المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

حوار بين رجلين مهمين

تم النشر: تم التحديث:

ما زالت رائحة العطور تغرق أنفي وعزف أنامل عمر خيرت مستقراً في أذني.. اعتدت السير في منتصف الليل بعد حفل عمر خيرت كلما كان في الأوبرا، تبدأ الرحلة من بوابة الأوبرا وتنتهي عند ميدان طلعت حرب.. أحب قاهرة منتصف الليل التي لا تعرفها كائنات النهار.. من شدة السكون أستمع لأنين حبات الرمل تحت قدمي.

وقبل الوصول إلى مقر إقامتي فوجئت برؤية أمر أسرني.. المقهى مفتوح في هذه الساعة على غير العادة!

"ريش".. المقهى الأثري الذي أسكنه ساعات طويلة يومياً، لأول مرة لم توصد أبوابه في هذه الساعة بعد منتصف الليل!

اقتربت رويداً من الباب أتحسس الموجودين بالداخل، فلم أرَ أحداً!
وصلت إلى منتصف المقهى، وإذ بيد من خلفي تهبط على كتفي فارتجف قلبي!
عم "فلفل" كبير العاملين بالمقهى.. رجل نحيل وجهه نوبي يعمل في المقهى منذ أربعين عاماً.

- عم فلفل: إزيك يا أستاذ.. جاي متأخر ليه كده؟

- أنا مدهوشاً: إنتوا ليه فاتحين لحد دلوقتي؟

- عم فلفل غاضباً: في ضيوف مهمين في المطعم اللي جوه والمدام قالت لي أستناهم لما يخلصوا.

- أنا مبتسماً: يعني أمشي ولا أشرب القهوة المانو؟

صمت للحظات وكأنما يتخذ قراراً مهماً ثم قال بصوت خافت:

- عم فلفل: اتفضل يا أستاذ محمد انت صاحب مكان.

توجهت إلى آخر المقهى حيث الجلوس على طاولتي المفضلة على يساري نافذة خشبية موصدة، في المعتاد تكون مفتوحة طوال اليوم لأنها مصدر الهواء الوحيد للمطعم الداخلي.. وأمامي من بعيد تلفزيون مفتوح على برنامج وائل الإبراشي ولكن مكتوم صوته وعن يميني طاولات خاوية.

جلست أنتظر القهوة لأحتسيها في هدوء، مستدعياً صورة المسرح الكبير في دار الأوبرا حيث كنت هناك قبل ساعة.. وإذ بكلمات تتسلل من خلف النافذة الخشبية محاولة الدخول إلى أذني.. فمددت أذني ناحيتها كي أرفع المعاناة عن الكلمات.. فدخلت.

- كنت فاكر إني لما أكلفك بمهمة إنك هتقدر تنفذها أحسن مما توقعت.

- يا باشا أنا حاولت واللهِ بس هما طلباتهم كبيرة قوي.

بهذه العبارات بدأت أتلصص الحوار..

- الرجل الأول: أنا بحذرهم لو مانضموش هيقعدوا كراسي عالكراسي.

- الرجل الثاني: سيادتك كل واحد فيهم دافع ملايين عشان يبقى نائب وعايز...

- الرجل الأول: بتقول إيه؟! هما فاكرين إنهم بقوا نواب بملايينهم؟! لأ، هما بقوا نواب عشان إحنا اللي عايزنهم نواب.

- الرجل الثاني: طبعاً طبعاً يا فندم.. أنا عايز أقول إن كل واحد عايز يعرف هيستفيد إيه من الائتلاف؟

- الرجل الأول: زي ما كان بيحصل قبل كده.. ولا هما فاكرينا مكناش عارفين كل اللي عملوه!

- الرجل الثاني: سيادتك أنا كنت عايز أعرف هي القيادة ليه مصرة على الائتلاف رغم إن 99% من النواب على قديمه.. خايفين من إيه؟

- الرجل الأول: نعم؟! خايفين إيه يا سيادة اللوا.. إحنا مابنخفش من حد.

- الرجل الثاني: سيادتك آسف سيادتك.. أنا أقصد ليه الإصرار على الائتلاف طالما مافيش قلق من النواب؟

- الرجل الاول: يا سيادة اللوا أنت راجل قديم ولازم تكون فاهم إن معدش ينفع تسيب حاجة للظروف، البلد معدتش أمان للسطة زي الأول.. الكلاب مسعورة علينا وممكن في لحظة الدنيا تتقلب على الكل، والمجلس اللي جاي مطلوب منه إنه ينفذ وبس من غير مايناقش.. إحنا مش مستعدين إن حد يفكر يعطلنا.. وموضوع الائتلاف دا هو اللي هيحدد مين ناوي يبقى معانا ومين ناوي تتقطع رقبته.

صوت فنجان القهوة يتأرجح في يد العجوز ورائحة البن المحوج تسبقه إلى أنفي، سكن الفنجان أمامي وانصرف الرجل في هدوء.. وبينما غابت عيناه عني عادت أذني إلى النافذة التي تبدو وكأنها نافذة على السلطة.

- الرجل الأول: قولهم إنك عندك أوامر إنك تخلص الموضوع دا بأي وسيلة.. ولو موصلتش لحل المجلس هيتحل.

- الرجل الثاني: طيب بالنسبة لطلباتهم هنعمل فيها إيه؟

- الرجل الأول: اللجان هتتوزع بالعدل.. الأحزاب اللي هتنضم كل حزب من الكبار هياخد أربع لجان.. والمستقلين اللي كانوا أعضاء في الوطني هما عارفين كويس هيخدوا إيه وازاي، بس بشرط الانضمام.. وإلا هنقلب في الدفاتر القديمة.. إنما الجداد دول ماتشغلش بالك بيهم.

- الرجل الثاني: سيادتك النواب الجداد ملهمش أي طلبات دول طالبين الرضا سعادتك.

- الرجل الأول: إسمع يا سيادة اللوا.. أنا عايز بعد يومين أبلغ القيادة إن كل حاجة تمام.. وإلا تنسى أي اتفاق بنا قبل كده.. ورقبة الكل هتطير.. ونبدأ من جديد.

- الرجل الثاني: لأ سيادتك أرجوك.. اديني فرصة تانية.. أنا أستحق الفرصة التانية.

- الرجل الأول: ماشي يا سيادة اللوا.. هي الساعة بقت كام؟

هنا انتفضت من كاني مهرولاً نحو باب المقهى لأهرب قبل أن يرياني.. خوفاً من أن أصبح بعد ذلك ضحية ما سمعت.. وعندما وصلت إلى الباب سمعت تصفيقاً شديداً خلفي فاستدرت للخلف وحدقت بعيني فوجدت أناس كثيرون يجلسون على الكراسي يصفقون بشدة، ونظرت للأمام فوجدت عمر خيرت منحنياً.. وانتهى الحفل الذي للتو كان قد بدأ عندي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.