المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

هل يعلم السيسي ماذا حدث للقاهر والظافر؟

تم النشر: تم التحديث:

أثناء فترة حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وتحديداً في احتفالية 23 يوليو عام 1965 أعلن الزعيم الذي كان يثق به غالبية شعبه بل ومعظم الشعوب العربية أن القوات المسلحة المصرية نجحت في صناعة المعجزة التي ستغير وجهة العالم العسكرية.. إنهما "القاهر والظافر"، صاروخان الأول يصل مداه إلى 600 كيلومتر، والثاني يصل مداه إلى 350 كيلومتراً. ومن خلالهما تستطيع القوات المسلحة المصرية قصف الإسرائيليين بكل سهولة!

2015-10-14-1444797826-1890260-11169070_1599690190284475_4183449909293201372_n.jpg

بدأت الإذاعة المصرية وقتها تجري حلقات نقاش عبر برامجها حول الحديث عن المعجزة الجديدة التي صنعها المصريون لشهور عدة.. حتى وصل الأمر إلى مشاركة الصاروخين الكبيرين واللافتين للأنظار في العروض العسكرية في شوارع القاهرة.. وأيقن من شاهدوهما بأن زوال الإسرائيليين أصبح مسألة وقت ليس أكثر.. وكان الإعلان عن العملاقين دفعة قوية أشعلت الحماس داخل الشعب العربي الذي كان يعشق الزعيم الراحل.

يقول الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة أثناء حرب أكتوبر 1973 :
"بعد هزيمة سنة 1967 أخذ المصريون يتهامسون: أين الصاروخان؟ ولماذا لم يستخدمهما الرئيس عبدالناصر في ضرب تل أبيب كما وعدنا؟ ولم تكن هناك أية إجابات عن هذه التساؤلات إلا الصمت الرهيب من السلطات المختصة جميعها. وعندما استلمتُ مهام رئاسة أركان الجيش لم يتطوع أحد ليخبرني بشيء عن "القاهر" أو "الظافر" لكنني تذكرتهما فجأة وأخذت أتقصى أخبارهما الى أن عرفت القصة بأكملها, لن أقصّ كيف بدأت الحكاية, وكيف أنفقت ملايين الجنيهات على هذا المشروع وكيف ساهم الإعلام في تزوير الحقائق وخداع شعب مصر, إنني أترك ذلك كله للتاريخ, ولكنني سأتكلم فقط عن الحالة التي وجدت فيها هذا السلاح وكيف حاولت أن أستفيد من هذا المشروع الذي تكلف ثمناً غالياً".

"لقد وجدت أن المشروع قد شُطب نهائياً وتم توزيع الأفراد الذين يعملون فيه على وظائف الدولة المختلفة, أما "القاهر والظافر" فكانت هناك عدة نسخ منهما ترقد في المخازن, لقد كانت عيوبهما كثيرة وفوائدهما قليلة, لكنني قررت أن أستفيد منهما بقدر ما تسمح به خصائصهما, ولقد حضرت بنفسي بياناً عملياً لإطلاق القاهر ووجدت أن هذا السلاح أقرب ما يكون الى منجنيق العصور الوسطى, لقد كان كبير الحجم والوزن إذا تحرك فإن المركبة الحاملة له تسير بسرعة من 8:10 كيلومترات في الساعة، ولابد أن تكون الأرض صلبة وممهدة، وإذا أطلق فإنه يطلق بالتوجيه العام، حيث إنه ليست لدية أية وسيلة لتحديد الاتجاه سوى توجيه القاذف في اتجاه الهدف وأقصى مدى يمكن أن يصل اليه المقذوف هو ثمانية كيلومترات، وفي أثناء التجربة أطلقنا 4 قذائف على نفس الهدف بنفس الاتجاه ونفس الزاوية فكانت نسبة الخطأ 800 متر! وهذا يعني أننا إذا قمنا باستخدام هذا السلاح خلال الحرب فإن الرابح الوحيد هو العدو لأننا حينها سنقصف أنفسنا".
(من مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق)

كان الترويج الإعلامي والشعبي والرسمي لمشروع التفريعة الجديدة التي سُميت قناة السويس الجديدة، وتسويق وسائل الإعلام الرسمي لها باعتبارها قناة موازية للقناة الحالية، وسوف تنهض بالاقتصاد المصري بشكل سريع منذ أن تم الإعلان عن حفرها في 2014.

عام وشيء من العام مضى على حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي وكانت كل الإجابات المرسلة من الدولة عندما تسأل عن ما تم إنجازه في العام الماضي أو الرؤية المكونة لمستقبل مصر.. تجد الإجابة واحدة.. قناة السويس الجديدة.. لدرجة أن الشعب انتظر ما بعد افتتاح القناة بيومين لينعم الرخاء على مصر.. رغم أنه لم توجد أية تقارير أو مؤشرات تدل على تضاعف حركة التجارة بين أوروبا وآسيا وإفريقيا في الخمسة أعوام القادمة كي ننتظر عبور أضعاف السفن التي تمر من القناة.. لكن تلك هي الشماعة التي تعلق عليها الحكومة حالة غياب الرؤية لمستقبل مصر في سنوات حكم السيسي..

إنها فكرة "المشاريع الشعبية" التي تلهب حماس الجماهير والتي ابتدعها جمال عبدالناصر، وهي في الأصل مشاريع سياسية تتكلف عشرات المليارات يحتاج إليها الحكام غالباً لتوجيه الأبصار تجاهها كي لا يتم التركيز على أية إخفاقات أو عن عدم طرح رؤى للمستقبل, ودائماً تلك المشاريع ما يتم الإعلان عنها كمفاجأة للناس, دون أن يتم الإعلان عن أية دراسة حقيقية لهذه المشاريع.. ومن ثم يصبح التقييم لهذه المشاريع وفقاً للآراء الشخصية وليس تقييماً موضوعياً؛ لأنه لا توجد أرقام حقيقية يتم الإعلان عنها عن الجدوى الحقيقية من هذه المشاريع.

2015-10-14-1444798235-2863712-.jpg

السعة المرورية للقناة قبل حفر التفريعة الجديدة كانت 78 سفينة يوميًّا، ووصل عدد السفن التي مرت في عام 2014 إلى 46 سفينة يوميًّا في المتوسط، بينما وصل الحد الأقصى لمرور السفن يوميًّا في عام 2008 إلى 59 سفينة، وذلك قبل الأزمة المالية العالمية.. ولهذا لم تكن القناة بحاجة لإضافة ممرات ملاحية على الأقل في العشرة أعوام القادمة.. ومع هذا قضي الأمر وتم إلقاء الأموال في التراب.

انتظر الناس قرابة ثلاثة أشهر الماضية أية معلومات عن الخير الوفير الناتج عن المشروع المسوق لهم على أنه مشروع الإنقاذ الاقتصادي لمصر بعد أن أصبح الاقتصاد على شفا حفرة من الجفاف.. إلا أن الحكومة المصرية حجبت بيانات الإحصائيات الرسمية الخاصة بالمعدلات الشهرية لإيرادات وأعداد السفن المارة بقناة السويس للشهر الثالث على التوالي.. ورغم أن المعايير العالمية تقتضي الكشف عن بيانات القناة الشهرية؛ باعتبارها أهم ممر ملاحي حول العالم، إلا أن هيئة القناة لم تنشر على موقعها الرسمي بيانات يوليو وأغسطس وسبتمبر من العام الحالي، في سابقة هي الأولى من نوعها!

يقول سعد الدين الشاذلي في كتابه: "بالطبع كانت المخابرات الإسرائيلية تعلم حقيقة الصاروخين جيداً.. أما الوحيد الذي لم يكن يعلم فهو الشعب المصري وهو الوحيد أيضاً الذي دفع الثمن!".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.