المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسن  Headshot

أصل الانسان في القرءان

تم النشر: تم التحديث:

لنهمل للحظة ما ورثناه عن خلق الانسان الاول ادم من طين وخلق زوجته حواء من احد اضلعه، لنستكشف اصلنا من القرءان، الكتاب المنزل من الله رحمة ونورا للعالمين. هناك ثلاث نصوص متوازية عن خلقنا من ادم ومن نطفة ومن نفس واحدة تثير تساؤلات منطقية لم تجد اجابات شافية في التفاسير التقليدية. لنبدأ بأدم:

(38:71)اذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (38:72) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (38:73) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (38:74) الا إبليس استكبر وكان من الكافرين (38:75) قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (38:76) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

السؤال الذي اثارته نصوص ادم من البداية هو التالي: اذا كان ادم هو اول انسان فكيف تكاثرت البشرية من رجل؟ من أين جاءت أم البشرية؟ الجواب التقليدي وفي الديانات السماوية الثلاث هو ان الله خلق حواء زوجة ادم من أحد أضلعه. ولكن هذه القصة لا تجد دعما واضحا في القرءان. على العكس لا تتطرق نصوص خلق ادم لخلق زوجته حواء، سواء من ضلعه أو بأي طريقة اخرى، ولم تكن الاشارة لخلقها تتطلب أكثر من اية أو جزء من اية. الغريب أننا لا نجد حتى اسم لزوجة ادم في القرءان- حواء اسم مستمد من التلمود اليهودي. اذا كنا نؤمن بأن القرءان لا يتحدث عن الهوى فلا يمكن ان يكون قد أغفل اصل أم الانسانية الا لسبب وجيه ومنطقي.

في خط السرد الثاني يتحدث النص عن خلق الانسان من نطفة:
(22:5) يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج
اذا كانت النطفة هي الاساس ليس فقط لخلق الانسانية بل وبعثها يوم القيامة، فكما يشير النص ونعلم من الطبيعة تحتاج النطفة لرحم لتنمو فيه وتتطور الى جنين وطفل. نصوص النطفة تعمق شكوكنا حول أصل وهوية أم البشرية الذي اثارته نصوص ادم. اذا كان اصلنا من تراب ثم من نطفة تطورت الى علقة فمضغة الخ الاية اعلاه فاما ان يكون ادم قد خلق من تلك نطفة وهذا يثير التساؤل: من هي الام التي حملت نطفة ادم؟ واذا كان ادم هو الاستثناء فمن اين جاءت زوجة ادم، ام البشرية؟ لا تجيب التفاسير التقليدية عن هذا التساؤل لأنها لم تطرح أصلا ربط ادم بالنطفة.

نصوص النفس الواحدة تعمق شكوكنا في قصة ادم وضلعه:
(4:1) يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا

ساوت بعض التفاسير بين النفس الواحدة وادم، مؤكدة الخط التقليدي الذي خلق حواء من احد أضلع ادم. ولكن هذه المساواة تستوقفنا بتساؤل جوهري حول التناسق اللغوي في القرءان: فلماذا استخدم القرءان الذكر والمذكر في خلق ادم بينما قلب المذكر مؤنثا في هذه الاية؟ هل هدف القرءان أن يربكنا ويزيد طين اصلنا بلة؟ أم ان الانثى في الاية (النفس الواحدة) انثى حقيقية، والذكر في ايات ادم رجل حقيقي؟ التحدي الاكبر الذي تثيره هذه الاية هو ان القرءان لا يذكر شيئا عن خلق النفس الواحدة التي خلقت منها الانسانية. من أين جاءت ومتى خلقت وكيف؟ لماذا لا نجد أي ذكر لادم في نصوص النفس الواحدة اذا كانوا متساوين؟ كما لا نقابل هذه النفس في أي من نصوص ادم؟

من الواضح ان القرءان يتحدث عن اصل الانسانية ولو عبر طرق مختلفة. لا يمكن عندما نسأل القرءان عن اصلنا بجدية علمية أن نهمل أي من هذه النصوص. على العكس، يجب ان يكون تفسير هذه النصوص مجتمعة هدف كل مسلم يسعى وراء الحقيقة القرءانية.

ادم
يظهر ادم أول مرة في القرءان في الايات التالية:
(2:30)وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (2:31) وعلم ادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (2:32) قالوا سبحنك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (2:33) قال ياادم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (2:34)وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (2:35) وقلنا يادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.

