المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسن  Headshot

النقد والتفسير

تم النشر: تم التحديث:

ذهب كارل بوبر، أحد فلاسفة العلم المعاصرين، إلى اعتبار النقد هدف البحث العلمي. يبدو من أطروحته التي عرفت بمبدأ التخطئة (falsification principle) بأن المعرفة التي بناها العلم عن الطبيعة خاطئة لا محالة سواء وجدنا خطأها في حياتنا أم لم يحالفنا الحظ بعد. يقول بوبر في نقده لمنطق الاستقراء العلمي: "ليس مبررا، من وجهة نظر منطقية، استقراء مقولات عامة من اخرى خاصة، بغض النظر عن عددها ...عدد الوزات البيضاء التي رصدناها- مهما كان - لا يبرر الاستنتاج بأن كل الاوز أبيض". بكلمات اخرى، يستحيل التحقق 100% من صحة المقولات العلمية مهما توفرت الارصاد التي تدعمها، ومن هذه الملاحظة قلب بوبر فلسفة البحث العلمي رأسا على عقب: فهدف العالم- بكسر اللام- ليس اثبات أي حقائق نستنتجها عن ومن الطبيعة وإنما اثبات خطأها. هذا النقد ليس جديدا على الفلسفة، فقد سخره الغزالي لنقد فلاسفة الطبيعة في كتابه الشهير "تهافت الفلاسفة": استنتج الغزالي بأن تزامن الاحداث لا يعني بالضرورة أن احدهما سبب للأخر وانما هكذا يبدو للمشاهد بسبب العادة. واعاد الفيلسوف الاسكتلندي هيوم تبني المبدأ في القرن السادس عشر، حتى تطور مبدأ الشك ليصبح أحد اهم اعمدة المنهج العلمي المعاصر.

ليس هدف مبدأ التخطئة التقليل من شأن العلم أو التشكيك في جدوى البحث العلمي أو المعرفة الناتجة عنه. هدفه الاساس حماية العلم من العالم - بكسر اللام- وارائه الشخصية ونزعاته العاطفية والثقافية والايديولوجية التي كانت تؤثر في انتاج المعرفة في السابق. بدون هذا المبدأ اعتمدت الحضارات السابقة على مقولات ومبادئ عامة لا يمكن التأكد من صحتها او خطأها أو المساس بأحقيتها في الوجود لأنها اصبحت جزءت من المنظومة الفكرية السائدة في المجتع. بول فييرابند، فيلسوف الشك العلمي، حذر علماء الطبيعة من السقوط في شباك اللغة اليومية ومفاهيمها المتوارثة: "وصف ظاهرة مألوفة بالنسبة للمتكلم حدث تلتصق فيه الظاهرة بالمقولة التصاقا وثيقا. هذه الوحدة ناتجة عن عملية تعليم تبدأ في الطفولة. فمن أظفارنا الاولى نتعلم التفاعل مع الظواهر بردود أفعال مناسبة، لغوية او غيرها. اجراءات التعليم تشكٌل "الظاهرة" (في اذهان الاطفال) منشئة رابطا بينها وبين الكلمات، حتى ليبدو في النهاية وكان الظاهرة تتكلم عن نفسها بدون مساعدة خارجية او معلومات اضافية. بالطبع تأثرت اللغة التي تتحدثها (الظواهر) بعقائد أجيال سابقة اعتنقت على مدى فترات طويلة حتى لم تعد تشكل مبادئ مستقلة (عن الظواهر) بل دخلت حيز الاستخدام اليومي".

ينطبق هذا التشخيص على اللغة والمفاهيم التي ورثناها وتعلمناها عبر التلقين والتحفيظ وغيرها من ادوات التوريث الثقافي حتى أصبحت جزءا من لغتنا اليومية. للاسف لم يظهر حتى الان منهج نقدي لفحص اصل وفصل مفاهيم الفكر الاسلامي ودورها في حالة الركود والتراجع التي نعانيها. تخطئة ابن كثير على سبيل المثال غير ممكنة في عصرنا الراهن، أما التشكيك في صحة "صحيح" البخاري أو "صحيح" مسلم فقد تقود لتكفير قائلها. وما زالت مؤسسات الفكر الدين ترفض التعامل مع المشكلة كتحدي منهجي مرتبط بانتاج المعرفة في الاسلام. فعلى أي أساس ننتقد تفسير الطبري الذي يعتمد اساسا على الرأي؟ كل التفاسير التي ورثناها حتى اللحظة تعتمد على الرأي: رأي الرسول أو رأي الصحابة أو رأي التابيعن أو رأي المفسر نفسه. قراءة كتاب تفسير تشبه قراءة صحيفة تنقل ما قاله المسؤولون حول قضية أو حدث معين (في هذا المقام، حول القرءان)! لا شك أن المفسر مارس ويمارس نوعا من النقد الخجول في نقله لاقوال الاخرين، ولكن نقده بقي في اطار الرأي الشخصي. بدون معيار خارجي ومنهج موضوعي لا يمكن القول بأي ثقة ان تفسير ابن عباس لهذه الاية خاطئ أو صحيح!

