المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

السيسي بين الديكتاتورية والشمولية

تم النشر: تم التحديث:

الأسئلة التي يجب طرحها عندما نتأمل ظاهرة المستبد يجب أن تكون كالآتي: هل المستبد هو من يدفع بمؤيديه لتأليهه؟.. وهل يريد المستبد أن يكون مؤلهاً بالضرورة؟.. هل هو من يطلب من مواليه هذا المستوى الجنوني من الطاعة العمياء؟ ولماذا؟.. هل يدرك المستبد أنه ظالم؟" المفكر (عزام أمين).

نعم.. فهذه الأسئلة التي تتصل بجوهر ظاهرة الاستبداد تكون الإجابة عنها عندما نتأمل في التركيبة والبنية النفسية لشخصية المستبد التي تكون نتاج أحد النوعين أو كليهما:

الاستبداد الشمولي والاستبداد الديكتاتوري!

يصح القول إن لكل مستبد عبر التاريخ شخصية مميزة وبصمة متفردة في الطريقة التي يتعامل بها... ولكن هناك مجموعة من الطبائع والسمات مشتركة عند جميع المستبدين مهما اختلفوا في الزمان والمكان، وقبل الدخول في صلب الموضوع علينا أولاً التمييز بين أنظمة (الاستبداد الشمولية) وأنظمة (الاستبداد الديكتاتورية)، فكل نظام شمولي هو حتماً ديكتاتوري، ولكن ليس كل نظام ديكتاتوري هو بالضرورة شمولي.

في الأنظمة الديكتاتورية (نظام حسني مبارك، ديكتاتوريات أميركا اللاتينية...) يوجد نوع ما، هامش نسبي من الحرية النقابية والسياسية والاجتماعية (تعددية محدودة). في النظام الديكتاتوري لا يتغلغل الاستبداد في كل مفاصل الحياة وأدقّها بلا استثناء، كما في النظام الشمولي الذي لا يترك مؤسسة من مؤسسات المجتمع، سواء كانت مدنية او عسكرية، خارج هيمنته المطلقة (تعددية معدومة) موظفاً بذلك قدرات هذه المؤسسات، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية، بشكل خاص لما يخدم رأس النظام (الرئيس أو الملك) الذي ينتقل من مرحلة "الديكتاتور" إلى مرحلة "الطاغية" و التي يمكننا اعتبارها أعلى مراحل الاستبداد.

السمات النفسية العامة للمستبد

1- البارانويا (ميغالومانيا)

بشكل عام كل طاغية مصاب حتماً بمرض العظمة (ميغالومانيا)، فهو يختزل كل شيء في شخصيته ويرى العالم من خلالها فقط، هو المركز وكل ما يدور حوله ينطلق من وجوده (الأسد، القذافي، صدام حسين، بوكاسا، هتلر، ستالين، موسيليني...).

جنون العظمة هذا (الميغالومانيا) يكون جزءاً من شخصيته "البارانوية" أو عرضاً من أعراضها، والبارانويا هي أحد أشكال ما يُسمى باللغة العربية "الذهان النفسي"، وفي بعض الأحيان عقدة الاضطهاد والتآمر، من أعراضها الهذيان الثابت والمنتظم، ولكن المصاب قد يبدو ظاهرياً سليماً من حيث القدرة العقلية والاستدلال، غير أنه يبني استدلالاته على أوهام وحوادث غير واقعية.

بشكل عام يعيش المستبد في عالمه الخاص متقوقعا على مجده الذاتي منفصلاً تماماً عن الواقع..

فمثلاً في تصريح لـ"نيكولاي تشاوشيسكو" على سؤال لأحد الصحفيين عما إذا كانت المظاهرات التي عمت مدن "رومانيا" ستؤدي للتغيير؟ وهل يخشى أن تتطور الأمور للأسوأ؟ قال: لا يوجد شيء مما تقولونه، واستطرد بعنجهية مستهزئاً: "لن يحدث تغيير في رومانيا إلا إذا تحولت أشجار البلوط إلى تين"، بعد أربعة أيام فقط من هذا التصريح تم القبض عليه هارباً مع زوجته، وتم إعدامهما رمياً بالرصاص.

تختلف درجة الإصابة بمرض جنون العظمة من طاغية لآخر، بعضهم يكون على الحد الفاصل بين الحالة المرضية والحالة الطبيعية، وبعضهم الآخر تشتد عنده الإصابة "صدام حسين، معمر القذافي، بوكاسا"...