السؤال الذي تثيره هذه الايات لا يتعلق بانتقاد الملائكة لخطة الخلافة الالهية- مع ان المفسرين كنسوا هذا النقد تحت سجادة التنزيه- وانما بمعرفة الملائكة عن فساد جنس ادم: فكيف عرفوا بذلك قبل ان يخلق ادم ويتكاثر جنسه؟ ابن كثير ناقش اجابتين: إما ان الله اخبر الملائكة بذلك قبل اعلانه عن خلق وخلافة ادم، واما ان الملائكة استنتجوا ذلك من سلوك الاجناس الطينية السابقة على الارض. التفسير الاول يتناقض مع منطق السرد الذي يؤكد جهل الملائكة بالمستقبل: فاعلان الله عن خلافة ادم جاء بعكس ما توقعته الملائكة والا لماذا انتقدوه؟ قول الله سبحانه "اني اعلم مالا تعلمون" يؤكد علمه بما جهلته الملائكة. ويؤكد مشهد الاسماء هذا العلم الالهي فالملائكة على ما يبدو لم تتوقع ان يتعلم ادم الطيني اسماء هم انفسهم لا يعرفونها وقد اعترفوا بذلك عبر سجودهم لهذا المخلوق الطيني الجديد.

الاجابة الثانية تقود لأراء كانت منتشرة بين المفسرين الاوائل واهملها المتأخرين مع بعض الاستثناءات. فقد ناقشها محمد عبده ومحمد رشيد رضا في بداية القرن الماضي. توقف رضا عند كلمة "خليفة"، من فعل خلف الذي يعني يتبع ويحل محل ويرث، ليستنتج بأن ادم لم يكن اول الاجناس العاقلة الناطقة على الارض. اذا كان هذا الرأي صحيحا، حسب ما نقله رضا عن محمد عبده، فقد لا يكون ادم اول جنس حيواني عقلاني على الارض، بل كان أول جنس ناطق مشابه للاجناس المندثرة في العنصر والمادة ومختلف عنها في الاخلاق والسلوك. اقترح عبد الصبور شاهين، بعد عبده ورضا بقرابة 90 سنة، بان ادم انحدر من اب وام من احد هذه الاجناس السابقة. ولقي كتابه "ابو ادم" انتقادات لاذعة من علماء الدين والمفكرين المسلمين مع ان الازهر راجعه واعطى الاذن بنشره في مصر. هذا لم يمنع ذلك من محاكمة شاهين بتهمة التهكم على الدين واساسياته العقائدية. من المثير ان شاهين حاول في كتابه الربط بين نصوص خلق الانسان والعلوم الطبيعية وخصوصا علمي الاحياء والجيولويجا ولكنه التزم الخط التقليدي المعادي لنظرية النشوء والتطور، وهذا لم يكن سهلا بالنظر لجوهر مقولته بأن ادم انحدر من جنس سابق: فكيف حصل هذا التناسل بدون تطور جنس ادم اذا كانت الملائكة قد سجدت لأدم بينما حكمت على الاجناس السابقة له بالفساد وسفك الدماء؟

أما محمد شحرور في كتابه المثير للجدل "الكتاب والقرءان: قراءة معاصرة" فقد دعم نظرية النشوء والتطور بشكل أكثر صراحة. استنتج شحرور تعددية الاجناس البشرية قبل ادم أما الذي سجدت له الملائكة فيمثل الانسان المعاصر الذي تطور عن هذه الاجناس بقدرته على الربط بين الشيء وصورته عبر الاسم، مما مهد لتطور اللغات. ولا ينظر شحرور لادم كفرد بل كجنس كامل، لأن النشوء والتطور لا يعتمد على تطور فرد بعينه وانما على تطور المجموعة او الجنس عبر تراكم الطفرات الجيدة عبر التكاثر والاختيار الطبيعي وعلى مدى حقب طويلة. ولكن هذا الرأي يثير تساؤلات منطقية حول النفخة الالهية المحورية في نصوص ادم، فهل كانت هذه النفخة في فرد أم في مجموعة؟

النطفة
اهمل المفسرون نصوص اصلنا من نطفة لأنها تتطلب رحم انثى وادم كان اول انسان. ولكن النطفة مهمة لانها تمثل حلقة الوصل بين الطين والانسان من جهة النص كما قد تمثل الرابط العضوي بين ادم والاجناس السابقة اذا كان ذلك التفسير صحيحا:

