى دولة خليجية أو القبول بالمصير المحتوم والاستسلام للواقع لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. فاخترت القبول والاستسلام ورفض فكرة السفر والبحث عن مكاتب السفريات وإجراء المقابلات الشخصية التي تقيمني على أساس مؤهلي الذي لم أعترف به من الأساس إلا كشهادة للتعيين.

وكما يقول المثل الشعبي المصري "رضينا بالهمّ والهمّ مارضيش بينا" كان هذا حالي مع التعيين، فبعد التخرج لم أكن إلا معلماً يعمل بعقد ينتهي مع انتهاء العام الدراسي ويجدد في العام التالي على حسب صلتك ومعرفتك الشخصية بالموظفين بالإدارات التعليمية.

فكم من مهازل تُرتكب من أجل الحصول على عقود عمل بأجر زهيد، وكم من رشاوى تُدفع لموظفين لا يستحقونها ولكن اضطرتهم الظروف المعيشية الصعبة لقبولها فهم منتمون أيضا لدائرة الفشل الوظيفي. ولا مبرر لقبولهم الرشاوى أو لقبولي وغيري بمثل بوظائف محددة فلست هنا لأحكم على أحد.

واستجابة لنصائح المقربين حاولت خوض تجربة إعطاء دروس خصوصية لبعض الطلاب في بداية حياتي المهنية ولكني فشلت في الاستمرار فيها، فلم أكن أطيق الحياة الروتينية بين عمل في مجمع تعليمي يكتظ بالتلاميذ صباحاً، وغرفة بها طاولة وعدة مقاعد وطلاب ليلاً.

وكثيرا ما كنت أسمع عبارات مثل "احمد ربنا غيرك مش لاقي شغل.. ربنا يبارك في القليل إذا كان معه رضا". ولكني كنت ناقماً وساخطاً على المجتمع بأفكاره البالية وتخاذله. وأيضا لا أحب اتخاذ دور الضحية للمجتمع أو الأسرة أو الدولة أو الوظيفة. واكتشفت أني لابد أن أكتسب بعض المهارات التي تؤهلني لعمل آخر ومن بينها اللغة الإنجليزية، فكان اختياري في بداية الأمر للدورات التدريبية كمعظم الشباب ولكنها لم تجدِ نفعاً، فقررت الدراسة مرة أخرى بالتعليم المفتوح والالتحاق بكلية الآداب ربما تشجعني على المذاكرة والحصول على شهادة جامعية أخرى.

وبعد محاولات للنجاة من هذا الواقع المرير والبحث عن الذات وسط هذه الكوابيس المجتمعية، والتخلي عن العمل بالتدريس مقابل العمل بالقطاع السياحي لفترة من الوقت، إلا انني قررت العودة له مرة أخرى حتى لا يضيع حقي في التعيين فأنا أنتمي لثقافة آبائي ومجتمعي والمثل الشهير الذي يقول: "إن فاتك الميري.. اتمرمغ في ترابه"، وأيضاً شجعني زيادة مرتبات المعلمين في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي للعودة.

واخترت العودة مرة أخرى للتراب والبحث عن عمل آخر بجانب التدريس، فلا يكفي أن تعمل بعمل واحد إذا أردت العيـــش في مصر.

وعن طريق الصدفة بدأت العمل كمراسل صحفي لموقع إخباري بدايات عام 2011 بعد أن وفر لمراسليه تدريباً مكثفاً على العمل في المجال الإعلامي، ولكنه أغلق بوابته الإلكترونية بعد انطلاقها بعدة أشهر. ثم التحقت بغيره من المواقع الإلكترونية والصحف الأسبوعية وكانت الصدمة مرة أخرى، فمعظمها فترات تدريبية أو تطوعية دون مقابل مادي.

واكتشفت دورة أخرى من حياة الفشل فيمن يقرر الالتحاق بوظيفة مراسل محلي أو صحفي، يقع فريسة لبعض المواقع الناشئة أو الصحف الأسبوعية الهابطة التي تستغله في العمل كفترات تدريبية لمدة ثلاثة أشهر أو يزيد ثم تتخلى عنه بأي مسوغ أو حجة. وهو حال لا يخفى على أي من مارس مهنة الصحافة في مصر وبدأ فيها من الصفر. ولم أجد فرقاً بين الوظيفتين إلا أن الأولى أكثر استقرار، ولا مانع من ممارسة الصحافة كهواية في أوقات الفراغ.

وعن طريق ممارسة الهواية اكتسبت الكثير من المعارف والأصدقاء من العاملين بالمجال، فقد أتيحت لي فرصة العمل مع بعض المواقع كمراسل تارة ومحرر تارة أخرى وكاتب مقالات ومترجم. وكانت الترجمة الصحفية الأقرب لقلبي وطريقي لممارسة ما تعلمته من فنون الترجمة بالجامعة أو الصحافة ومن الخبرة العملية التي استمرت لما يقارب خمس سنوات والتدريب على أيدي كثير من الصحفيين المصريين المتميزين في مجالهم.

لم أصل حتى الآن لأهدافي التي أسعى إليها ولكني أعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فكثير من التجارب الفاشلة علمتني عدم اليأس أو الالتفات لإحباطات مثبطي الهمم ومازلت أحاول اكتشاف الطريق إلى النجاح بالثقة وحسن الظن في الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.