المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد هيبة Headshot

إلا في بلادنا

تم النشر: تم التحديث:

يحدثني كثير من الشباب والرجال وكبار السن عن سوء الحال في مصر والرغبة في التغيير إلى حال أحسن، وترى انعكاس الوضع الاقتصادي والسياسي على الناس في حياتهم اليومية بشكل كبير، فالشعور بالسعادة الذي هو نتاج الرضا عن الوضع القائم أصبح وهماً على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحديد فيسبوك لاحظت انتشارا لهذا الموضوع.

في فيلم "لف ودوران" أحمد حلمي جَمَّع عيلته كلها على الغدا، بعدين طلب منهم كل واحد يتمنى له أمنية، فمامته قالت: "إنك تتجوز وأشوف ولادك يلعبوا حواليا"، في حين أن جدته قالت: "إني ألحق أشوف عيالك"، أمّا أخته فقالت: "مفيش حاجة محددة عايزاك تبقى مبسوط بس".

- هنا "حلمي" رد: "انتُم مش ملاحظين حاجة غريبة، الواحد أمَّا يتمنى حاجة لحد بيتمنى له الأُمنية اللي تسعده، أمَّا انتم اتمنيتوا الأُمنية اللي تسعدكم انتم، وعشان كده أنا هحقق أمنية أختي، وهخطب البنت الإيطالية"، هنا أختُه اتصدمت، وقالت: "لأ أنا مش عايزاك تمشي وتسيبني"، قالت له ده رغم إنها عارفة إن ده اللي هيسعده..

- وقتها فكرت في حياتنا اللي معظمها عبارة عن محاولات لإسعاد غيرنا.. الطالب اللي بيدخل طب عشان باباه عايزه دكتور، البنت اللي بتتجوز بدري عشان مامتها شايفة إن ده الصح، اللي بتتوظف في مكان مش حبَّاه، واللي بيكمل في مجال مش حابه، واللي بتخلف عشان الناس عايزة كده، وبعدين تخاويه عشان الناس عايزة كده، وبعدين تجيب التالت عشان الناس عايزة كده، وبعدين تجيب الرابع عشان اتنين واتنين، واللي ضيَّعت سفرية عشان الناس وكلامهم، واللي كملت في خطوبة/ جوازة عشان برضه الناس وكلامهم.

- ليه حياتنا كلها محاولات لإسعاد غيرنا، سواء قريب أو بعيد، مش بتفرق انتَ حابب إيه أو مش حابب إيه أو نفسك في إيه، طب أقول على حاجة؛ انتَ مهما اتشقلبت عشان تعجب الناس مش هتعجبهم، ومهما اتشقلبت عشان ترضي اللي حواليك مش هترضيهم، أقول لك على حاجة كمان، الحياة بتتعاش مرة واحدة مش مرتين، عيش الحياة اللي نفسك فيها مش اللي غيرك نفسه فيها، واتمنوا للي حواليكم السعادة وراحة البال، ما تفتكرش نفسك بتبني لهم حياة وانت بالنسبة لهم مجرد سجَّان، وبتدمر حياتك.

الإنسان لا يشعر بالسعادة إلا عندما يفعل ما يحب، ولن تعطيه تلك الحياة ما يحب بالسهولة التي يتوقعها طالما لم يعمل ويجتهد ويتألم كثيراً ويتجرع كوب الصبر مرات ومرات حتى إذا تحققت السعادة أدرك قيمتها.

قرأت تعريفاً مبسطاً وشاملاً للسعادة في رواية منافي الرب للعبقري خالد الخمايسي، يقول فيه: السعادة هي جماع المتع المنثورة في كل تفاصيل حياتنا حتى أسوأ تفصيلة تحمل متعة ما، لكننا في بحثنا المحموم عن السعادة كتلة واحدة مكتملة وواضحة ندهس هذه المتع، ولا نجد السعادة أبداً، السعادة لن تأتي أبداً كتلة واحدة مكتملة وواضحة.

فلماذا تحولنا إذن إلى تلك الحالة؟ يقول أحد المنشورات على "فيسبوك" الآتي: إنهم يحولون أدنى احتياجاتك الإنسانية إلى أحلام.. المنزل.. الشارع النظيف.. العمل.. الحب.. الزواج.. الحياة فتظل تلهث وراءها، معتقداً أنك تتقدم وتنجح وتحصل على الأفضل حتى إذا وصلت هناك اكتشفت أنك ما زلت عند نقطه البداية لم تتحرك خطوة على طريق النجاح أو الإبداع أو إضافة أي شيء لهذا العالم، وكل ما فعلته أنك نجحت فقط في أن تبقى على قيد الحياة عند نقطة البداية التي يبدأ منها البشر كلهم في هذا العالم إلا في بلادنا.

والإجابة تتمثل في جملة وحيدة لا أكثر:
طغت الحياة المادية على الحياة الروحية، فأصبحت السعادة مجرد حلم، وطغت الأحلام على الواقع فأصبح تحقيق السعادة مجرد وهْم.