فمثلا موت ربع أطفال جمهورية "أفريقيا الوسطى" في عام 1976 من سوء التغذية والمرض والفقر لم يمنع حاكمها العسكري "جان بيدل بوكاسا" من إنفاق ثلث ميزانية الدولة بيوم واحد للاحتفال بتنصيبه إمبراطورا عليها في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

الشخص البارانويي يكون بشكل عام طموحا وهو يُسخِر كل شيء في سبيل الوصول إلى غايته، يعتقد أن الجميع يريد النيل منه عبر حياكة مؤامرات خفية ضده، لديه شعور دائم بالتهديد من قبل أعداء، وإن لم يكونوا موجودين في الواقع يقوم بإيجادهم في مخيلته؛ لذلك يكون حذرا جداً، غير متسامح أبداً، قلقاً حساساً، وسريع الاتهام للآخرين بالكذب وبالتآمر عليه، وخصوصاً لمن يخالفه الرأي.

2- الرأي والرأي القاتل

طبائع المستبد لا يمكن أن تتسع لأي خلاف من أي نوع كان، فهو لا يستمع لغيره ويعتقد أنه دائماً على حق وصواب، أي اختلاف معه بالرأي هو جزء من المؤامرة عليه، هذا الخلاف حتى لو كان بسيطاً جداً يُشكل خطراً على سلطته وعلى وجوده؛ لذلك يستوجب التخلص من مصدره وبدون أي تردد، فغالباً ما يكون المستبد "سايكوباتي" يميل إلى السادية، وخصوصاً في لحظات الغضب والانفعال؛ حيث يسقط قناع العقل والتهذيب الذي عادة ما يحاول الشخص السايكوباتي إظهار نفسه بهما.

وهكذا كانت تكفي كلمة واحدة مخالفة لرأي (صدام حسين أو معمر القذافي) كي تودي بصاحبها إلى العزل السياسي وربما التصفية الجسدية، حتى لو كان من أقرب المقربين ومن أكثر الموالين المخلصين، فالمستبد لا يعرف الرحمة والشفقة، وانتقال الشخص من حيّز الصداقة معه إلى حيّز العدو الخطير يتم لأتفه الأسباب، وربما تكون وهمية، وهكذا قام "ستالين وهتلر وموسيليني وحافظ الأسد" وغيرهم من الطغاة بتصفية كل من يمكن أن يختلف معهم أو يهدد سلطتهم.

المستبد متكبر ومغرور ينفرد برأيه ويستقل به، ويعتقد أنه المصدر الوحيد للرأي الصحيح والفكر الصحيح، وقراراته دائماً حكيمة، ويعتقد أيضاً أنه مهم جداً على الصعيد العالمي، وأن قراراته تشكل حجر الزاوية في السياسة العالمية، وكما هو عرضة لمؤامرة داخلية من أعدائه "في" الوطن، هو أيضاً عرضة لمؤامرة خارجية من أعداء الوطن الذي يمثله و لا يوجد غيره قادر على تمثيله.. أي اختلاف معه بالرأي أو نقد له يُعتبر اعتراضاً على سلطته، وتمرداً عليه ويستفزه؛ لأنه يضع صورة العظمة التي يرسمها لنفسه موضع الشك.

3- القدسية

يذكر عبد الرحمن الكواكبي في (طبائع الاستبداد) أنه: "ما من مستبد إلا ويتخذ صفة قدسية يشارك بها الله".

فالمستبد يعتقد أنه على تواصل مع قوى عُليا يستمد منها قدرات خارقة لحماية أتباعه، فإرادته هي إرادة الشعب المنبثق عنه وممثل له، ومهمته الأولى هي إنقاذ هذا الشعب من المخاطر التي تحيق به. إنه ملهم الشعب ومصدر الأمان بالنسبة له.. هذه القدرات الخارقة (قوة، شجاعة وإقدام، حزم، وعي وذكاء غير طبيعي، حنكة وحكمة سياسية...) تجعل منه شخصية تاريخية على مستوى العالم.

في الواقع كل مستبد يعاني من ضغوط نفسية كبيرة كونه المركز الوحيد والمطلق للسلطة في البلاد، تؤدي هذه الضغوط إلى اضطرابات في بنيته الشخصية غالبا ما يستطيع ضبطها والسيطرة عليها في الأوقات الطبيعية، ولكنها تظهر إلى العلن بشكل مفضوح في لحظات الانفعال والتهيّج العاطفي: إنجاز علمي أو تجاري ما، نصر عسكري، خوف وانكسار، تمرد عليه... في مثل هذه اللحظات يُكثر المستبد من الوعود بالإصلاحات.. ولكن علاقة المستبد مع الإصلاح كعلاقة المجرم مع القضاء الذي برأه، فأي تعديل حقيقي على هذا القضاء سيؤدي إلى محاكمته من جديد.

4- الشخصية المميزة

المستبد يُقدم نفسه كشخصية مطلقة تجتمع فيها المتناقضات، فهو قوي جبار شجاع يضرب بيد من حديد بدون أي شفقة، وفي نفس الوقت لا يتردد عن ارتداء معطف الأب الحنون المحب العطوف الحكيم الذي لا يتوانى عن تقديم العطاءات والمكرمات لأتباعه، يمكننا أن نرى تعبيراً صارخاً لهذا التناقض في الألقاب التي اختارها الطغاة لأنفسهم أو دفعوا من حولهم لاختيارها لهم.

فبالرغم من قسوة "جوزيف ستالين" ومسؤوليته المباشرة عن قتل ملايين الناس اختار لنفسه لقب "أبو الفقراء" أو "الأب الصغير للشعوب".. أما لقب "كاسترو" هو القائد الأكبر "ليدر ماسيمو"، ومن جهته "معمر القذافي" هو "ملك ملوك أفريقيا" و"الأخ القائد"، وحافظ الأسد هو "الأب المناضل".. و"حسني مبارك" والد المصريين.

المستبد معصوم من الخطأ فإذا حدث خلل ما وانتشرت الجريمة والفساد والرشوة فهذه مسؤولية الآخرين الذين لم يطبقوا جيداً نصائحه وتوجيهاته، وهذا ما تلخصه مقولة أنصار "حسني مبارك" بأنه "هو كويس بس اللي حواليه فاسدين"، أو مقولة "بشار الأسد" حين وصف الشعب "بقلة التربية" فلقد اختاره القدر لأنه شخص مميز ليس كالآخرين.. لا يوجد أي شخص آخر يمكنه امتلاك مقدراته فهو أو الهلاك "فإما هو أو الفوضى"، هذا المكان لا يمكن أن يُصبح شاغرا إلا بموته، وعلى الأغلب سينتقل إلى أحد أبنائه، فالشخصية المميزة الفريدة المباركة يتم توريثها لا اكتسابها.

المستبد يشعر دائما بنشوة سلطته ويتحسسها من وقت لآخر من خلال خطاباته الاستعراضية (هتلر، جمال عبد الناصر...) أو من خلال مظاهر التزلف التي يُجبر الشعب بشكل مباشر أو غير مباشر على القيام بها (مسيرات مؤيدة، احتفالات، شعر مديح، أغانٍ تمجّد قوته...)، ولكنه في نفس الوقت يتمتع بنزعة تدميرية مكبوتة في اللاشعور لديه ولا تنتقل هذه النزعة إلى الحيّز الشعوري من شخصيته إلاّ حين يشعر بتهديد سلطته...

فيكون مبدؤه على غرار ما فعله شمشون "عليّ وعلى أعدائي" (حرق روما من قِبل نيرون، ما قيل عن أوامر هتلر بتدمير ألمانيا قبل موته، إحراق آبار النفط بأوامر شخصية من صدام، تدمير المدن بالصواريخ والطيران في سوريا...)، فالمستبد يضع نفسه في صورة كائن لا حدود لإمكانياته ولا لإرادته، ولا يسمح لأحد بأن يقف في طريق ممارسته سلطته المطلقة (أحمد إبراهيم الفقيه، 2011) وهو يُفضل الموت على ترك كرسي الحكم (تشاوشيسكو، هتلر، بول بوت، صدام حسين، القذافي...) ليس لأنه شجاع كما يحاول أن يصفه ما تبقى من أتباعه بعد رحيله؛ وإنما لأنه لا يتصور وجوده وحياته ووجود غيره دون كرسي السلطة.

الوسائل الرمزية أو غير المباشرة للاستبداد

الوسائل المباشرة للاستبداد في الأنظمة الشمولية هي الجيش، وغالباً ما تتم السيطرة عليه بشكل مباشر من قِبل المستبد وعائلته وهو مُسخر لخدمته وخدمة هذه العائلة (كوبا، كوريا الشمالية، العراق، ليبيا، سوريا، مصر...) وهناك أيضاً المنظومة البوليسية (قوى الأمن) التي تعمل ليلاً ونهاراً على مراقبة المواطنين وزرع الخوف والرعب في قلوبهم، ففي نظام الاستبداد الشمولي كل مواطن هو عرضة للاتهام بالخيانة والتآمر على الوطن وإضعاف الشعور الوطني والقومي.

أما الوسائل الرمزية وغير المباشرة للاستبداد فهي:

1- العقيدة

يذكر ميشيل كورناتون في كتابه (التواصل الاجتماعي) - 1998 أن كل نظام شمولي يستمد شرعيته من عقيدة (قومية، أممية، دينية...) وهي وسيلة للسيطرة على جميع الفئات العمرية في المجتمع، فيختار منها لنفسه مجموعة تسمى ( طلائع البعث، شباب الثورة، شباب الهتلرية، شباب الشيوعية..) وتُعتبر هذه العقيدة المصدر الشرعي للسلطة، ولكن غالبا ما يتم تفريغها من محتواها واختزالها بشخصية الطاغية، فهو الوحيد القادر على فهمها بشكل صحيح وتطبيقها وحمايتها من الانحراف وتصحيح مسارها في حالة ابتعادها عن أهدافها (حركة التصحيح).

حالة الفصام النفسي والبارانويا التي يعيشها المستبد تنعكس على العقيدة نفسها، فنجد الفرق الشاسع بين الأفكار التي تنادي بها هذه العقيدة وسلوك من يتحدث باسمها.

وهكذا تحولت ديكتاتورية البروليتاريا في الدول الشيوعية إلى ديكتاتورية طبقة حاكمة مستفيدة اغتنت على حساب الفقراء التي أتت من أجل حمايتهم، حسب مزاعمها، ولم يمنع البعث العربي الاشتراكي الذي ينادي بالحرية والاشتراكية وحماية الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين عائلة وأقرباء الأسد وصدام حسين من نهب هذه الشعب وسحقه تحت سطوة الفقر والحرمان، بينما هم يعيشون في قصور فخمة.. وهو ما حدث أيضاً لضباط قيادة الثورة وأقربائهم، فيما عدا شخص "جمال عبد الناصر".

في الأنظمة الشمولية يسعى المستبد دوما عبر وسائل إعلامه لأن يكون رمزاً للعقيدة من جهة وللوطن من جهة اخرى، فلا يمكن الفصل بين الوطن والقائد والعقيدة، وأي هجوم على شخص القائد هو انتقاص من قيمة الوطن ومحاولة النيل منه، فكلما ذُكر الوطن ذُكر القائد، وكلما ذُكر القائد ذُكر الوطن، وهكذا على مدى سنوات حتى يصبح هناك خلط واضح بيت الاثنين في أذهان مؤيديه، فأي ثورة أو تمرد على النظام الشمولي وعلى القائد هي خيانة للوطن!

يبقى السؤال المطروح هنا هو: "هل كل عقيدة تؤدي حتماً لنظام شمولي؟"

2- الصورة

للصورة الشخصية "البورتريه" مكانة مركزية خاصة في حياة المستبد وحكمه، فهي تنتشر في كل مكان وزاوية من الوطن، ولها وظيفتان:

وظيفة رمزية: فوجود صورة المستبد يُعبر عن قبول الطاعة والولاء له؛ لذلك يجب أن تكون موجودة في جميع الأماكن العامة والخاصة: الحارات والمؤسسات ومداخل المدن والقرى والأسواق والحدائق والشركات العامة والخاصة والجامعات والمدارس والمستشفيات والمساجد والأماكن الأثرية والوزارات... ولا مانع من المبالغة في ذلك، ففي الأنظمة الشمولية نرى صورة القائد البطل المغوار منقذ الأمة معلقة في أكبر الشوارع كما في أصغرها وفي البيوت وعلى السيارات الحكومية والخاصة وعلى الكتب المدرسية.. يجب أن يكون للطاغية حضور دائم، فأنى وليت وجهك تجد أمامك نصباً كبيراً له أو جدارية عالية لرمز يرتبط به أو صوراً وملصقات تغطي الجدران يظهر فيها بمناسبة وبدون مناسبة.

يذكر الدكتور أحمد ناصر سنة في كتابه "سيكولوجيا الطغاة و المستبدين" أن المصور الشخصي لهتلر "إينريش هوفمان" التقط له حوالي 2.5 مليون صورة!