(23:12)ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (23:13) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (23:14) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأنه خلقا اخر فتبارك الله أحسن الخالقين

تساءل الطبري عن هوية "الانسان" المخلوق في الاية 12، ونقل رأيين. اما انه ادم، بسبب ارتباطه بـ"سلالة من طين"، أو أنه اشارة لبني ادم لأن النطفة في الاية 13 تحتاج لرحم انثى لتتطور. يرجع الرأي الاول سلالة لفعل "استل" (مثل استل السيف) ليطرح بان الله جمع التراب الذي خلق منه ادم (استله) من شتى انحاء الارض. ولكن سلالة بمعناها المتداول حتى عند العرب الاوائل يشير لتسلسل الابناء من الاباء ومن الاجداد وهلم جرا، ومن ذلك استخدام الكلمة للاشارة لسلالة الحصان العربي الاصيل. يهذا المعني قد تشير "سلالة من طين" للجنس الذي انحدر منه الانسان المعاصر منه. يترك الرأي الاول مشكلة الانتقال من ادم الى النطفة للقصة التقليدية عن خلق زوجة ادم من احد اضلعه قبل ان تبدأ عملية التزاوج الطبيعي. أما الرأي الثاني فيتجنب هذه النقلة اللامنطقية عبر اعتبار الانسان في الاية الاولى اشارة لبني ادم، بمعنى استثناء ادم وزوجه من معنى الاية. ولكني لا اجد تبريرا نصيا لهذا الاستثناء سوى صعوبة تفسير النطفة اعتمادا على كون ادم اول انسان مخلوق وهو رجل. كلا الرأيين يفسر "القرار المكين" على انه الرحم، وهو استنتاج منطقي يفسر تطور النطفة في الاية 14. ومع ان كلمة "نطفة" ما زالت تفتقد لمعنى علمي واضح في اللغة العربية الا ان نصوصها في القرءان تقربها من البويضة الملقحة القادرة على الانقسام الخليوي والتكاثر لتصبح علقة ومضغة الى بقية الاية التي تصور مراحل نمو الجنين في الرحم.

يجب ان نعترف اذا بأن السؤال الذي اثاره الطبري "من هو الانسان المخلوق في الاية الاولى" يبقي بدون اجابة شافية. ويمكن اعادة صياغته كالتالي: كيف نفسر أصل الانسانية من نطفة اذا اعتبرنا ادم، الرجل، أول انسان مخلوق؟ من اين جاءت النطفة واين تم وضعها لتتطور الى انسان؟ إما أنها خلقت مباشرة من طين- وهذا يترك سؤال الرحم أو القرار المكين بدون أجابة- وإما انها جاءت من عملية تزاوج ذكر وانثى كما في الحالة الطبيعية، مما يثير التساؤل المنطقي حول أبوي ادم. نصوص النفس الواحدة قد تحسم الاجابة.

النفس الواحدة
لا يفتأ القرءان يذكرنا بأن الانسانية خلقت من "نفس واحدة":
(4:1) يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا

ولكن الاقتباس التالي من موقع "ريليجن اوف اسلام" الالكتروني يحرف الاية 4:1 اعلاه ليثبت التفسير التقليدي بأن زوج ادم، حواء، خلقت من احد اضلعه: "تؤكد كل من التقاليد المسيحية واليهودية بأن ايف - حواء- خلقت من ضلع ادم، مع ان الترجمة الحرفية لضلع في النصوص اليهودية تشير احيانا الى انه جنب. يقول الله تعالى: يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من شخص واحد (ادم) وخلق منه زوجه (حواء) وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء". ترجمت الاية 4:1 كما وردت على الموقع باللغة الانجليزية لأبرز كيف تم تحريفها لدعم النظرة التقليدية لاصل حواء من ضلع ادم. يستمر الموقع بالقول: "أحاديث النبي محمد (ص) تشير الى ان حواء خلقت بينما كان ادم نائما من اقصر اضلع صدره الايسر، وبعد مرور بعض الوقت، كسيت باللحم". لا يوجد ما يدعم هذا التفسير اللاعقلاني في القرءان. تشويه جنس النفس الواحدة ليس جديدا على التفسير: "خلقهم الله من نفس واحدة، وهي ادم عليه السلام، وخلق منها زوجها، وهي حواء عليها السلام، وقد خلقت من ضلعه الايسر من جهة الظهر بينما كان نائما، وعندما استيقظ ورأها فاعجبته، اصبح صاحبها واصبحت صاحبته". ابقيت على ضمائر التأنيث والتذكير في تفسير ابن كثير للاية 4:1 كما هي لاظهر مدى التحريف الجنسي الذي استمر 14 قرنا لتأكيد مسلمات العرب عن سبق خلق ادم أبو الانسانية لخلق حواء ام الانسانية. لاحظ راشد الغنوشي هذا التحريف وانتقد الاحاديث التي استند اليها على اساس انها اسرائيليات في كتابه "المرأة في الاسلام: بين الواقع والقرءان". أما القرءان فواضح ومتناسق مع ذاته، فهو لم يقصد ذكرا في سياق بينما قصد انثى في سياق اخر:

(7:189) هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن اتيتنا صالحا لنكونن من الشكرين

تقلب هذه الاية تفسير الضلع على رأسه الاعوج لتجيب على التساؤلات الملحة التي اثرتها في بداية المقال: فالنطفة جاءت من جنس سابق، ووضعت في رحم - قرار مكين- من هذا الجنس، وهذا قد يكون رحم النفس الواحدة التي انحدرت منه الانسانية. لم يتطرق القرءان لخلق النفس الواحدة - حواء اسم مخترع لأنه علي اغلب الظن لم تكن هناك اسماء لافراد الاجناس السابقة التي لم تكن تعرف اللغة المنطوقة- لأنها كانت موجودة، تماما مثلما كانت مريم موجودة - مخلوقة بطريقة التكاثر الطبيعي- قبل علمية خلق عيسى عليه السلام.

استنتاجات
الاستمرار في توارث القصة التقليدية حول خلق ادم مباشرة من طين وخلق زوجه من احد اضلعه يخلق تناقضات منطقية بين نصوص القرءان قبل التناقضات الواضحة مع العلوم الحديثة. لنحاول فهم الايات التالية عبر المنظار التقليدي:

(23:12) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (23:13) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (23:14) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأنه خلقا اخر فتبارك الله أحسن الخالقين

يمكن ان نغير صيغة الصنم-الطيني التقليدية لخلق ادم لتشمل النطفة كما يلي: خلق الله ادم كسلالة طين تحولت الى نطفة، وهي- نستنتج من النص ومن العلوم الحياتية- خلية تحوي الرسم الجيني (DNA) قادرة التكاثر والتحول الى انسان كامل. المشكلة ان هذه النطفة تحتاج الى رحم امرأة لحملها، ولكن وبما ان ادم كان اول انسان في القصة التقليدية، فقد نحل هذه الاشكالية بالقول بأن الله خلق شيئا مشابها للرحم يدعم نمو وتحول نطفة ادم الى جنين ثم الى طفل. يجب ان يشمل هذا الجهاز الخيالي كل الوظائف والظروف الحيوية التي يوفرها الرحم للجنين، تماما مثل اجهزة حضانة أطفال الانابيب، ولكنه في هذه الحالة يجب ان يكون انبوبا ضخما ليصاحب نمو ادم حتى اصبح طفلا ورجلا (فلم تكن هناك ام ترعاه في طفولته). هذا التصور الخيالي يتركنا بمشكلة خلق زوجة أدم الضرورية لتناسل الجنس الانساني، وبنفس النفس الخيالي يمكن ان نسقط نفس جهاز التفريخ الذي تخيلنا استخدامه لحمل ادم على حواء، زوجة ادم. المشكلة ان القرءان لا يذكر شيئا عن مثل هذا الجهاز الخيالي الا اذا اعتبرنا "القرار المكين" اشارة مبطنة له..

أما العاقل منا فيجب ان يسأل: لماذا يتبع الله هذا الطريق الملتوي لخلق ادم وزوجه وهو القادر على خلق أي شيء بكلمة؟ لماذا يخترع الخالق جهاز رحم اذا توفر هكذا رحم في انثى موجودة انذاك؟ الم يخلق الله تلك الانثى والجنس الذي تنتمي اليه؟ ألم يخلق الله مريم قبل أن خلق عيسى في رحمها؟ بل ان القرءان يربط بين خلق ادم وعيسى في الاية التالية ليؤكد هذا الفهم المنطقي لعملية الخلق:

