المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حمودة علام  Headshot

أُم الدنيا

تم النشر: تم التحديث:

ليس الحب حكراً على روميو وجولييت، فهناك حب المتزوجين، حب الأب والأم لأبنائهما، حب الإخوة، وكذلك الحب الأكثر ندرة وإخلاصاً هو حب الأصدقاء.

الأصدقاء الإخوة خالد وأدهم وسعيد، لا تراهم إلا معاً في الفرح والحزن على حد سواء، مجتمعين للخير وعلى الشر، بدأت قصة حبهم بمدرسة سيدي بشر بعروس البحر الأبيض المتوسط، ترعرعت وازدهرت بكلية التجارة جامعة الإسكندرية.

وبعد انتهاء أجمل سنوات العمر بالجامعة قرر خالد الاستمتاع بالمزيد من خلال الامتياز وتعيينه معيداً بالكلية، فهو يحلم أن يكون التعليم بالجامعات المصرية مواكباً لأرقى الجامعات العالمية، وكذلك لتكون جامعة الإسكندرية من أفضل عشر جامعات على مستوى العالم.

أدهم متعدد المهارات والمعارف، فهو مولع بالاقتصاد والبورصة؛ لذلك قرر الالتحاق بكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، بالإضافة لمهارات البرمجة والشبكات والدورات التدريبية بمجال المحاسبة الإلكترونية قرر سوق العمل اختطاف أدهم، فهو يحلم بجائزة نوبل للاقتصاد ورفع مستوى معيشة المواطن المصري، وأن تصبح ضمن العشرة الكبار اقتصادياً على مستوى العالم.

فى حين قرر سعيد اتخاذ الطريق المختصر إلى مبتغاه فقرر الالتحاق بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالإسكندرية، فما زال يحلم بمشروعه الخاص لطرح أفكاره التنموية من خلال الجريدة المقروءة والراديو المسموع والقناة المرئية.

اتفق الإخوة الأصدقاء على ألا يتركوا الدنيا إلا ولهم وفيها بصمتهم الإيجابية، فقد كانوا من عشاق القراءة والاقتصاد والبحر والأسماك والسياسة "يقصد هنا سياسة إدارة أمورهم الخاصة ولا علاقة لهم بغير ذلك".

وكعادة أعداء النجاح لم يعجبهم اتحاد القادة الثلاثة فقرروا اتباع قاعدة فرّق تسُد، فبدأت الجميلات تداعبهن للزواج، وبدأت العوائق الاجتماعية والمعيشية تشغلهم عن هدفهم ورؤيتهم الأساسية، بدأت الأجواء السياسية والاقتصادية التى تمر بها البلاد تزج بهم إلى الخارج فلا مكان لموهوب بيننا.

بالرغم من كل التحديات ومجابهة أعداء النجاح قرر الثلاثى المرح أن يبقوا على العهد من أجل النهوض بأم الدنيا؛ لتكون كذلك أَد الدنيا، فأقسموا ألا يتركوا مصر أبداً مهما كانت العوائق، تعاهدوا ألا يفكروا بالزواج الآن فلا مكان لشريك رابع بينهم.

كيدهن عظيم، فخالد اليوم متزوج من إحدى الجميلات، تنحّى التعليم قليلاً فهو يعمل طوال اليوم، سواء داخل أو خارج مجال عمله؛ ليغطي بالكاد تكاليف المعيشة له ولزوجته وابنه عمر.

أدهم ما زال على العهد، ولكن الجميلات من حوله في زيادة مستمرة، إحداهن تريد استشارة مالية والأخرى تريد تصميم بانر للاحتفال بعيد ميلادها الثاني والعشرين، وثالثة هي زميلة عمل لا أكثر، وأخرى هي العاشقة منذ اتحاد الطلاب بالكلية، وبما أن كل ما سبق يخدم الغاية لأدهم فهو لا يتأخر عن مساعدة الجميلات.

سعيد ترك الدراسة مؤقتاً فهو يعمل صباحاً بأحد البنوك ومساء بمركز خدمة العملاء لإحدى شركات الاتصالات؛ ليجمع بالكاد مهر العروس، فأصبحت كل أمانيه هو تقبيل رأس الجميلة فهي مستقبلاً شريكته فالنجاح من أجل النهوض بأم الدنيا.

قامت بمصر ثورة لعلها تذكر الثلاثي بالعهد، فندموا على ما فات، وأقسموا ألا يتركوا البلاد إلا بعد تعويض ما فات، فقرروا معاً غض البصر عن المال والجميلات وأي ملهيات، والنظر فقط إلى ما يعمر أم الدنيا.

كيدهن عظيم فسعيد اليوم بالإمارات بحثاً عن الدولارات، فلم تعد الصحة قادرة على العمل صباحاً ومساء، ولم يعد الجنيه قادراً على مواجهة اقتصاد ما بعد الثورة.

دعت حاجة البلاد اقتصادياً إلى مزيد من التقشف وإلغاء الدعم وإلقاء الجنيه بالبحر الأبيض المتوسط؛ لذلك فأدهم باليابان الآن لتحقيق مبتغاه بأن يسهم في تنمية دولة من ضمن العشر الكبار اقتصادياً.

أقسم التعليم في مصر بأن يخرج من التصنيف العالمي لعدم عدالة التقييم، كما قامت الجامعة بطرد الدكتور سعيد لاستخدامه طرقاً وأساليب غير علمية لم نعرفها من قبل، حتى إنه لم يقتنع بأفكاره سوى جامعة شمال البلاد تدعى كامبريدج في إنكلترا محل إقامته الحالي.

قامت انتفاضة أخرى بالبلاد لعلها النداء الأخير للثلاثي بأن يتذكروا ما أقسموا عليه، فالهدف واحد وإن اختلف الأسلوب، فالساحة لم تعد للأقوى بل للأسرع، لم تعد فقط للأذكى بل كذلك لمن يجيد التعامل مع كافة الكائنات.

فأم الدنيا لا تنافس أم دنيا أخرى، بل تنافس الدنيا بأكملها.

لذلك قرر القادة الثلاثة العودة من جديد، ولكن هذه المرة دون أي قسم أو تعهد، فلا مجال للكلمات والشعارات بل الفعل هو المطلوب. وعلى الفور تم القبض عليهم بمطار النزهة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.