المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

وجهاً لوجه مع البرادعي

تم النشر: تم التحديث:

سبعة أيام قبل اللقاء.

في إحدى مطاعم منطقة الزمالك كان موعد للقاء بيني وبين الإعلامي الكبير الأستاذ "شريف عامر" الذي أعتز دائماً بصداقته، وتحديدا يوم الثاني والعشرين من نوفمبر عام 2012.. نعم إنه يوم الإعلان الدستوري للرئيس الأسبق "محمد مرسي" الذي جاء في الرابعة عصراً.. كان اليوم من صباحه الباكر مرتبكاً.. الشباب يحيي ذكرى "محمد محمود" قبلها بثلاثة أيام والتي استمرت لأسبوع بعد استشهاد "جيكا" الذي زاد الأمر عنفاً.. المحكمة الدستورية بصدد إصدار حكم بحل اللجنة التأسيسية للدستور والتي يترأسها المستشار "حسام الغرياني" جاءتني أنباء عن أن الرئيس مرسي يعقد اجتماعات منذ صباح اليوم مع أطراف قانونية عديدة.. سألني "شريف عامر" مستفسراً:
شريف: هل تعتقد أن شيئاً ما سيحدث اليوم؟
أنا: أظن أن هناك إعلاناً دستورياً يجري تحهيزه.
شريف مندهشاً: لماذا؟
أنا: أعتقد أنه بصدد عزل النائب العام وتعيين نائب جديد وسوف يحصن اللجنة التأسيسية من الحل.
شريف أكثر إندهاشاً: لا أظن أنهم بهذا الجهل وسوء التفكير.
انتهى اللقاء بيني وبين الصديق العزيز الذي حدثني في المساء ليثني على تنبؤاتي التي أصابت لب الموضوع، إضافة إلى أن الرئيس الأسبق حصن قراراته من الطعن عليها وفقاً لما يراه هو وحده يمثل تهديداً للأمن القومي.

الدكتور مرسي نسف اليوم مفهوم الدولة والشرعية ونصب نفسه حاكما بأمر الله.

بهذه العبارة علق الدكتور "محمد البرادعي" على الإعلان الدستوري الذي أصدره الدكتور "محمد مرسي" البذرة الأولى التي غرسها في الأرض لتقتلعه من حديقة قصر الاتحادية.
كان الدكتور "محمد البرادعي" يوم إصدار الإعلان الدستوري يضرب كفاً على الأخر.
كيف لرجل عاقل أن يرتكب من الحماقات ما يرتكبه الدكتور "محمد مرسي" في حق مصر وحق نفسه؟!
كيف لرجل عاقل يشغل منصب رئيس الجمهورية أن يستعدي شعبه؟!
كيف لي أن أتقبل إثما يرتكبه رئيس الجمهورية في حق مصر؟!

هنا جاءت اللحظة الهامة التي انتظرها عدد كبير من الشعب.. ويتناساها الآن!
القنوات الفضائية تتهافت على إجراء حوار تليفزيوني مع الدكتور محمد البرادعي ليبدي رأيه في الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الذي احتكر السلطة واستأثر بها لنفسه.. ومن حسن حظي أنه اختار الأستاذ "محمود سعد" عبر قناة النهار التي أتشرف بعلاقة صداقة مع رئيسها، وجاء اللقاء بعد سبعة أيام من الإعلان الدستوري، وحضرت اللقاء من خلف الكواليس وشاركت في اقتراح بعض الأسئلة المباشرة للدكتور فهم يعلمون والتي اجتذبت منها عبارات مباشرة صحيحة وموجهة صوب الهدف.. فبشهادة الجميع كان هذا أفضل حوار تليفزيوني للبرادعي، كما اقترحت تعقيب الدكتور البرادعي على خطاب الرئيس مرسي الذي كان من المفترض إذاعته وقت وجود الدكتور البرادعي في القناة وهو ما نوه عنه "محمود سعد" وقتها.. فما كان من مؤسسة الرئاسة إلا أن تؤجل إذاعة خطاب الرئيس إلى أن ينهي محمود سعد الحلقة وينصرف البرادعي.

إنكم جميعاً بهذا التصرف تستعدوننا

هكذا جاءت المكالمة الهاتفية من رئاسة الجمهورية إلى مالك القناة الذي حضر سريعاً ليعتذر للبرادعي وكنت واقفاً كتفي بكتف الدكتور "محمد البرادعي" وأنصت للحوار الكامل بينهم، والذي صرح مالك القناة وقتها إلى أن الرئاسة قالت أنها لن تذيع اللقاء إلى بعد انصراف البرادعي حتى وإن اضطررنا لتأجيله إلى الغد، فلا فائدة لكم من بقاء الدكتور معكم على الهواء أكثر من ذلك.. وهو ما حدث بالفعل.

ماذا لو قبِل البرادعي إغراءات الإخوان ولم يدع لتشكيل جبهة الإنقاذ الوطني؟

الجميع نسي أو تناسى ما قدمه الدكتور "محمد البرادعي" لهذا الوطن في عصر مبارك الذي أسقطة مرة في 25 يناير وعهد مرسي الذي أسقطه مرتين.. أولهما في 23 نوفمبر 2012 بدعوته لتوحيد المعارضة تحت مظلة جبهة إنقاذ وطني تقف ضد "محمد مرسي" وإخوانه.. ومرة أخرى عندما أصر في الأول من يوليو 2013 على الرحيل المباشر لـ "محمد مرسي" دون استفتاء على بقائه كي لا تحدث فتنة وحرب دموية في البلاد وقت الاستفتاء.. ذلك الاستفتاء الذي كان يصر وزير الدفاع آنذاك على إجرائه.. ذلك الوزير الذي ادعى بعد ذلك أنه هو البطل القوي الذي أنقذ مصر وعزل الرئيس رغم أنه كان يخشى على نفسه من عزل الرئيس مباشرةً.. لكن غيره هو من أصر ومن ثم وأمر قائد الجيش بالتنفيذ.

