المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسين Headshot

سبب نجاح حليم واعتزال المهدية.. ما الذي فعله الميكروفون بعمالقة الطرب؟

تم النشر: تم التحديث:

نشرت صحيفة روزاليوسف، في عددها رقم 1421 لسنة 1957:42، رسماً كاريكاتيرياً لثلاثة من أهم الفنانين في مصر والوطن العربي بعنوان "أهل الفن في الانتخابات"، حيث تظهر صورة لأم كلثوم كُتب عليها "أنا مستنيه السنباطي"، في لمحة طريفة عن مدى صلة وقوة الترابط بين أم كلثوم ورياض السنباطي الذي قدّم لها ألحاناً مميزة قاربت المائة لحن. وصورة كاريكاتيرية أخرى للموسيقار محمد عبد الوهاب وهو ذاهب للإدلاء بصوته الانتخابي، حاملاً في يده آلة العود التي لم تكن تفارقه، تاركاً خلفه عدداً من الموسيقيين "عبد الوهاب: أنا رايح أدّي صوتي". أما الصورة الأخيرة، فكانت للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وكان التعليق عليها "أنا ماديش صوتي إلا في الميكروفون!" في لفتة إلى اعتماد حليم في غنائه على الميكروفون وارتباطه الوثيق به في أعماله الفنية كافة.

2016-11-08-1478564647-3388256-.png

وفي مقارنة بين عمالقة الطرب الثلاثة، يشير رئيس قسم الموسيقى في كلية كنغ إدوارد بلندن، مارتن ستوكس، في بحث منشور باسم "ميكروفون عبد الحليم حافظ" ،إلى أن أم كلثوم وعبد الوهاب كانا أقل حميمية من عبد الحليم تجاه الميكروفون والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام، فقد استطاعا أن يوظفا إمكاناتهما الصوتية قبل انتشار الميكروفونات، ساعد على ذلك حفظهما للقرآن الكريم في سن صغيرة والتدرب على تلاوته وتجويده، فعبد الوهاب حاول تطويع طبقات صوته مع بعض الليونة في الغناء، وأم كلثوم بقوة صوتها كانت تتجنب الاقتراب من الميكروفون في حفلاتها.

إلا أن هناك عوامل مشتركة كثيرة جمعت بين العمالقة الثلاثة؛ منها الوضوح التام في النطق ومخارج الألفاظ والغناء الطربي الرومانسي الذي كان رمزاً لهذه الفترة الزمنية. غير أن حليم كان منافساً قوياً تغلّب على محدودية مساحة صوته بتعلّم كيفية التعامل مع الميكروفون، وهذا ما جعل مارتن ستوكس يخصص بحثاً لدراسة ارتباط حليم بالميكروفون، الذي يشير إلى أنه لم يكن يظهر في أي صورة فوتوغرافية أو كاريكاتيرية إلا ومعه هذا الاختراع الصغير الذي كان سبباً في نجاحه وشهرته، مستغلاً الميكروفون فى توصيل صوته الطبيعي ومتقناً التعامل معه واستخدامه. والواقع، أن عبد الحليم فى وقته كان أكثر المطربين اعتماداً على حساسية الميكروفون، الناقل الأمين لتذبذبات صوته الطبيعي ودون استخدام للطبقات الصوتية العليا، فغنى معظم أغانيه بمساحة من الطبقة الصوتية الوسطى.

2016-11-08-1478565789-3041296-5270715_Abd_elHalim_Hafez_www.ward2u.com.jpg

وعن فضل الميكروفون في نجاح حليم، يقول محمد عبد القادر عبد المقصود في رسالة دكتوراه أعدها تحت عنوان "التكنولوجيا الحديثة وأثرها في إنتاج الأغنية المصرية المعاصرة في الربع الأخير من القرن العشرين": "قبل اختراع الميكروفون، كان المطرب أو المطربة يقف أمام مئات وألوف المستمعين يغني بصوته مباشرة، لذا كان يجب أن يمتلك صوته الكثير من المقامات، وتكون مساحته واسعة، وقوي وواضح النبرات، وإلا فسيصبح مغنياً للجلسات الخاصة محدودة الأفراد. وكان أبرز من غنّى ووظف الميكروفون لصالح صوته عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، فعن طريق الميكروفون وصلت نبراتهما الهامسة إلى المستمع العربي في كل مكان في الصورة التي أرادها من الارتفاع والضخامة وتجاوب الأصداء".

2016-11-08-1478565170-6826672-238095.jpg

ويضيف الموسيقي كمال النجمي في كتاب "نجاة الصغيرة": "الميكروفون كشف مواطن الجاذبية في الأصوات. ومن هنا، نجح عبد الحليم حافظ؛ لأن جاذبية صوته بدت مجسّمة من خلال الميكروفون، ونجحت نجاة الصغيرة لأن صوتها اجتذب الأسماع. ولكنها أسرفت في الغناء الباكي الغارق في الدموع. فكادت تتحول إلى مطربة بكّاءة تخاطب المستمعين بدموعها أكثر مما تخاطبهم بنبرات صوتها".

2016-11-09-1478719787-2006539-.jpg

بينما يظهر مدى قوة صوت أم كلثوم في إحدى حفلاتها بمسرح ريفولي عام 1964 عندما استغنت عن الميكروفون في أثناء غنائها "حسيبك للزمن" بعد حدوث خلل مفاجئ في الميكروفون الخاص بها، وأخذ يُحدث صفيراً مدوياً استحال معه الغناء، ولمّا لم تفلح المحاولات لإنقاذ الموقف، تخلت أم كلثوم عن الميكروفون واقتربت من الجمهور حتى بداية منصة المسرح وأكملت الغناء دون ميكروفون وهي آنذاك في السادسة والستين من عمرها.

