المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

كيف يستفيد المصريون من الأزمة ؟

تم النشر: تم التحديث:

على غير وجهة نظر الكثيرين، تنتابني لحظة كبيرة من التفهم لفكرة أن قيادات الدولة ومواطنيها الشرفاء، متعجبون تماماً ومتشككون من مؤامرة ما تحاك بمصر؛ بسبب ردة الفعل الإيطالية تجاه مقتل طالب إيطالي يدرس في مصر.. فهم مدهوشون تماماً من أن دولة مثل إيطاليا تركت كل مشاكلها وتحدياتها وسخّرت كل قيادتها ومؤسساتها وبرلمانها للبحث عن قتلة شاب عادي جداً يدرس في مصر.. شاب لا يعمل في وظيفة سيادية أو يمتلك شهرة فنية أو رياضية أو سياسية في إيطاليا، شاب عادي تماماً من بين عشرات الملايين الشباب في إيطاليا.

فمعظم المصريين قيادةً وشعباً يقيّمون أي حدث يحدث في أي مكان في العالم بمقياس ما يحدث في مصر، وليس لديهم استعداد لفكرة أن هذا المقياس المصري في الحكم على الأشياء غير موجود في أي مكان بالعالم سوى في مصر فقط.. لأنه وببساطة وبدون تعقيد كل شعب في أي دولة في العالم يقيس علاقته بينه وبين حكومته بمقياس تراكمي لما تفعله الحكومة من أجل المواطن في حالات مختلفة على مدار عقود.. بمعنى أنه إذا حدثت حوادث ما متشابهة لمواطنين عدة في أوقات متفرقة في بلد ما فإن طريقة تعامل الحكومة مع الحادثة في جميع الحالات هي التي تشكل المقياس العام في العلاقة بين الشعب والحكومة في هذا النوع من الحوادث، وبالتالي عندما ستحدث نفس الحادثة مع مواطن جديد، فالشعب سينتظر نفس التعامل الذي حدث في الماضي أو يزيد وفقاً لتطورات الزمن، وإذا لم يحدث فتصبح الحكومة مقصرة في نظر شعبها.

وما لا يعلمه معظم المصريين أنه لا يمكن أبداً أن نقارن هذه الحالة بأي حالة مصرية.. لأنه -ومن المستحيل في هذا الزمن- أن تقوم سلطة ما في أي دولة أوروبية باختطاف مواطن أوروبي أو شرق أوسطي أو إفريقي أو آسيوي من دون إذن قضائي، ثم تقوم بتعذيبه بدنيًّا للحصول على اعتراف أو معلومة عن قيامه بارتكاب جريمة ما، حتى لو كان متهماً وبأدلة مادية في ارتكاب عمل إرهابي.. فلم يحدث من قبل أننا سمعنا هناك متهماً ما في قضية إرهابية مات وهو قيد التحقيق من السلطات في دولة أوربية..

لكننا نسمعها يوميًّا في مصر، مواطنون مصريون يتم اختفاؤهم قسريًّا من قِبل السلطات المصرية، ثم بعد شهور أو أيام يتسلمهم ذووهم من المشرحة، وعلى أجسادهم آثار التعذيب، ويمر الأمر ولا يحدث أي تحقيق، بل يصل الأمر إلى أن أهل المواطن الذي مات معذباً يحمدون الله على أنهم عرفوا أن ابنهم قد مات وتسلموا جثمانه، وأنهم لن يستمروا في المعاناة بعد ذلك في استئناف مشقة البحث عنه ولو حيًّا أو ميتاً.. ومن هنا يتبين أنه لا يوجد ثمة تشابه بين ما يحدث في مصر وما يحدث خارجها.

الأهم مع هذا هو أننا يجب أن نعلم ردة الفعل الإيطالية تجاه تلك الحادثة، والطلبات التي تصر عليها من الإدارة المصرية ليست بها ثمة مغالاة، بل على العكس تماماً، فكل ما تريده الحكومة الإيطالية من السلطة المصرية هو معرفة الجاني الحقيقي الذي قام باختطاف الطالب الإيطالي، وقام بتعذيبه حتى الموت وتقديمه للمحاكمة الجنائية في مصر، ففي حوادث أخرى مشابهة تطلب بعض الدول بتسليم الجاني لسلطات الدولة المعتدى على مواطنها؛ ليمثل أمام قضائها وهذا ما لم تطلبه إيطاليا من مصر حتى الآن.

مماطلة الإدارة المصرية في كشف من ارتكب هذه الجريمة، تدل على أن من ارتكب تلك الجريمة وقتل الطالب الإيطالي تعذيباً، هي شخصية اعتبارية، بمعنى أنه ليس تصرفاً فرديًّا اتخذه ضابط شرطة أو ضابط مخابرات تهور في التعامل مع الضحية، بل هو تصرف مؤسسي صدر بأوامر تدريجية من قيادة كبيرة لقيادة أقل ثم لشخص ما في المؤسسة كان هو مجرد أداة لتنفيذ عملية التعذيب، ومن ثم القتل.. وهذا ما يدركه الجانب الإيطالي وينتظر الاعتراف الرسمي المصري بهذا الأمر، وهو اعتراف صعب المنال لما سيترتب عليه من ردة فعل داخلية وخارجية وفتح ملفات كثيرة فيما يحدث في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

الفائدة الوحيدة التي سيستفيد منها المصريون من تلك الأزمة، هي أنها من الممكن أن تُحدث تغييراً كبيراً في الوعي الجمعي المصري، ويفهم الجميع الحقيقة بأن المقياس المصري الشعبي في الحكم على الأحداث التي تحدث في العالم، ليس صحيحاً بالمرة، وأن المصريين يعيشون في عزله تامة، بعيداً عما تعيشه الشعوب الأخرى، ومن هنا ربما يحدث التغيير الحقيقي في علاقة الشعب بالحكومة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.