المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد هدايت Headshot

مصر.. السياحة تسويق خاطئ لإمكانيات كبيرة

تم النشر: تم التحديث:

عانت مصر في الفترة الماضية من مشكلة كبيرة اجتاحت قطاع السياحة، هذا القطاع الضخم الذي يسهم في توفير فرص عمل لعدد كبير من العمالة المصرية، مما ساهم بشكل مباشر في هبوط معدلات الدخل للكثير من الأسر والعائلات المصرية المرتبطة بهذا القطاع، مما كان له تأثير مباشر على معدلات نمو الاقتصاد المصرى ككل، ومدى تدفق العملات الأجنبية (الدولار واليورو).

أنا لا أناقش أسباب المشكلة في مقالي هذا، ولكن أبحث في أسعار السياحة في مصر، وكذلك أسلوب التسويق المتبع للترويج للسياحة المصرية، هنا نسأل سؤالاً مهماً: لماذا تستقطب مصر السياحة المتوسطة والعادية؟ رغم كل الإمكانيات السياحية الكبرى التي تمتلئ بها سلة السياحة المصرية، والتي تؤهلها لأن تكون هدفاً لمستوى أفضل من السياحة المميزة التي تعود بدخل أكبر لقطاع السياحة، الذي بدوره يكون مؤثراً بالإيجاب على الاقتصاد المصري، لماذا ترضى مصر دائماً بهذه النوعية العادية وتركز في تسويقها دائماً على هذا النوع من السياحة الذي يجتذب هذه النوعية من السائحين ذوي الدخول العادية، والذين بدورهم يتلقون خدمات سياحية راقية جداً بأسعار زهيدة جداً جداً.

هنا نوجه نداء لوزارة السياحة المصرية التي هي الشريك الأول في هذه المشكلة، والتي يجب أن تجد لها حلولاً سريعة في القريب العاجل، حتى تتضاعف معدلات العائد من القطاع السياحى، وإن لم تقُم دولة مثل مصر، التي لديها هذا التكوين الرائع والكبير من المقومات السياحية، كالآثار والتاريخ القبطي والإسلامي والشواطئ والمنتجعات السياحية والصحية، وكذلك البنية الأساسية لسياحة المؤتمرات، بالإضافة للسياحة النيلية والتسوق، وكذلك كم هائل من الغرف الفندقية ذات الخمس نجوم والكازينوهات، وأكثر من هذا المناخ الجيد والطبيعة الساحرة، وكل ما من شأنه أن يجذب السياحة المميزة، والعجيب في الأمر أن كل ما سبق وأكثر ما زال يجذب فقط السياحة العادية والمتوسطة، التي لا تساهم في دفع عجلة التنمية في مصر، وتحقيق معدلات نمو أكبر وتحقيق معدلات دخل طبيعية للعاملين بهذا القطاع المهم.

آن الأوان يا سادة في تغيير الخطاب السياحي المصري ووضع مصر في مكانتها السياحية الحقيقية، مستخدمين القدرات التسويقية المميزة التي من شأنها جذب مزيد من السياحة المميزة التي تؤثر فعلاً في النمو الاقتصادي، هذه النوعية من السائحين التي لديها القوة الشرائية على الإنفاق الجيد في رحلاتها السياحية وتستغل مرافق الدولة السياحية بمقابل مادي أعلى يعود بالنفع على القطاع السياحى لا بالضرر.

إعادة النظر في أسعار المنتجات السياحية

هل يعقل أن سعر الغرفة السياحية في فندق خمس نجوم في مصر أقل من خمسين دولاراً؟ ونفس الغرفة وأقل منها في المستوى تباع بمائتي دولار وأكثر، لماذا نرضى ببيع منتجات مصر السياحية بهذه الأسعار؟ لماذا نقبل بأن يزور سائح أجنبي الأهرامات بتذكرة لا تتعدى عشرة دولارات؟ ونحن متأكدون من أنها مزارات سياحية لا يوجد لها مثيل على وجه الأرض، وما زلنا نرتضي أن نبيع هذا المنتج السياحي الفريد بسعر زهيد - إن أسعار دخول الأهرامات الزجاجية في باريس أكبر من أسعار دخول أهرامات الفراعنة - لأن فرنسا لديها أشخاص مدربون ومحترفو تسويق تمكنوا من بيع منتجات سياحية تم بناؤها بالأمس القريب بسعر أكبر من منتجات سياحية عمرها أكبر من سبعة آلاف عام، وكذلك المنتجعات السياحية الشاطئية والمنتجعات السياحية، فسعر الغرفة في نيس الفرنسية أضعاف سعر نفس الغرفة في شرم الشيخ أو الغردقة، مع الفارق أن في فصل الشتاء وأثناء تراكم الثلوج في الغرب يستطيع السائح أن يستمتع بدفء مياه البحر في مصر، وكأنه فصل الصيف.