وظيفة نفسية: فالمستبد يعشق ذاته، ونرجسيته هذه تصل حد الهوس، فكلما كانت الصورة كبيرة وضخمة شعر بوجوده وقوته وبالرضا الذاتي عن الأنا المتضخمة، هذه الأنا المتضخمة حد التوّرم تنعكس على تماثيله التي تتوسط تقريبا جميع المدن والبلدات، فالمستبد يسعى لتخليد شخصه من خلال الانتشار الهائل لصوره وتماثيله وهي تمنحه الثقة بالنفس والشعور بالعظمة؛ لذلك لا يتردد بأمر أتباعه بأن يقوموا بتنظيم مهرجانات أو نشاطات خاصة للاحتفال بالصورة، ففي الصين الشعبية كانت تنظم سنويا مسابقات لرسم صور "ماوتسي تونغ"، أما في العراق فكان هناك معرض سنوي لصور "صدام حسين" يُنظم في بغداد ويستمر لمدة أسبوع ويقوم صدام نفسه بافتتاحه!!

تختلف صورة الطاغية من فترة لأخرى بحسب المراد منها، فتارة يكون الطاغية رجل علم مثقفاً حاملا معه كتابا، وتارة يكون رجلاً محارباً حاملاً سلاحاً أو لابساً الكاكي، ولا بد أن يكون هناك صورة؛ حيث يظهر فيها باللباس الفلكلوري، فهو رجل قادم من أغوار التراث الشعبي (صور صدام حسين وحافظ الأسد باللباس العربي، وأنور السادات بالجلباب الفلاحي، وحسني مبارك بالبدلة الصيفي...)، ليقول للناس إنه رجل ينتمي لأعمق الطبقات الشعبية وأكثرها تعبيراً عن الاصالة والانتماء والالتصاق بالأرض.

هذه النرجسية المتضخمة يختبئ خلفها إحساس بالضآلة والخوف، يحاول المستبد دائماً كبتهما وكلما اشتد ضغط المكبوت يأمر أعوانه بتنظيم الفعاليات التي تمجده.

يقول "فرويد" في كتابه "قلق في الحضارة" بأنه كلما زاد الخوف عند المستبد من فنائه ازدادت دوافعه التدميرية ظهوراً وزاد معها التدابير والإجراءات الوقائية للحيلولة دونها.

3- إعلام البروباغندا واللغة

بشكل عام في الأنظمة الشمولية لا يوجد شيء اسمه "إعلام" وإنما نوع من الدعاية الإعلامية الموجهة "بروباغندا"، فجميع وسائل التواصل الجماهيري من صحف وراديو وتلفزيون تخضع بشكل مباشر ومُحكم للطاغية أو أحد أفراد عائلته، وتُعتبر البروباغندا الحامل اللغوي للعقيدة.

صحيح أن لكل نظام شمولي منظومة لغوية خاصة به، ولكن مهما اختلفت هذه المنظومة من نظام لآخر حسب الزمان والمكان، فإنه يمكننا أن نلاحظ ثلاثة قواسم مشتركة:

- مصدر إلهام الشعب: في زمن السلم والاستقرار تتركز الدعاية الإعلامية على تمجيد المستبد والتغنّي بمنجزاته العظيمة في مجال بناء الوطن والاقتصاد، وغالبا ما يحاول المستبدون ربط أسمائهم بالحداثة والتحديث للتأكيد على أن الوطن قبل وصولهم المبارك للسلطة كان في عهد الظلمات!! فنجد هناك (باني سوريا الحديثة) و(باني العراق العظيم) و(باني ليبيا المستقبل) و(منقذ مصر)... وتكون المهمة الأساسية لوسائل الإعلام هي صناعة صورة استثنائية للمستبد ولنظامه؛ لوضعه فوق مواقع الآخرين من حيث القدرات الفكرية وتميّز الأداء، وابتكار أو توظيف قصص بطولات خرافية عن بعض الخوارق التي ترتبط ببعض سلوكيات القائد؛ إلى درجة اعتباره مصدر إلهام الشعب في العلوم والآداب والفنون!!! فالمستبد هو الراعي الأول للعلم والعلماء وهو (المعلم الأول)؛ لأن "المعلمين هم بناة الأجيال" وهو الطبيب الأول والمهندس الأول والفنان الأول والجندي الأول والفدائي الأول والفلاح الأول...

- ضامن استقرار الأمة: في زمن الاضطرابات السياسية والثورات ومع أول هزة سياسية تختفي عبارات الوحدة الوطنية والكبرياء الوطني وعظمة الشعب الحضاري العريق الذي يرأسه القائد العظيم لتحل مكانها عبارات تجسد حالة الانقسام والفتنة والطائفية، وتتحول البروباغندا إلى نوع من التجييش والتخويف من المستقبل والتهديد والمقايضة "إما القبول بواقع الاستبداد والعبودية وإما الفوضى والخراب".

ابتزاز الشعب بالأمن، مقابل تخليه عن مطلب الحرية، هو المحرك الأساسي لإعلام الأنظمة المستبدة حين تثور عليها شعوبها. وتحاول بروباغندا الأنظمة الشمولية تصوير شعوبها على أنها قاصرة ومتخلفة همجية غير قادرة على قيادة نفسها (شعوب لا تعرف ما هي الحرية ولا تستحقها)، وهي بحاجة دائماً لحكم المستبد القوي لضبطها ووضعها على الطريق الصحيح (التغنّي بالبوط العسكري) وإلا سيكون مصيرها الضياع. وهكذا تنتشر قصص العصابات المسلحة والخطف والاغتصاب، والخبز المسموم، والمشروبات المسمومة، ليس فقط من أجل إثارة البلبلة وتضييع الحقيقة وحسب، بل من أجل تأجيج المخاوف من المجهول، واستنفار الهويات العرقية أو الطائفية المضمرة، فالخوف والهلع يحركان غريزة البقاء، ويستنفران الشعور الجمعي القطيعي للدفاع عن "نحن" ضد "هم" ومن أفضل من النظام الذي نعرفه للدفاع عن هذه الـ"نحن" المهددة بالإبادة في حالة رحيله.

- عدو، مؤامرة خيانة: سواء في زمن الاستقرار أو الاضطرابات السياسية، هناك ثلاثة مصطلحات مستخدمة بشكل يومي في وسائل إعلام الأنظمة الشمولية: عدو، مؤامرة، خيانة.. فمن خصائص الأنظمة الشمولية أنها تفتعل الأزمات وتخلق أجواء متوترة ملائمة لإثارة الحروب مع أعداء خارجيين، فلكل نظام شمولي عدوه الخارجي، والمهمة الأولى له هي مقاومة هذا العدو، وأي مطالبة بحقوق الانسان والعدالة وتحسين الأوضاع المعيشية هي مؤامرة المقصود منها إضاعة الوقت والجهد.. في مثل هذه الأجواء يجد الطاغية مجالاً مناسباً لممارسة عنفه والقتل دون حسيب أو رقيب (ميول سايكوباتية) ولإرضاء عقده الاستعراضية القيادية والخطابية.

تاريخ الطغاة من جنكيزخان وهولاكو ونيرون إلى هتلر وموسيليني وماوتسي تونغ وستالين، وصولاً إلى عبدالناصر وصدام والقذافي والأسد ومبارك، يشهد بحقيقة هذه الحالة الحربية التي يضع فيها المستبد شعبه.. بروباغندا الأنظمة الشمولية لا يتم فرضها دائماً بالقوة، فاللغة الحاملة للعقيدة ومصطلحاتها تدخل في الاستعمال الشعبي والجماهيري حتى لو لم تتبنَّ هذه الجماهير عقيدة النظام.

المواطن الذي يشقى من أجل الحفاظ على نفسه وتحسين حالته يتبنى بشكل لا إرادي لغة النظام ويستخدمها من أجل نجاحه وحماية نفسه.

التشويه الأخلاقي للشعوب!

إن الخطورة الأكبر لهذه الأنظمة لا تكمن فقط في أنها تمنع شعوبها من التمتع بحقوقهم المستحقة فحسب، (رغم أهمية ذلك ومركزيته) بل في أنها -كما يقول فولتير- تؤسس للسلوك السلبي (نفاق) الذي يؤسس بدوره لمرحلة أخلاقية هابطة، مهما كان الشعب (عربي، أوروبي، أميركي، آسيوي...) وبالتالي تسهم في صياغة شعوب مشوهة بنيوياً وتفتقد لصفتها الإنسانية!

فالمجتمعات التي عاشت فترة طويلة في ظل الاستبداد والقهر غالباً ما تنتمي إلى منظومة من أنماط السلوك الغريزي الذي يعتمد أساساً على خصائص الانتهازية والانتقام والوصولية.. فالتزلف والتذلل وانسداد الأفق والانتماءات الضيقة وجلد الذات وتبخيسها والأنانية والفردية تصبح المعيار الأساسي للوصول إلى النجاح في هذه الأنظمة.

فمن المؤكد أن إسقاط آثار حكم المستبد يكون أصعب بكثير من إسقاط المستبد نفسه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.