المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

لماذا عاد البرادعي في العيد مرتين ؟

تم النشر: تم التحديث:

بعد دقائق طويلة واقفين على الأقدام إنتظاراً لخلو طاولة ممن عليها في مقهى فاخر مزدحم بالناس على أطراف المدينة جاءت لحظة البهجة عندما خلت طاولة من جالسيها.. مع ثلاثة من أصدقائي المنتمين قلباً وقالباً لـ 30 يونيو والكارهين لـ 25 يناير جلست.. وبدأنا نتحدث في أمور عدة حتى حضر البرادعي للحديث عنه، وهنا تأتي الحظة التي أتحسس كلماتي وأستدعي كل أيات الدفاع عنه تحسباً لشطط أحدهم في تناول سيرة الرجل بسوء له باع من إستدعاء كلمات الخيانة والعمالة والهروب وعدم التقدير للمسؤولية.

بدأ الحديث 30 يونيو والدور المهم الذي قام به في ذلك اليوم ثم ما فعله بعد أحداث الحرس الجمهوري حيث كان قد أخذ على عاتقه الإفراج عن الشباب الذين تم إلقاء القبض عليهم في هذا اليوم ونجح في هذا الذي كان جزءاً من تلطيف الأجواء بين المعتصمين في رابعة وبين الإدارة المصرية كبادرة لتنفيذ المصالحة الكبرى بين الدولة والتنظيم الذي فقد النظام في عام.. ثم رويداً رويدا ذهب الحديث إلى ما كان يفعله في الفترة من ٩ يوليو إلى 14 أغسطس 2013 حيث كان نائباً لرئيس الجمهورية، وكيف بذل كل الجهد لإتمام إتفاقات التصالح بين الدولة والجماعة والتي كانت على وشك التنفيذ.

البرادعي الذي كان وجوده داخل قصر الرئاسة هو ما جعل الجميع يظن أن التوجهات العامة والميول الشخصية لرجال نظام ما بعد "30 يونيو" أنهم ينتوون أن يبيدوا كل خطايا الأنظمة العفنة السابقة من دون إقصاء أو إنتقام سواء من النظام الإخواني السابق أو النظام المباركي الأسبق.. مستعينا بالكفاءات والعقلاء في هذا البلد حتى "وإن كانوا خصوماً سياسيين لهم بشكل حضاري" وفي تثبيت مباديء وقوانين وممارسات حكم يقوم على أسس ديمقراطية تكون العدالة الإنتقالية والمصالحة الوطنية هي الأساس التي يضمن بناء دولة قوية متماسكة يستحيل هدمها ببساطة.. فيرى كما يرى شباب الثورة..

أن العواطف والمشاعر بعد 30 يونيو في مصر كانت مختلطة، فهناك الكثير من التعاطف مع الرئيس المعزول "محمد مرسي" وأيضا المزيد من الغضب، ولكن نحاول تعلم قبول وجهات النظر المختلفة، وهذا هو السبيل لتحقيق الاستقرار، وما يجب علينا الآن التأكيد علي وقف العنف ونبذه من جميع الأطراف .. وأن ضرورة الحوار مع جماعة الإخوان المسلمين ومحاولة إقناعهم بأن "محمد مرسي" فشل في إدارة البلاد لا يعني أننا سنقصي جماعة الإخوان من المشهد السياسي، ولكن ينبغي الاستمرار لتكون جزءا من العملية الديمقراطية وأن تشارك في صياغة الدستور وكذلك الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

هكذا قلت ولكنهم مازالوا يكابرون.. ثم استطردت بأن ما كتب في استقالة نائب رئيس الجمهورية كان واضحاً ومفهوماً لمن يريد أن يفهم ويعلم.. حيث كتب فيها:

(كنت أري أن هناك بدائل سلمية لفض هذا الاشتباك المجتمعي وكانت هناك حلول مطروحة ومقبولة لبدايات تقودنا إلي التوافق الوطني، ولكن الأمور سارت إلي ما سارت إليه. ومن واقع التجارب المماثلة فإن المصالحة ستأتي في النهاية ولكن بعد تكبدنا ثمنا غاليا كان من الممكن - في رأيي - تجنبه)