في فترة السبعة أشهر بين تشكيل جبهة الإنقاذ وعزل "محمد مرسي" كانت هناك نقاط هامة.. نذكرها فقط حفاظاً على التاريخ وإعطاء كل ذي حق حقه؛ كي لا تختلط الأمور مثلما يحدث في المعارك مع الحابل والنابل:

- الإخوان قبل 30 يونيو بأسابيع قليلة يعرضون على الدكتور البرادعي طرح وجهة نظره في قانون الانتخابات البرلمانية ومن ثم انعقادها والمشاركة فيها وإعطائها الشرعية السياسية.. والبرادعي يرفض.
- الإخوان قبل 30 يونيو بأيام يعرضون على البرادعي تشكيل حكومة لإدارة الإنتخابات.. والبرادعي يرفض، ويصر على الرحيل.
- الإخوان قبل 30 يونيو بأيام يطلبون من "عمرو موسى" عضو جبهة الإنقاذ الجلوس مع "خيرت الشاطر" محاولة منهم للضغط على البرادعي مقابل منصب رفيع وموسى يهرول له في منزل أيمن نور.. عمرو موسى الذي أصبح بعد 30 يونيو من المقربين للنظام ورئيس لجنة الخمسين.

- لماذا كان يرفض البرادعي الجلوس معهم؟
لأنه ببساطة كان يرى منذ الإعلان الدستوري أن الجماعة تنشئ في المجتمع صراعات طائفية بين أبناء الوطن الواحد ومثل هؤلاء لن يكون لهم عن الرحيل بديل.. والآخرون الذين أصبحوا في السلطة الآن ومن حولها كانوا يرون أن هذا أمر مستحيل لعشرة أعوام على الأقل.

- لماذا كان يرى الإخوان أن عبور البرادعي هو بمثابة العبور الكبير لهم.. ولماذا لم يتغاضوا عنه ويسقطوه من المعادلة؟
لأنهم كانوا على دراية تامة بأن عبور البرادعي هو عبور لمعظم الشباب المصري.. الشباب الذي هو المحرك الكبير للشارع وصاحب الكتلة الأكبر والمعبر الحقيقي بمشاركته عن وجود حياة سياسية صحية في مصر.. فالبرادعي المندوب الأول والأكبر للشباب المصري.

ستارة البرادعي

أنا هنا أتحدث فقط عن فترة قصيرة في عمر العلاقة السياسية بين مصر والبرادعي ومدى تأثيره فيها.. مقارنة بالطفيليات التي فرضت نفسها على المشهد الآن.. لكن من كان حقيقياً في وجه مدافع الإخوان المسلمين هو الدكتور "محمد البرادعي" وحده.. والآخرون كانوا يتحدثون من خلف ستارته التي كانت مصدر ثقة لهم في أنها سوف تحجب عنهم الأذى.. وفي الحقيقة كما ذكرت.. الإخوان كانوا لا يرون عقبة سياسية في مصر سوى عقبة البرادعي.

مرسي يصر على نزول الجيش للشارع

بالعودة إلى حوار التاسع والعشرين من نوفمبر 2012 سوف تجد عبارة مهمة قالها الدكتور "محمد البرادعي" بعد أن بات واضحاً أن "محمد مرسي" والإخوان أنشأوا حالة من العناد والعراك والاستعداء المقصود ضد الشعب.. حيث قال "إذا أصر الدكتور مرسي على الاستمرار في هذه الحالة سينزل الناس إلى الشارع ومن ثم سيكون نزول الجيش إلى الشارع أمراً واجباً، ووقتها ستصفق الناس له، لأن الناس تريد السلام البدني والنفسي وربما سيكون النزول هذه المرة مؤقتاً لمدة ستين عاماً أخرى للأسف" .. وفي النهاية أصر مرسي وجماعته على نزول الناس ومن ثم نزول الجيش.. وها هي النتيجة.. القضاء على فكرة الدولة المدنية، بعد أن صفق الناس لها واعتبروها المنقذ لهم، وطالبوه باستعادة السلطة بعد أن تسببت الجماعة بفشلها في رفض غالبية الناس للدولة المدنية.. وعندما ينزل الجيش لن يكون هناك شريك معه.. فالجيش لا يشارك مدنيين السلطة أو الرأي، وكانت النتيجة أن الجيش ارتكب خطايا وحماقات ومجازر تجبر صاحب كل ضمير حي على الانصراف بعيداً عن السلطة.. ونجح الجيش فيما خطط له، وانصرف صاحب الضمير الحي بضميره.. وجهز الجيش مندوبه في قصر الرئاسة.. ها هي النتيجة كما ترون.. عودة إلى مباذل الفرعنة!

على الجميع أن يعرف من قدم لمصر وماذا قدم، ومن أخذ منها وماذا أخذ.. من رفض السلطة وهي في يده، ومن خطط وسعى لها وهي بعيدة كل البعد عنه.. من أكل على كل الموائد حتى التخمة، ومن أكل الجميع من مائدته.. من سعى لجمع شمل الوطن المفكك، ومن يسعى دائماً لخلق عداوات بين مواطنيه السلميين.. وفي النهاية لن يكون هناك من يستطيع توحيد النسيج الوطني الممزق وإيجاد سبيل مناسب للعيش معاً واحترام الآخر سوى البرادعي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.