المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

تزيين وجه الاستبداد

تم النشر: تم التحديث:

عندما ننظر للمشهد الحالي من أعلى عبر مرتفع عقلي تستطيع من خلاله أن تلتقط صورة بانورامية، سترى أمرين كلاهما كفيل وحده بإنهاء فكرة الديمقراطية المزعومة بل القضاء تماماً على فكرة الدولة الحديثة وهما:
الشعب يُحَقر من نفسه:
ظللنا عشرات الأعوام نعيش حالة من استحقار المسؤولين للشعب، وأنهم يعلمون ما لا يعلمه، ويفهمون ما لا يفهمه، ويفكرون أفضل مما يفكر، ويقدّرون ما لا يقدره, وكنا نتحمل هذه الفكرة الدنيئة للاحتقار والتعالي على الشعب قبل الثورة؛ لأن الشعب نفسه كان لا يبالي بما ترتكبه الدولة من خطايا في حقه, حيث كان مهتماً فقط بالسعي وراء لقمة عيشه التي كان يجدها بالكاد إن وجدت.. أما بعد الثورة وبعد أن أصبح المسؤولون في خلال ثمانية عشر يوماً نائمون تحت أقدام الشعب, والشعور العام بأن الشعب قد اعتلت قامته فوق جميع القامات وصوته أعلى من كل الأصوات وكرامته فوق هيبة الدولة.
عندما تجد الشعب فجأة ودون أي مقدمات يتقبل المؤامرة التي تحاك له من النظام ورئيسه بعد أن نسّق مع الإعلاميين ونخبة النظام والأمن العفنة بأن هذا الدستور الذي لم يحترمه أحد ولم يُطبق من الأساس بعد قرابة العامين من إصداره؛ هو دستور سيئ وبه مواد سوف تسقط بها الدولة إلى الهاوية.. هذا الدستور الذي كانت نفس النُخبة العفنة وإعلاميي الأمن يروجون له قبل وبعد التصويت على أنه الدستور الذي سينقذ البلاد من الضياع.. والمريب في الأمر أن المواد التي يتحدثون عنها هي المواد التي تجعل الشعب من خلال ممثليه ومن ينوبون عنه في مجلسهم - مجلس الشعب - والذين يختارهم الشعب بإرادته الكاملة، شركاء في الحكم وفي القرارات وفي اختيار الحكومة والطريقة التي تدار بها البلاد.
ومع هذا فالشعب يُحقر من نفسه ومن نوابه ويتبرع بالموافقة على الأخذ من صلاحياتهم وإهدائها للنظام ورئيسه كي ينفرد بالحكم وحده، ويصبح نوابه مجرد كومبارس في الحكم.. بل وصل الأمر إلى أن المرشحين ليكونوا نواب الشعب في مجلسه, يعلنون في حملاتهم الانتخابية أنهم سيطالبون بسحب الصلاحيات منهم وإعطائها لرئيس الجمهورية؛ كي يفوزوا بثقة الناخبين ويضمنوا أصواتهم في الانتخابات!
ما هذا الرخص الذي وصل إليه الشعب الذي يبادر بعرض نفسه للبيع لهذا النظام؟!
وجب الآن أن نواجه الشعب بحقيقته المجردة.. وهي أنه لم يكن يوماً فاعلاً في المجتمع بل كان ومازال دائماً رد فعل.. فعندما قام قلة من الشباب التحضر المثقف بالثورة كان الشعب وقتها ساكناً والتحق بهم بعد ثلاثة أيام كرد فعل بعد أن ظل ثلاثين عاماً ساكناً، وإذا كانوا تركوه كان سيظل مع ابن مبارك ثلاثين عاماً أخرى.
وعندما أطلق بعض الشباب حملة تمرد لسحب الثقة من الإخوان المسلمين في 30 يونيو كان الشعب رد فعل.. الشعب الذي جاء بالإخوان واختارهم عبر الانتخابات, رغم أنه يلقي بالتهم على الثورة بأنها هي من جاءت بالإخوان المسلمين والثورة من الإخوان ومن تدليس الشعب لها براء.
على الشعب أن يعي جيداً كي يعرف قيمته الحقيقية بأن مقولة: "الشعب هو القائد والمعلم" مقولة كاذبه قالها المرحوم كي "ينصب" بها على الشعب ويجعله "شخشيخة" في يده يفعل به وبالوطن ما يشاء.. وهو ما حدث وما يحاول أن يفعله النظام الآن.. والشعب أصبح بحق شخشيخة في يد الرئيس ومن حوله.

