المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

إمبراطورية الكاكي بين الثروة والثورة

تم النشر: تم التحديث:

جميع التقارير العالمية تؤكد أن الجيش يسيطر على نحو 45% من الاقتصاد المصري

بعد رحيل "مبارك" وتولى المجلس العسكري زمام الأمور بقيادة المشير "حسين طنطاوي" البالغ من العمر 75 عام فإن المجلس عمل بكل ما لديه من قوة على حماية تلك المصالح الإقتصادية المربحة والتي جعلت من الجيش إمبراطورية تجارية وأحد أهم العوامل المؤثرة في اقتصاد البلاد, فالجيش المصري يمتلك المئات من الفنادق والمستشفيات ومصانع التعليب والنوادي والمخابز بالإضافة إلى عشرات الآلاف من العاملين فيما لايقل عن 26 مصنعا تقوم بتصنيع السلع الإستهلاكية للمصريين مثل الثلاجات والتلفزيونات والحواسيب بالإضافة إلى تصنيع عربات القطار الجديدة للسكك الحديد وأيضا سيارات الإطفاء كما يعمل على توفير مجطات حرق النفايات ومياه الصرف الصحي إذا تطلب الأمر وكل ذلك يصب في النهاية عند الجيش وطنطاوي.

2015-10-28-1446002466-394343-Minsters.jpg

الجيش صار أشبه بالإمبراطورية التي تشغل مئات الآلاف من المدنيين وتجني مليارات الدولارات فالجيش أصبح كالشركة التي لا تخوض حروبا في الخارج ولكن تعمل على سد استهلاك المدنيين كما أن وزير الدفاع أصبح يعمل كمدير لتلك الشركة وبدلاً من التفكير في المسائل العسكرية أصبح وزير الدفاع مشغولاً طول الوقت بإدارة أعماله التجارية.. حتي المستثمرون الراغبون في الإستثمار في القطاع الخاص سواء في الإستثمارات العقارية أو المنتجعات السياحية علي طول البحر الأحمر مثلاً عليهم تأجير مساحات الأراضي المطلوبة من وزير الدفاع.

تلك المصالح التجارية يمكن أن تكون الدافع وراء عدم قمع الجيش للثورة من اللحظة الأولى فالثورة ومشاهد الدماء في البلاد هما أمر سيء جدا بالنسبة لأي رجل أعمال, فالمؤسسة العسكرية بقيادة طنطاي عملت على عدم وصول أي رئيس مدني حقيقي للسلطة حتي لا يتم الكشف عن تللك السجلات.

2015-10-28-1446003313-7354262-.jpg

منذ أن أسقط الجيش المصري الملكية في 1952 وجميع رؤساء الجمهورية جاءوا من الجيش (نجيب - عبد الناصر - السادات - مبارك - السيسي) (مرسي) حالة إستثنائية جاءت بالإتفاق مع المجلس العسكري حفاظاً على الإمبراطورية.. ويرجع الفضل في تضخم الإمبراطورية الإقتصادية للجيش المصري إلي الحدث التاريخي الذي شهده عام 1979 وهو إتفاقية كامب ديفيد والتي منذ إبرامها بدا الجيش في الإستثمار في كل شيئ في البلاد بدءاً من الزراعة إلي بناء الطرق والكباري والإستثمار العقاري والصناعات الإلكترونية مروراً بمصانع اللبن والدجاج ومزارع تربية العجول والأبقار ومزارع الخضروات والفاكهة ومصانع المعلبات والمزراع السمكية..

السياحة مصدر ثروة كبار الضباط

2015-10-28-1446002541-4587046-masa.jpg

بالإضافة إلي كل تلك المشروعات المربحة اقتحم الجيش المصري مجال السياحة بقوة وراح كبار قادة القوات المسلحة يتملكون ويديرون كبريات الفنادق والقري السياحية في شرم الشيخ وهي المشروعات التي بدأت منذ عهد المشير "عبدالحليم أبو غزالة" وزير دفاع مصر في أواخر عهد أنور السادات وبدايات عهد مبارك.. والذي بدأ مسيرة القوات المسلحة الإقتصادية لكن "مبارك" لم يلبث أن عزل أبو غزالة في عام 1989 من منصب وزير الدفاع لحرص مبارك علي إقصاء كل منافسيه علي السلطة وخوفاً من شعبية أبو غزالة المتزايدة من جهة ولشيوع رائحة الفساد في إمبراطورية الجيش الإقتصادية التي يشرف عليها أبو غزالة.

وزير الدفاع الجديد "يوسف صبري أبو طالب" كان مختلفاً عن أبو غزالة وكان يسعي لإبعاد الجيش عن أي مشروعات إقتصادية غير مرتبطة بالدفاع وتنافس القطاع الخاص وأكد أبو طالب أنه سيحارب الفساد في المؤسسة العسكرية لكن الرجل لم يتمكن من تحقيق ما يصبو إليه حيث تمت إقالته في 1991، ربما لنواياه تلك! كما تم تعيين "محمد حسين طنطاوي" بدلاً منه، وهو الرجل الذي رفض كل محاولات حل الإمبراطورية الإقتصادية للجيش بل علي العكس من ذلك فقد قام الجيش في العشر سنوات الأخيرة بالسيطرة علي العديد من الشركات الحكومية التي تم خصخصتها أو تعاون مع مالكيها الجدد.

بعض الشركات التي يمتكها الجيش على سبيل الأمثلة

2015-10-28-1446002609-9186963-2014jeepgrandcherokeedieselfrontgrille.jpg

الشركة العربية الأمريكية للسيارات والتي يديرها الجيش بالتعاون مع شركة "كرايسلر" الأمريكية لصناعة السيارات فهذه الشركة لا تنتج المعدات والمركبات العسكرية فحسب ولكن أيضاً سيارت الجيب شيروكي ورانجلر للإستخدام المدني.. الأمثلة عديدة لكن أغلب البيانات عن إمبراطورية الجيش العسكرية لا تزال سرية لكنها ليست سرية علي الإتحاد الفيدرالي العلمي الأمريكي والذي أفاد بأن مصنع 54 الحربي علي سبيل المثال والذي يتم التمويه عن إسمه بإستخدام إسم بديل هو "شركة المعادي للصناعات الهندسية" لم يعد ينتج بنادق قتالية أو مدافع رشاشة بل بات ينتج سكاكين مطبخ وشوك ومشارط ومقصات.

2015-10-28-1446002652-3842908-476213_284783244990447_450238405_o.jpg

مصنع آخر هو مصنع 63 الحربي أو حلوان للصناعات غير الحديدية لم يعد لديه أي طلبات شراء خراطيش أسلحة فإتجه المصنع إلي صناعة الكابلات وحنفيات بلاستيكية لري الحدائق وأكواب الشاي البلاستيكية.
أما مصنع رقم 100 أو "أبو زعبل" فلم يعد ينتج الديناميت وقذائف الدبابات فقط بل أصبح ينتج الأسمدة ومستحضرات التجميل بينما لم يكتف مصنع رقم 360 أو شركة حلوان للأجهزة المعدنية بصناعة أغطية الألغام بل بدأ في تصنيع الثلاجات والتكييفات.
الجنرال سيد مشعل وزير الدولة للإنتاج الحربي والرجل الثاني في الإمبراطورية الإقتصادية بعد وزير الدفاع صرّح أثناء عرضه لميزانية عام 2010 والخاصة بنشاط عدد من المصانع الحربية بأن الوزراة قامت بتوريد 40 قطار و 220 وحدة تنقية مياة و 50 وحدة معالجة صرف صحي وقال مفتخراً أنه تم تطوير صناعة الثلاجات وأن صناعة التلفزيونات قد تراجعت بسبب المنافسة القوية في السوق المحلي.

2015-10-28-1446002713-1729971-2014_2_5_9_8_26_92.jpg

عشرات الآلاف من المدنيين يعملون ضمن المنظمة الإقتصادية العسكرية وأن مؤسسة الجيش المصري التجارية تحصل علي إمتيازات لا ينافسها فيها أحد حيث يعمل في شركات الجيش الكثير من المجندين الإلزاميين الذين يخدمون في تلك الشركات لشهور دون مقابل ويقّدر الإقتصادي الشهير عدد أولئك المجندين بقرابة الـ 100 ألف مجند يمثلون قوي عاملة مجانية في إمبراطورية الجيش الإقتصادية كما يتمتع إقتصاد العسكر في مصر بميزات إحتكارية أخري من أبرزها الإعفاء من الضرائب والإعفاء من الحصول علي التراخيص والإعفاء من دفع الرسوم المستحقة والإعفاء من أي مسآلة قانونية علنية أو محاسبة مالية.

2015-10-28-1446002769-18130-1371242079_xx.jpg


صعوبة تحديد الحجم الحقيقي لاقتصاد الجيش تكمن في أنه لا يوجد بيانات حقيقية عما يخص المؤسسة العسكرية فليس فقط مصانع الأسمنت وشركات البناء والمصافي وشركات الحراسات الخاصة والتي تخضع شكليا لبعض اللواءات المتقاعدين وكبار الضباط, ولكن تمتد أذرع المؤسسة العسكرية داخل العديد من الوزارات المتداخلة مثل الاتصالات أو شركة مصر للطيران بالإضافة إلى أن رئيس مجلس إدارة قناة السويس والتي تبلغ أرباحها السنوية حوالي 5 مليارات دولار لابد أن يكون عسكرياً حوالي 21 من إجمالي 29 محافظا ً كانوا في الأساس عسكريين أومن الشرطة أو المخابرات.. وتشير المؤشرات إلى أن الجيش يسيطر على 45% من الإقتصاد الموجه في مصر.

الجيش تسبب في غني الكثيرين

بلا شك ساهمت إمبراطورية العسكر الإقتصادية في تحقيق إزدهار إجتماعي وإقتصادي لكثير من المواطنين المصريين الذين كانوا فقراء وأصبحوا فجأة من الأثرياء وهؤلاء كانوا على صلة قرابة ونسب بقيادات عسكرية, بل إن تلك الإمبراطورية حققت الرفاهية لرؤساء كعبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي والذين جاءوا جميعاً من عائلات متوسطة الحال ثم صاروا من الأغنياء.

الجيش يسعي لمنع المدنيين من الوصول للسلطة

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وتسلم الجيش للسلطة بات هناك أزمة إجبار يعاني منها الجيش, هي أن الرئيس المدني صار أمراً وجوبياً, فالشباب الثائر والجماعة المنظمة لن يتركوا فرصة الثورة تمر دون هذا المكسب الوجوبي.. الرئيس القادم لن يكون عسكرياً.. ولهذا كان دهاء قيادات المجلس العسكري أعلى من دهاء الجميع, إتفاق رجل لرجل مع الجماعة المنظمة بشكل هرمي لها قيادة أوامرها نافذة على الجميع أفضل من الإتفاق مع شباب ليست لهم قيادة موحدة وطبيعتهم العمرية غير مستقرة, ومع خلق عداءات بين الإثنين كي يستطيع الضغط على الجماعة في تنفيذ الإتفاقات, وبعد تسليم السلطة للجماعة على الورق فقط دون أية إمكانية لفرض السيطرة على أجهزة الدولة للتمكين من الحكم وتنفيذ خطة إدارة الدولة, ثم إشعال العداءات مرة أخرى بين الشباب الثوري والجماعة التي ترتكب الحماقات عبر تاريخها السياسي منذ نشأتها.. سيجعل الفشل سريع وحتمي, وسيخرج الناس مرة أخرى لتطالب الجيش بتسلم السلطة .. ياله من مكر ثعالب!


2015-10-28-1446003040-908392-157999.jpg

أزمة الجيش مع الأجيال القادمة

2015-10-28-1446003132-5128761-201563558684553013939613.jpg

بات واضحاً للجميع أن الجيش المصري سوف يواجه أزمة ولاء مع الخرسجين الجدد من شباب الجامعات في الفترة القادمة عندما سيتم إستدعائهم لقضاء فترة التجنيد الإجباري.. فالشباب الجامعي الذي بات على دراية كافية بطبيعة العلاقة التي كانت خفية بين الجيش والسلطة من جهة وبين الجيش والثروة من جهة أخرى, والتي كانت قديماً تناقش في دوائر صغيرة جداً بين المثقفين أو بين رجال السلطة والثروة, أصبحت على المشاع.
العداء الشديد الذي نشب بين هؤلاء الشباب وقيادات المجلس العسكري في الفترة ما بين 2011 و 2012 بسبب سعي المجلس العسكري المستمر لوئد الثورة ومحو أهدافها من جهة, وتهيئة الخريطة السياسية والمناخ السياسي لتنفيذ الإتفاق والصفقة العلنية بتسليم السلطة للإخوان المسلمين مقابل عدم التفتيش في ملفات الجيش الإقتصادية ومناقشتها بل والحفاظ على الإمبراطورية الإقتصادية العظمى.. سيجعل علاقة القيادات العسكرية بالمجندين الجدد ليست كسابقيها, وعلى قيادات الجيش أن تحاول إيجاد حلول مناسبة لإستعادة ولاء الشباب لقواته المسلحة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.