المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد هيبة Headshot

مركب العلم

تم النشر: تم التحديث:

سئمت كتابة المقالات التي تتناول الواقع وتحاول تقديم فهم لما يدور دون قدرة على استنتاج الحل، يقيناً مني أن الأمور تؤول إلى تعقيد واضح، والحل على بساطته فهو يحتاج إلى زمن لتنفيذه.

في البداية أعزي نفسى وإياكم في ضحايا مركب رشيد الذين قتلهم الحلم والواقع المرير والرغبة في التغيير وإيجاد واقع أفضل وجني ثروة طائلة في بلد ميت يسير على عكازين كأوروبا التي تعاني من انقراض واضح يهدد حضارتهم وبلدانهم بالفناء، مما جعلهم يلجأون إلى استقبال آلاف اللاجئين من بلدان العالم الثالث، وحتى لا يكون ذلك بناء على طلب من الحكومات الأوروبية، وإظهار واضح للعجز الذي تعانيه القارة، كانت الحروب هي الوسيلة الأسهل والأكثر ربحاً بالنسبة لهم، فالسلاح سيباع، والمصانع ستعمل، والمقابل المادي سيغطي نفقات اللاجئين، وسيضطر هؤلاء اللاجئون إلى تقبل القليل ومعاملة الرقيق في بداية الأمر، وسيتطلب الأمر عقوداً من الزمن حتى يدركوا أنهم أصبحوا جزءاً من ذلك الشعب الأوربي، ونحتفظ نحن الأوربيون بأوليات الحكم وصناعة القرار والتحكم في سياسات الواقع.

تقاس كفاءة الدول على الإبصار بمدى تقدم العلم لديها والشعوب التي تعاني الجهل والتخلف لا يمكنها رؤية الأشياء الواضحة عياناً بياناً الممسكة لها بيديها، تنفق الدول المتقدمة كالولايات المتحدة والصين واليابان المليارات على البحث العلمي وتطوير التعليم، ويأتي المردود أضعافاً مضاعفة في الناتج والجودة التي تصل إليها وزيادة الإنتاج والحفاظ على صلاحية الأمور.

الطرق كلها تؤدي إلى روما إلا في بلادنا فالطرق كلها تؤدي إلى نفس البداية، فالمشكلة ليست في المنهج التعليمي ولا في الأبنية وحتى المتلقي، والدليل على ذلك مراكز الدروس الخصوصية التي تعج بالطلاب في الأماكن الضيقة، والتي تقدم نفس المنهج وبإمكانيات أقل مركب العلم في مصر ينقصه شيئان علينا الاعتراف بهما، وهما وجود معلم جيد على كافة المستويات، والثاني إرادة القائمين على الأمر.

معلم جيد يستطيع إيصال وتوضيح المعلومات للطلاب دون البخل بجهد أو علم، ولديه رغبة وحب في التدريس قبل الرغبة في جمع الأموال، متفرغ في كافة الأحوال للتدريس والتحصيل، محب لطلابه، ويعلم أنه يصنع قادة المستقبل، وفي المقابل يعلم أن الدولة ستوفر له المكانة المناسبة في المجتمع والقيمة العالية والمال المطلوب لحياته الأسرية والاجتماعية.

إعداد هذا المعلم يحتاج مراجعة النظام الجامعي والكليات المتخصصة في تخريج المعلمين ومعرفة المطلوب من الخريجين كل عام، والتخصصات اللازمة والعمل على الكيف وليس الكم، يحتاج أيضاً إلى دورات تدريبية مكثفة على التكنولوجيا الحديثة والعالم الرقمي الذي أصبح عمود الحياة اليومية، فالآن أصبح بإمكان المعلم محادثة جميع تلاميذه في منازلهم أو تحضير مواد فيلمية عن المنهج ونشرها على شبكه الإنترنت للجميع ويستطيع كل طالب الحصول عليها في الوقت المناسب.

هذا ما فعله سلمان خان الذي أراد مساعدة ابنة عمه البالغة من العمر 13 عاماً، في فهم دروس الرياضيات، والمقيمة على بعد 2000 كيلومتر من مكان سكنه، فكان يستخدم الهاتف والإنترنت لتدريسها، ثم زاد عدد الأقارب الذين طلبوا الاستفادة من دروسه، فقام بتسجيلها في أفلام فيديو، ونشرها على موقع يوتيوب، فوصل عدد المستفيدين من هذه الدروس حتى الآن أكثر من 80 مليون شخص متجمعين أنحاء العالم.

أراده القائمون على الأمر تتمثل في إعادة النظر إلى نظام التعليم وتوزيع الحصص الدراسية والطريقة التي تقدم بها المناهج إلى الطلاب وتوفير القدر اللازم من الإمكانيات المطلوبة وعمل تقييم شامل يعرض على الطلاب آخر كل عام لمعرفة مستوى الرضا عن المعلم والمنهج في ذات الوقت ومعرفة نقاط القوى والضعف التي قابلها الطلاب، وينبغي ألا يكون نظام التقييم مقتصراً فقط على امتحان لا يراعي هل تفهم المطلوب من المنهج أم أن الطالب قام بالحفظ الكثير لمرور عقبة الامتحان، فالأنشطة التطبيقية مطلوبة بجوار المنهج النظري والمناقشات المشتركة بين الطالب والمعلم أمر مطلوب.
خلق نظام تحفيزي للطلاب ومكافآت مادية ومعنوية وأنشطة رياضية هي أهم عوام جذب الطلاب للمدارس وجعلهم حريصين على المذاكرة ومداومة الحضور طواعية ورغبة في التعليم على عكس نظام التعليم الحالي الموجود في أغلب المدارس الحكومية، والذي يختفي فيه أغلب الأنشطة والألعاب والمسابقات التنشيطية.

الاهتمام بالتعليم الفني كركن أساسي في الدولة وجعله ذا أهمية، وليس مجرد مؤهل لشهادة متوسطة يتخرج فيها الطالب لا يستطيع الكتابة ولا القراءة، وليس لديه أدنى مهارات العمل الفني، مما يجعل خريجي هذا الركن التعليمي عديمي الفائدة في حاجة لأشهر وسنوات للتدريب.

غرق مركب رشيد وتساءل الناس عن كم الضحايا، وعن مالك المركب ولم يتساءل الناس عن الأسباب التي دفعتهم لذلك عن الجهل الذي جعل البعض يتوهم إمكانية الحصول على ثروة وفيرة في أوروبا بمجرد الوصول إليها غرق مركب، فتساءل الناس عن الموتى، ولم يتساءل أحد عن عدد الذين أتاح لهم القدر فرصة الهروب، هل شاهدتم فرحة الأب الذي اعتقد أن نجله ميت، ثم فوجئ به يهاتفه من أوروبا؟!