وهذا يعني أنه كان قد توصل إلى اتفاق المصالحة التي كان مفترض تنفيذها بين الدولة "حكومة وجيش" وبين قيادات جماعة الإخوان المسلمين ومؤيدي "محمد مرسي" من قبل تيرات الإسلام السياسي وبعض من المصريين البسطاء الذين يؤمنون بعودة الشرعية للرئيس المعزول وقرروا الإعتصام في ميدان "رابعة العدوية" من أجل الدفاع عن ما يؤمنون به، حتى وإن كان هذا يتعارض مع إرادة الأغلبية من الشعب المصري، على أن تتولى هذه القيادات فض إعتصامهم بأنفسهم أو تتم عملية الفض بطريقة سلمية من قبل الشرطة مقابل الإفراج عن بعض من قيادات مكتب الإرشاد وعدم ملاحقة أحد ممن هم في الإعتصام قضائياً وأن لا يتم حل الجماعة ولا الحزب وبعض من الأمور الإجرائية .. حفاظاً على أرواح البسطاء وإنقاذ مصر من بحيرة الدم التي كانت متوقعة .. إلا أن شيئاً ما تم الإتفاق عليه في الخفاء بين وزير الدفاع ووزير الداخلية في تنفيذ حولها إلى واقع مرير ومرعب عاشته مصر وكأنما لم تعيشه من قبل ولن تتعافى مصر من تلك المصيبة بسهولة.

لكن الرجل علم بأنه قد خُدع من زملائه في السلطة ونفذوا هذا المخطط الذي لا يتسم مع مبادئه التي عاش وسوف يعيش في سبيلها .. فما كان منه سوى الإستقالة فهو لا يستطيع تحمل في رقبته أمام الله وأمام ضميره كل هذه الدماء التي سالت والتي لن يستفيد منها سوى أصحاب الفكر المتطرف من دعاة العنف والإرهاب .. وبعد فترة لن تكون أبداً بالقصيرة سيخضع الجميع للمصالحة لا محالة.. ولو أن أحدا سواه في هذا الموقف لكان سيستفيد به في الدنيا ويسبح مع التيار الغالب الذي كان يريد سحق هؤلاء جميعاً .. ورفع على الأعناق.

نفذت طاقتي في الجدال ونفذوا هم معها من وجود رد مقنع على إجاباتي الواضحة والصحيحة .. وبعد أن أنهينا الحديث الذي أنهكني قولاً وسمعاً وجدت تقرير هبط علي كالبَرَد وأنا أجفف العرق !

تقرير لجنة "تشيلكوت" الذي خرج بعد ثلاثة عشر عاماً على حرب العراق والذي أوضح بأن "توني بلير" رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، كان كاذبًا بخصوص وجود أسلحة دمار شامل بالعراق.. حيث تناول التقرير سلسلة من المحادثات الخاصة بين توني بلير، وجورج بوش، الرئيس الأمريكي الأسبق، تبيَّن تخطيط الطرفين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ لإجراء تدخل عسكري في العراق، بزعم امتلاكها أسلحة دمار شامل، ما يمثل تهديدًا على السلم والأمن الدوليين.

لتقرير يؤكد «براءة» الدكتور محمد البرادعي، والذي كان يشغل منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حينها، من الاتهامات والشائعات التي لاحقته على مر السنوات السابقة، بأنه كان البوابة والأداة القانونية التي تسببت في الغزو الأمريكي للعراق، لتهيئة الرأي العام العالمي بقبول الغزو وإضعاف بغداد.. رغم أن البرادعي قدَّم تقريره منذ 13 عامًا لمجلس الأمن حول نتائج التفتيش عن أسلحة دمار شامل في العراق، وبالتحديد في الـ27 من يناير 2003، أكد خلاله خلو العراق من أي أنشطة نووية حالية، وصعوبة امتلاكها أنشطة مستقبلية، وهو ما أظهره تقرير "تشيلكوت" الصادر في يوم العيد ليخلي البرادعي من المسئولية عن دماء آلاف العراقيين، الذين راحوا ضحية تلك الحرب وما تلاها من أحداث طائفية.

بهذا حضر البرادعي إلي في العيد مرتين وإلى العالم كله مرة .. ورغم أن العالم أجمع على يقين منذ سنين بأن البرادعي بريء من دم أي إمرئ عراقي حتى العراقيون أنفسهم بجميع طوائفهم سنيين وشيعيين كرديين وتركمانيين لم يتهم أحدهم البرادعي بأنه سبب غزو العراق؛ إلى أنه في مصر تجد مصريون ينعقون بما يسمعون ولا يفهمون باتهام الرجل بالباطل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.