ننبه وزارة السياحة إلى أن ما يحدث هو بمثابة إهدار للمال العام، ويجب إعادة النظر في أسعار البرامج السياحية المقدمة حتى تعود مصر على مقدمة الواجهات السياحية في العالم.

لا فائدة من اجتذاب السياحة العادية والمتوسطة؛ لأنها لا تمثل أي رقم إيجابي على معدل الدخل، وبالتالي ليس لها أي تأثير على الاقتصاد المصري.

يجب التوقف عن إهدار المال العام في قطاع السياحة، والعمل الجاد على وضع مصر على الخريطة السياحية الحقيقية للسياحة الممتازة عالمياً؛ حيث إننا نمتلك من المنتجعات السياحية والغرف الفندقية والعمالة المدربة والمناخ ما يؤهلنا لأن نعتلي قمة الهرم السياحي عالمياً.

قطاع السياحة في مصر بالنسبة للعالم مثله كمثل قناة السويس، فهو ممر عالمي للفكر والتنوير والمتعة، فيجب علينا الاهتمام به، والتركيز على رفع قيمة العوائد المحصَّلة منه.

الإرهاب وتأثيره على قطاع السياحة

قد يتأثر قطاع السياحة أحياناً بالأوضاع الأمنية في البلاد، لكن هناك دولاً مثل فرنسا قد تعرضت لعمليات إرهابية كثيرة، وبالرغم من هذا فإن قطاع السياحة لم يتأثر، ليست لعبة مصالح كما يدعي البعض أو علاقات دولية أيضاً، ولكنها احتراف في تسويق منتجات سياحية وخلق معدلات طلب مستمرة حتى يتأثر السعر إيجاباً مؤثراً على معدلات الدخول والاقتصاد القومي.

نجد أن من ضمن أساليب تعاملنا مع أحداث إرهابية من هذا النوع أننا نسوق سلباً للأوضاع الداخلية، وكأنها تحدث في بلد آخر، لا أتحدث عن الشفافية والمصداقية ولكن التسويق الخاطئ لأحداث عارضة من شأنه أن يؤثر سلباً على هذه الصناعة في مصر، بل أحياناً نجد أن الدولة شريك في تصوير الأمر على أنه كارثي، ونرى قوات الحراسات من الشرطة المصرية تصاحب كافة حافلات السياحة، مما يعطي انطباعاً لدى السائح بأن هذا البلد غير مستقر، وإذا كان لا بد من تأمينهم بهذه الصورة، فلنجعل قوات الحراسات ترتدي زياً مدنياً حتى لا نرسل صورة سلبية عن الأوضاع الأمنية في مصر، وكذلك التأمين في المطارات هناك جيوش من أفراد الشرطة تجوب أرجاء المطار وتتمركز حول السائحين والزوار، مصدرة صورة قاتمة للحالة الأمنية في البلاد، هذا بالإضافة إلى عدم التنظيم في المطارات.

هناك فارق بين التأمين الحقيقي وبين تصدير صورة التأمين، ولأن كلاً منهما له تأثيره على صورة مصر أمام زوارها، فمن الممكن أن نؤمن السائح بصورة أفضل ودون أن نشعره دوماً بأنه في موضع خطر.

كيف نريد عودة هذا السائح للزيارة مرة أخرى ونحن نشعره بأنه دوماً مهدد ومحاط بقوات الأمن في كل مكان يذهب إليه ؟ وما هي الصورة الذهنية التي تتكون لدى هذا السائح عن مصر؟ وكيف سيتحدث عن مصر داخل مجتمعه ودولته عندما يعود؟ هل ننتظر عودته مرة أخرى؟ هل ننتظر قصصاً إيجابية يتداولها داخل مجتمعه عن مصر؟ بالطبع لن يحدث، وذلك لأننا قد رسمنا صورة ذهنية في مخيلة كل من تطأ أقدامهم أرض مصر أن الأوضاع غير مستقرة، وأنه يحتاج إلى الأمن طوال مدة إقامته في مصر (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).

إذاً فلا بد من إسناد مهمة التسويق السياحي إلى شركات عالمية متخصصة في هذا المجال، وتسهيل مهمة عمل هذه الشركات، وتنفيذ كل مطالبهم بالتعديل، خاصة في التأمين، يجب مراجعة أسعار الغرف الفندقية وكافة المنتجات السياحية في مصر، مما يتناسب مع جودة المنتج السياحي المقدم للزوار.

الكثير منا يتعجب من الحالة التي عليها قطاع السياحة رغم هذه الإمكانيات الضخمة، فمن يجب أن نسأل؟ أين ضاعت موارد مصر السياحية؟ ومَن هو المسؤول عن إهدار المال العالم في قطاع السياحة؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.