الإعلاميون والنخبة النظامية والأمنية ومُدعية الوطنية تزين وجه الاستبداد

على مدار ثلاثة أعوام كاملة تربع على عرش المشهد الإعلامي ثلاثة أنواع من البشر: نخبة نظامية - إعلام أمني - مدعو الوطنية.. هؤلاء جميعهم يؤمنون بأن الوطن هو النظام.. الوطن هو الدولة.. ومن ثم تواجدهم عبر الشاشات والصحف القومية يصب في شلال ترسيخ النظام لجذوره مهما كان يرتكب من خطايا.. النظام يريد وهم يهيؤون له ما يريده مع شعب عنده القابلية لصنع نصف الإله.
بالعودة إلى البدايات ستجد أن هذه النخبة بعد الثلاثين من يونيو كانت تأمن على ما يخرج لها من تعليمات بأن القوات المسلحة لن يكون لها مرشح رئاسي في الانتخابات, وخرجت النُخب لتؤكد للناس أن الجيش نزل لإرادة الشعب فقط دون أي أطماع في إدارة البلاد.
ثم بعدها بثلاثة أشهر خرجوا هم والإعلاميون ومدعو الوطنية من خلفهم يهيؤون الناس أن البلاد لا يصلح لها الآن سوى رئيس من المؤسسة العسكرية سواء كان عسكرياً سابقاً أو حالياً.. وبعدها بشهر واحد خرجت تسريبات الفريق أول آنذاك "عبدالفتاح السيسي" مع الصحفي "ياسر رزق" ليطلب من النخب والإعلاميين صراحةً تشكيل حملة يطالبونه من خلالها بالترشح للرئاسة.. وقتها خرجت النخب والإعلاميين على مدار شهر ونصف الشهر يطالبون الناس بالنزول في 25 يناير 2014 في مليونيات, يطالبون فيها الفريق أول بأن يُكمل جميله وينزل لرغبات الناس بترشحه للمنصب الرفيع.. وهو ما حدث بالفعل.
بالعودة لأغسطس قبل الماضي.. عندما أعلن الرئيس فجأة ودون أية مشاورات مشروعاً سمّاه مشروعاً قومياً، ويسميه العارفون ببواطن الأمور فنياً وأكاديمياً وتسويقياً بأنه مشروع سياسي ليس أكثر.. مشروع حفر تفريعة جديدة لقناة السويس, التي طلب الرئيس من خلاله جمع شهادات بعشرات المليارات وبفوائد مرتفعة كي يتثنى له إتمام العمل دون المساس بالموازنة العامة للدولة التي وصل عجزها لأكثر من ثلث رقمها..
إلا أن جميع المتخصصين قالوا إن حفر التفريعة لا جدوى اقتصادية منه، خاصة أن القناة تعمل بـ60% من قوتها التشغيلية, وإن جميع التقارير والإحصاءات تشير إلى أن حجم التجارة الدولية بين أوروبا وجنوب وشرق آسيا ستقل معدلاتها في العشرة أعوام المقبلة.. إلا أن هؤلاء الشرذمة من النخب العفنة والإعلاميين الأمنيين أوهموا الشعب بأنها قناة جديدة موازية للقديمة، وأن مليارات المليارات ستنهال علينا من حيث لا ندري.. وها نحن الآن.. لا مليارات حتى ولا مليمات.
ثم تأتي هذه الوجوه مرة أخرى تحذر من ضرورة تعديل الدستور.. وبات واضحاً - وهو ما أعلمه تماماً - أن النظام طلب من الإعلاميين تبني هذه الفكرة واستضافة نخبة النظام للترويج لها, حتى خرج "عبدالفتاح السيسي" بنفسه يقول إن "هذا الدستور طموح وصيغ من أُناس أحسنوا فيه النوايا, والدول لا تدار بحسن النوايا"، ومن ثم تضاعف الشحن والتوجيه الإعلامي تجاه وجوب تعديل هذا الدستور الذي يجعل أناساً من هذا الشعب يشاركون الرئيس العظيم في اتخاذ القرارات.. يا له من أمر مريب!
ما يفعله هؤلاء الآن فعله كثيرون عبر التاريخ, وهو ما يسمّى بتزيين وجه الاستبداد.. كيف يصبح الحاكم مستبداً بإرادة شعبه, لعبة قديمة فعلها من قبل محترفون، لكن هؤلاء مجرد هواةٍ يفضحون الرئيس المستبد بدلاً من ستره.
لقد أصبحنا بحق شعباً غالبيته العظمى يحتقر من شأنها في سبيل رفعة أقلية، بل أفراد معدودين ظناً منا أنه هكذا تُحمى الأوطان.. ولكن هيهات.. فما نفعله الآن هو الطريق الأمثل لضياع ما تبقى من أنقاض وطن كان يأمل شبابه أن يستعيد بناءه مرة أخرى على الطريقة المدنية الحديثة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.