(3:59) ان مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون
اذا كانت عملية خلق ادم وعيسى متشابهة، فهل كانت هناك انثى تشبه مريم لتقوم بدور الحمل الادمي؟ هذا طبيعي اذا اعتبرنا بأن ادم انحدر من جنس سابق فكان له أم واب من ذلك الجنس. وتؤكده ايات كثيرة على هذا الفهم. الاية التالية مثلا تشير ان الله اصطفي ادم كما اصطفي نوح وابراهيم:

(3:33) ان الله اصطفى ادم ونوحا وال إبرهيم وال عمران على العالمين (3:34) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم
الاصطفاء هو الاختيار بالتميز ويكون اختيار الفرد من مجموعة، وهذا مستحيل لو كان ادم الرجل الوحيد من جنسه. لقد اصطفاه الله من جنسه وسواه ونفخ فيه من روحه ليرفعه فوق اترابه حتى يكون اول من يتعلم الاسماء واللغة ويستحق سجود الملائكة له. اذا كان لدى القارئ شك في وجود هذا الجنس فأقرأ الاية التالية ولاحظ ضمائر المفرد والجمع:

(7:11) ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين
لقد خلقنا الله وصورنا كمجموعة قبل ان خلق- اصطفي- ادم من افراد هذه المجموعة ونفخ فيه من روحه وعلمه الاسماء قبل ان سجدت له الملائكة. ويمكن ان نفهم الايات التالية بنفس المنطق:

(82:6) يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (82:7) الذي خلقك فسواك فعدلك (82:8) في أي صورة ما شاء ركبك
تمت تسوية الانسان وتعديله وتصويره بعد خلقه: هذه مراحل تطور الجنس الذي انحدر منه ادم كما تشير الاية 7:11. وتتوافق هذه المراحل مع اكتشافات علم الاحياء حول تطور الاجناس السابقة للانسان المعاصر، فقد كانت مقوسة الظهر كثيفة الشعر. تصويرنا يشمل تشكل وتنوع سمات وجوه الناس، وهذا التنوع لم يكن ممكنا الا بعد فقدان شعر الوجه والجسد. الايات التالية تؤكد هذا الفهم وتربط السلالة بالنطفة بادم:
(32:7) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (32:8) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (32:9) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون

بعد خلق كل المخلوقات بدأ خلق الانسان ولكنه لم يكن ادم: لقد تناسل الانسان عبر سلالة من ماء مهين، ثم تم تصويره وتعديله وتسويته قبل ان نفخ الله من روحه في ادم. هذه النفخة نتج عنها ترابط السمع والبصر والفؤاد في نظام متكامل سمح لادم ان يتعلم الاسماء واللغة ليصبح واحدا من العالمين.

نستطيع الاستمرار في توارث القصة التقليدية عن أصلنا وخلقنا بدون تفكير او تساؤل، ولكننا سنضع ابناءنا وبناتنا في مأزق معرفي مع العلوم المعاصرة. فإما ان يؤمنوا بالقصة كاسطورة خلق دينية موروثة ويهملوا تأثيرها على منطقهم العلمي العقلاني، واما ان يؤمنوا بها كحقيقة الهية تفند ما توصلت اليه العلوم الطبيعية. في كلتا الحالتين يحصل لديهم انفصام في الشخصية: في الحالة الاولى مع الدين وفي الحالة الثانية مع العلم. لا أطرح في هذا المقال قصة بديلة عن القصة التقليدية ولا تفسيرا علميا لنصوص القرءان (مع ان ذلك ممكن) ولكني ادعو بصدق المؤمن واصرار المفكر لاعتماد نصوص القرءان كأساس لاي تفسير اسلامي معاصر لأصل الانسان. وعلى هذا الاساس آمل ان يستفيد المسلمون وخصوصا طلاب العلوم الطبيعية من فتح باب النقاش مجددا في هذه النصوص المهملة من قبل المفسرين ورجال الدين على حد سواء.

المراجع:
ابن كثير، تفسير القرءان العظيم
الطبري، تفسير الطبري
محمد رشيد رضا، تفسير المنار
ابن عاشور، التنوير والتحرير
عبد الصبور شاهين، ابو ادم
جواد عفانة، ادم الانسان: ابو البشر
راشد الغنوشي، المرأة: بين القرءان والواقع
محمد شحرور، الكتاب والقرءان: قراءة معاصرة
The Story of Adam (part 1 of 5): The First Man, viewed from http://www.islamreligion.com/articles/1190/ on 12-2-2013
Nidhal Guessoum, Islam's Quantum Question, Taurus Books, 2011