2016-11-08-1478564809-6164170-maxresdefault.jpg

كما أن الميكروفون أيضاً أضاف قوة وظهوراً إلى صوت المطربة اللبنانية فيروز التي سميت "نجمة الإذاعات في الخمسينات"، حيث لمع نجمها بداية من منتصف القرن الماضي، وطالبت الجماهيرُ مطربتَهم بالخروج من استديوهات الإذاعة إلى منصات المسارح، لكنها ظلت "نجمة الإذاعات" كما وصفتها مجلة "الإثنين" المصرية عام 1953، بحيث لم تغنِّ أمام الجمهور في تلك الفترة غير إطلالات قليلة على استحياء منها، فقد كانت تتمتع بشخصية خجولة، يظهر ذلك جلياً في حوراتها التلفزيونية القليلة. إلا أن النجمة الخجولة شاركت بعد ذلك في بطولة العديد من المسرحيات الغنائية الناجحة وظهرت معها عبقرية "فيروز المسرح" بعد "فيروز الميكروفون".

لذلك، من الأهمية بمكان أن نعرف ما هو الميكروفون الذي ساهم في صناعة كل هؤلاء النجوم وكان سبباً في انتشار فنهم وازدهاره. يعمل الميكروفون على تحويل الموجات الصوتية (الذبذبات الناتجة من تغيرات الضغط الجوي) إلى موجات كهربائية تنتقل عبر الأسلاك ويسمى حينها الصوت التماثلي، ينقلها الميكروفون مرة أخرى إلى مُستقبِل كمكبرات الصوت والسماعات التي تخرجها لنا مرة أخرى كصوت طبيعي مسموع، أو ينقلها إلى جهاز الكمبيوتر الذي يحول الصوت التماثلي إلى إلكتروني نستطيع من خلاله التلاعب بالأصوات وتغييرها وإدخال بعض التأثيرات عليها عن طريق بعض البرامج، على أن يعود صوتاً مسموعاً مرة أخرى عبر السماعات.

2016-11-08-1478565519-4048501-672.jpg

وهناك العديد من أنواع الميكروفونات؛ نذكر منها الميكروفون الديناميكي Dynamic Microphone
ويعمل وفق مبدأ الكهرومغناطيسية وهو مناسب للاستخدام مع الأصوات ذات مستوى الضغط العالي، كما أنه يمتاز بحساسية عالية للترددات المنخفضة فيكثر استخدامه مع حفلات البث المباشر والآلات الموسيقية للأوركسترا عند تقديم الفقرات الغنائية.

وهناك الميكروفون المكثف Condenser Microphone، ويكثر استخدامه في تسجيل الآلات الوترية ذات الأصوات الرقيقة مثل الكمان، ويُستخدم في تسجيل الأصوات البشرية في الاستوديو، على أن يكون مثبّتاً على حامله أمام المطرب؛ فهو أكثر حساسية من سابقه، لذلك يُستخدم بحرصٍ؛ نظراً لأن أي لمسة غير مقصودة من الممكن أن تعطي صوتاً مكبَّراً، مما يفسد الصوت. كما يُفضّل أن يوضع له مانع الهواء؛ لشدة تأثره بكمية الهواء الخارجة من الفم عند النطق.

2016-11-08-1478565414-4413109-n.jpg


كذلك هناك الميكروفون الشريطي Ribbon Microphone، ويعمل وفق مبدأ الكهرومغناطيسية كالديناميكي، فهو يعتمد بداخله على شريط من الألومنيوم يتحرك وفقاً للطاقة المغناطيسية مع اهتزازات ضغط الهواء الناتج عن الصوت، ويتميز بأن له اتجاهين لاستقبال الموجات الصوتية، مما يسهل استخدامه في الأعمال الإذاعية لإمكانية وضعه بين اثنين من المتحدثين.

أما عن طرائف المطربين مع الميكروفون، فنذكر ما أورده الموسيقي كمال النجمي في كتابه "مطربون ومستمعون"، قال فيه إن منيرة المهدية، الملقبة بسلطانة الطرب (1885-1965)، ماتت وفي نفسها حسرة من الميكروفون، وعاشت الثلاثين سنة الأخيرة من عمرها حاقدة على هذا الاختراع الصغير الحجم الكبير الأثر، واعتبرته عدوها اللدود الذي سرق منها سلطنة الطرب، وكانت تعتقد أنه لولا ظهوره لظلت سلطانة الطرب بلا منازع؛ فهي أول سيدة في مصر والوطن العربي تقف على خشبة المسرح وتغني مباشرة أمام الجمهور بلا أي إمكانات صوتية إضافية.

وبعد صعود نجم أم كلثوم، قررت منيرة المهدية العودة إلى المسرح عام 1948 وقدمت حفلاً غنائياً بعد اعتزالها للحياة الفنية لمدة 20 عاماً، ولكنها لم تلقَ القبول الذي تنتظره بعد أن شهدت الساحة الفنية الغنائية تغيرات لم تستطع منيرة المهدية مجاراتها، فما كان منها إلا أن اعتزلت الفن وتفرغت لهوايتها في تربية الحيوانات الأليفة.

2016-11-08-1478565337-9841155-dsc_0831f9319660.jpg

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.