بعد حركة النهضة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين رأينا محاولات لتجديد التفسير القرءاني ليناسب ثقافة ولغة العصر. للاسف بقيت هذه التفسيرات "التجديدية"، مثل ظلال القرءان لسيد قطب، أو الميزان للطابطبائ، أو المنار لمحمد عبده ومحمد رشيد رضا، بقيت تعاني من نفس المشكلة المنهجية: فهي حبيسة المفسر ورأيه حتى وان بدت لغتها عصرية بعض الشيء. السؤال "كيف تنتقد تفسيرات للقرءان بشكل موضوعي؟" لم يتم الاجابة عليه من قبل المجددين. أما عند التقليديين الغيورين على تراثنا الديني فالنقد منبوذ كنشاط فكري. هالة التقديس المحيطة بكل من اشتغل أو يشتغل بالقرءان وتفسيره وعلومه تمنع حتى التفكير في نقدها. لا ولن تسمع- حتى ان وجد- بكتاب عنوانه "نقد تفسير الطبري"، أو "نقد تفسير القرءان العظيم" (لابن كثير). هذه الحالة من ال"انيرشا" (العطالة الذاتية) يترك الباحث المسلم امام خيارين لا ثالث لهما: اما القبول باستحالة معرفة "الحقيقة القرءانية"، لأن الاختيار بين التفسيرات المتوفرة غير ممكن، واما ان يطرح تفسيرا جديدا يناسب افكاره ورؤيته ولكنه يشابه في منهجه كل التفسيرات التي سبقته لأنه يعتمد على المفسر. هكذا راكمت مكتبتنا الاسلامية العظيمة مجلدات فوق مجلدات من الاراء بدون ان تتوفر لدى زائرها وقارئها اي ادوات لاختيار التفسير الافضل. فكما في التفسير، القراءة والاختبار تتبع رأي وذوق القارئ وتوجهاته الدينية والثقافية المسبقة.

اعتبر بعض المفكرين- حتى من المجددين- هذه الحالة "العطالية" في التفسير تجليا لاعجاز القرءان، فقد صمم النص ليكون مناسبا لكل زمان ومكان. يستطيع كل من يملك القدرة على التفكير "الصحيح" (حسب اصول التقاليد الدينية المتوارثة) أن يخوض غمار النص ليخرج باستنتاجاته الخاصة به كما اقترح وليام تشيتيك. هناك مسلمات خفية وتداعيات خطيرة لهذا الرأي: فهو اساسا مبني على فكرة استحالة معرفة الانسان بحقيقة القرءان، فهذه المعرفة محصورة في الله ومن ارتضى من ملائكته. حسب الغزالي، القرءان مثل المحيط ونحن لا نعرف منه الا معناه السطحي، أما المستوى السابع او العاشر أو الالف فلن يصله الانسان ابدا. من تداعيات هكذا رأي أنه يفتح الباب على مصراعيه امام قبول الناس بالتسلط والاستبداد: فتفسير "داعش" للقرءان (والدين بشكل اعم) قد يكون صحيحا مثلما تفسير "الازهر" أو تفسير "الاخوان المسلمين" أو تفسير وليام تشيتيك أو تفسير الغزالي. كيف لمسلم معاصر مثلي، ناهيك عن بقية شعوب العالم، أن يعرف ما هي حقيقة الاسلام المنزلة في القرءان؟

هناك خيار ثالث للخروج من المأزق المنهجي الذي سقط فيه الفكر الاسلامي المعاصر. التراكم النوعي الذي شهدته المعرفة العلمية في القرون الاخيرة جاء نتيجة لمنهجة النقد، و"مبدأ التخطئة"، لتمييز الغثاء من الزبد. تطبيق المبدأ على التفسير يتطلب جرأة دينية واصرار علمي من المفكرين والمفسرين والقراء على حد سواء. كيف؟ سأناقش بعض افكاري في هذا المجال في مقالي المقبل ان شاء الله.

المراجع:
Karl Popper, The Problem of Induction, in the Philosophy of Science (Curd & Cover eds.)
Paul Feyerabend, Against Method

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع