المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

ما فعله جوزيف ستالين في مصر؟

تم النشر: تم التحديث:

في أكثر اللحظات ظلاماً وأشدها ظلماً، لم نكن لنتخيل أن تصبح مصائرنا وأعمارنا تمتهن وتستباح بهذا الشكل الهمجي المهين.. لم نكن لنتخيل أن تصبح أحلامنا بالحرية والحق والعدل كابوساً نحياه.

بتلك العبارات السابقة أعلن اتحاد طلاب كلية الهندسة بجامعة عين شمس تقديمهم استقالاتهم الجماعية؛ احتجاجاً على مقتل زميلهم الطالب "إسلام صلاح الدين عطيتو"، الطالب في الفرقة الرابعة "قسم كهرباء باور" على يد ضباط وزارة الداخلية.

قبل هذا بأربع وعشرين ساعة..

تفتح سيدة في الخمسين من عمرها باب غرفة يسكنها شاب يتصبب العرق منه وهو يجلس مرتدياً ملابسه الداخلية خلف مكتب خشبي قديم ومروحة كهربائية على يمينه وأمامه رزمة من أوراق "الدشت" وكتاب كبير يقرأ منه، ويكتب ما قرأه في أوراق الدشت؛ كي يستطيع حفظ ما يقرأ.. قائلة:

* انت لسه صاحي يا إسلام؟
إسلام لا يرد..

تقترب السيدة من إسلام حتى التصقت بحافة المكتب وبينما تشرع في وضع يدها اليمنى على رأس إسلام.. انتفض الشاب من مكانه بعد أن فوجئ بشيء حط على رأسه.

* آسفة يا حبيبي انت اتخضيت.. أنا ندهت عليك وانت مخدتش بالك!

* معلشي يا أمي أصلي مركز في المادة اللي قدامي عندي امتحان بكرة.

* يا ابني الساعة بقت تلاتة والفجر هيأذن قوم نام عشان تقدر تركز في الامتحان.

* ما تقلقيش يا أمي أنا متعود في الامتحانات أصحى بالليل وأذاكر للصبح.. والحمد لله بجيب امتياز كل سنة وهبقى معيد في الكلية إن شاء الله.. بس انتي ادعيلي.

* بدعيلك يا ابني حتى في أحلامي بفتكرك وأدعيلك.

* ادخلي نامي انتي يا أمي..

* لأ يا حبيبي أنا هقوم أعملك القهوة لحد ما الفجر يؤذن وتصلي بيا إمام.

بعد صلاة الفجر دخلت الأم لاستئناف نومها واستعاد إسلام تركيزه بعد تناول الكافيين الموجود في فنجان البن الداكن المحوج الذي يعشق رائحته ومذاقه.

( كنت واحداً من الملايين الذين عاشوا الفقر والحرمان؛ لأن الأب تخلى عن بيته، ولأن الأم لم تجد ما تسد به رمق أطفالها سوى الحكايات والأحلام).

إنه "جوزيف فيساريو نوفيتش" الذي سُمي فيما بعد "ستالين".

ولد ستالين في مدينة "غوري" في الإمبراطورية الروسية لإسكافي يدعى "فيساريو"، وأم فلاحة تدعى "إيكاترينا".

كانت عائلة تعيش في وضع اجتماعي يُدعى "الفنانة" وهي حالة من الرق أو العبودية.
ستالين هو الولد الثالث للعائلة, لكن الولدين الأولين توفيا في مرحلة الطفولة نتيجةً للأمراض، أرادت أمه أن يصبح كاهناً وذلك علامة شكر لله لأنه نجاه، كان والد ستالين مدمناً على الكحول، وكان دائم الضرب لستالين ولأمه, وفي أحد الأيام دفع الوالد ابنه أرضاً، ونتيجةً لهذه الضربة عانى ستالين من تصريف الدم مع البول لعدة أيام.

استمر وضع الوالد بالتدهور حتى ترك عائلته ورحل وأصبحت أم ستالين بلا معيل, مع أن النظام الاجتماعي في جورجيا هو نظام أبوي، وعندما بلغ ستالين 11 عاماً، أرسلته أمه إلى المدرسة الروسية للمسيحية الأرثوذكسية ودرس فيها.

قتل زوجته خلال نقاش خالفته فيه الرأي.

اشتهر بالقسوة والجبروت والطغيان والديكتاتورية وشدة الإصرار على رأيه في تصفية خصومه على القتل والنفي، كما أثبتت تصرفاته أنه مستعد للتضحية بالشعب كله في سبيل شخصه.

يصيح جرس الهاتف في غرفة صغيرة بالطابق الثاني بمبنى ضخم داخل سور خرساني شاهق في "مدينة نصر"، يجلس في الغرفة رجل طويل القامة مستلقٍ على كرسي من الجلد المريح كافياً ظهره إلى الخلف، وفارداً قدمه اليمنى فوق اليسرى على زجاج المكتب الكلاسيكي المطعمة جوانبه برقائق نحاسية... والرجل في حالة نعاس تام.

بعد خمسة أجراس من الهاتف ينتفض الرجل الأربعيني من نومه ليقبض على سماعة الهاتف بسرعة خاشياً انتهاء المكالمة قبل أن تبدأ.. قائلاً:

* ألو.. صباح الخير يا فندم.

* تمام يا فندم.. أنا هفضل في المكتب لحد ميعاد الامتحان وهنزل من هنا على جامعة عين شمس.

* لأ يا فندم ما يكونش عند سيادتك فكرة.. دي مش أول مرة ننفذ مهمة زي دي.. ثق فيا يا فندم.
* إحنا عملنا تحرياتنا عن الولد وهو عيل مجهول.. أمه ست على قد حالها ومحدش هيفتكره أساساً ولا هيدور عليه.
* ربنا يبارك لنا في سعادتك.. توجيهات معاليك هي اللي بتسهل لنا مهمتنا.
* مع ألف سلامة يا فندم.

يضع الرجل سماعة الهاتف ثم فرك عينيه بظهر يديه, وضغط على جرس الطرقة مستدعياً العسكري الواقف نائماً أمام المكتب.. وبعد عدة ضغطات دخل العسكري المنعس بزيه المدني الأزرق قميصاً والكحلي بنطالاً قائلاً:
* تمام سيادتك.
- هات لي القهوة.
* تمام سيادتك.
وانصرف بخطوات للخلف وظهره محني للأمام.. حتى غاب من أمام صاحب السيادة.

(عادت بداية مشاركة ستالين مع الحركة الاشتراكية إلى فترة المدرسة الأرثودوكسية التي قامت بطرده من على مقاعد الدراسة في عام 1899 لعدم حضوره في الوقت المحدّد لتقديم الاختبارات.

اعتنق المذهب الفكري لـ"فلاديمير لينين" وشغل عضو اللجنة المركزية للحزب البلشفي في عام 1912.
في عام 1913 سمي جوزيف باسم "ستالين" وتعني الرجل الفولاذي.

وبعد نجاح ثورة أكتوبر/تشرين الأول وتأسيس الحزب، انضم ستالين للحزب وجاءته الفرصة لاكتساب مكانة بارزة داخل الحزب بعد مرض لينين, تولى ستالين مركز السكرتير العام للحزب، ونظرا لأنه كان يتميز بعصبية شديدة ووقاحة في المعاملة فلم يكن مقبولاً من أعضاء إدارة الحزب، وكان من أبرز المعارضين له تروتسكي.

وفي عام 1922، تقلّد ستالين منصب الأمين العام للحزب الشيوعي، وحرص ستالين على أن يتمتع منصب الأمين العام بأوسع أشكال النفوذ والسيطرة، بدأ القلق يدبّ في لينين المحتضر من تنامي قوة ستالين، ويُذكر أن لينين طالب بإقصاء "الوقح" ستالين في إحدى الوثائق إلا أن الوثيقة تمّ إخفاؤها من قِبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي).

دقت الساعة السابعة صباح يوم الثلاثاء، وشرع إسلام في لملمة أوراقه ووضعها في حقيبته وارتدى ملابسه، ووضع حقيبته على كتفه وضعية وشاح القاضي، ثم دخل على أمه المستغرقة في نوم عميق، فوضع قُبلة على جبينها، وأغلق باب حجرتها وانصرف متجهاً إلى الجامعة.

بدخوله من بوابة كلية الهندسة في تمام الثامنة والنصف قبل موعد الامتحان بنصف ساعة استوقفه زميله راجياً منه أن يوضح له الإجابة عن سؤال في مادة "رياضيات 3"، كان قد وضعه أستاذ المادة في امتحان العام الماضي.. وها هو إسلام يتمرن على كيفية أن يكون معيداً بعد أشهر، ويختبر نفسه في كيفية إيصال المعلومة بطريقة سلسة وسريعة.

دخل معيد المستقبل إلى لجنة الامتحان ثم قرأ الفاتحة والآيات الأولى من سورة "يس"، كما توصيه أمه دائماً فور تسلمه ورقة الإجابة.

وبينما يتسلم ورقة الأسئلة دخل رجل معصوم العينين بنظارة سوداء مرتدياً بدلة رمادية ورابطة عنق سوداء، تحدث مع المراقب بصوت خافت، فنظر المراقب إلى القائمة المدون فيها أسماء الطلاب وأرقام الجلوس، ثم أشار إلى مقعد "إسلام صلاح الدين أبوالحمد".

تحرك الرجل ببطء تجاه إسلام المنهمك بقراءة الأسئلة التي توقعها وراجع إجابتها طوال الليل ووقف أمامه قائلاً:

* إسلام؟

- نعم!

أبرز الرجل عليها صورته واسمه مكتوب عليها من الخلف "جهاز الأمن الوطني".

- اؤمر يا فندم.
* أنا منتظرك تحت عايز أدردش معاك شوية.
- في إيه يا فندم؟!
* مش وقته انت عندك امتحان شد حيلك.

انصرف الرجل من أمام إسلام الذي ما زال يرى وجه الرجل الذي هبط عليه في مكان وزمان غريبين في ورقة الأسئلة.

(بعد ممات لينين في يناير/كانون الثاني 1924، تألّفت الحكومة من الثلاثي: ستالين، وكامينيف، وزينوفيف، وفي فترة الحكومة الثلاثية، نبذ ستالين فكرة الثورة العالمية الشيوعية لصالح الاشتراكية المحلية مما ناقض بفعلته مبادئ "تروتسكي" المنادية بالشيوعية العالمية.

وتآمر الثلاثة على إبعاد تروتسكي وهو الأحق من الجميع من تولى السلطة؛ حيث أبعدوه عن الرئاسة بإثارة الفتن والادعاءات الكاذبة ضده، وبالزعم أنه خرج عن المبادئ الماركسية، وبعد ذلك انقلب ستالين على العضوين السابقين واستطاع أن يتحكم وحده بزمام الأمور بالسلطة.

وقد حاول تروتسكي القيام بالانتفاضة ضد ستالين لإقصائه عن تولى السلطة، لكنه لم ينجح في ذلك، وأصبح الزعيم هو ستالين الشيوعي الثاني خلفاً للينين، وقد كان إبان فترة الصراع على السلطة بعد موت لينين.

تغلب ستالين على الثنائي كامينيف وزينوفيف، وأصبح القائد الأوحد بعدما كانت الحكومة ثلاثية الأقطاب، وتم ذلك في عام 1928).

لم يستطِع إسلام التركيز فيما يكتب.. هو فقط يملأ الورقة كلمات دون أن يدري هل تلك إجابات للسؤال الأول أم الثاني أم الخامس.. يحشو الورقة وكأنه يكتب محتوى منهج المادة كاملاً، وأصبح على مصحح المادة أن يختار الإجابة المناسبة لكل سؤال من بين كل الكلمات التي ملأت ورقة الإجابة عن آخرها.. كل هذا وهو يسترجع ما قرأه في بطاقة رائد أمن الدولة الذي هبط على رأسه فجأة من دون مقدمات.

بعد أن انتهى وقت الامتحان وسحبت كراسات الإجابة وشرع الطلاب في الوقوف للانصراف.. ما زال يجلس إسلام يتأمل الأرض واضعاً يديه فوق رأسه.

لاحظ زملاؤه أن خطباً ما أصاب إسلام فتوجه إليه خمسة طلاب مستفسرين:

* مالَك يا إسلام؟!
إسلام لم يلتفت إليهم.

وضع الآخر يده تحت ذقن إسلام رافعاً وجهه لأعلى.. فوجد وجهه مصفراً وهو حزين.

* مالك يا ابني في إيه.. ده الامتحان بالنسبة لك ولا حاجة.. وإحنا مستغربين إنك مخلصتش في نص الوقت ومشيت زي كل مرة!
- فيه ظابط أمن دولة دخل عليا اللجنة وقال لي إنه مستنيني برة ومش عارف عايز مني إيه!
* هو الراجل أبو بدلة ده ظابط!! إحنا كنا فاكرينه دكتور في الجامعة.
- أيوه ظابط.. ومش عارف عايز مني إيه؟
* طيب قوم إحنا هنيجي معاك وما تقلقش يمكن خير.
- خير!! أمن دولة وخير!! إزاي؟؟

قام إسلام مع زملائه مترابطين ومتحدين وخرجوا من باب اللجنة وظلوا يبحثون بأعينهم عن الظابط المشؤوم.
ها هو الضابط يقف أمام بوابة الخروج يتأمل الطلاب الخمسة القادمين إليه وملتفين حول سادسهم المرعوب من فكرة أن يتحدث مع ضابط أمن وطني.

* خير يا باشا عايز إسلام في إيه؟!
هكذا سأل أحدهم.
- عايزه ييجي معايا يجاوب على شوية أسئلة.

* اتفضل اسأله وهو هيجاوبك.
- لأ.. هو هيجي معايا لوحده نص ساعة وهيرجع.
* ييجي حضرتك فين؟!

صمت الضابط للحظات وإسلام لم يفتح فمه بكلمة حتى الآن وسلم لسانه لزملائه كي يجيبوا هم ويكتفي هو بهز رأسه تعبيراً عن الموافقة على ما يقولونه.

* هيجي القسم.

- إحنا جايين معاه.

* قلت هيجي معايا لوحده

هنا تغيرت لهجة الضابط وأصبح حاداً في كلماته, وبكلمتين في جهاز اللاسلكي حضرت في لحظات سيارتان من الشرطة نزل منهما عشرة أشخاص مسلحين.. اقتادوا إسلام المستسلم وحده إلى واحدة منها وانصرفوا بسرعة شديدة.

(لقد سار ستالين على سياسة لينين الى حد كبير، فكان أول ما لجأ إليه بعد توليه للسلطة التخلص من جميع المنافسين له من أعضاء الحزب؛ حيث كان مصير الكثير منهم القتل أو السجن.

قتل "وزينوفييف وكامينيف ومارتينوف" والأهم منهم جميعاً هو "تروتسكي" الذي صفاه في المكسيك عام 1940 بعد أن عاش في المنفى منذ عام 1936؛ حيث أرسل له شخصاً وقتله هناك، كذلك قام ستالين بنشر الشيوعية في العالم أملاً أن يكون زعيماً ديكتاتورياً للشيوعية العالمية، وكانت سياسة ستالين لتحقيق ذلك لا تعتمد على استخدام القوة، بل استخدم سياسة إثارة الفتن الداخلية وتشجيع الحركات الثورية بالدول المختلفة، وكان مشروعه هو نشر الشيوعية ما بين خطَّي عرض 35 و45 وهو نفس الهدف الذى سعى إليه لينين من قبله؛ حيث كان يرى أن نشر الشيوعية في إسبانيا سيسهل وصولها إلى فرنسا وإنجلترا ومن ثم خضوع ألمانيا للشيوعية من بعدهما).

انتشر الخبر في الكلية كالنار في الهشيم؛ لأن إسلام بصفته من الطلاب المتفوقين يعرفه الجميع, وباتت حالة من الدهشة والاستهجان تسود داخل أسوار الجامعة، وقرر كل زميل أثناء العودة لبيته أن يتجه لقسم الشرطة التابع إليه منزله للسؤال عن إسلام كي يعرفوا إلى أي قسم شرطة اقتيد الشاب.. لكن لم يتوصل أكثر من خمسين زميلاً إلى مكان إسلام عبر خمسين قسم شرطة في القاهرة الكبرى.

مع حلول الخامسة عصراً، أي بعد موعد عودة إسلام بخمس ساعات، اتصلت أم إسلام هاتفياً بأحد زملائه بعدما فشلت في التوصل إليه عبر هاتفه المغلق منذ دخوله لجنة الامتحان في الصباح.. فما كان من الزميل سوى مصارحة الأم المسكينة بما حدث.

صرخت الأم وخرجت مهرولة من البيت تبحث عن وحيدها في أقسام الشرطة، وقبلت يد الضباط توسلاً لإجراء اتصالاتهم الداخلية للتوصل لمكان وحيدها.. ولكن لم يجِب عن سؤالها أي ممن قبّلت أيديهم وأرجلهم.

(بوصول ستالين للسلطة المطلقة في 1930، عمل على إبادة أعضاء اللجنة المركزية البلشفية وأعقبها بإبادة كل من يعتنق فكراً مغايراً لفكر ستالين أو من يشك ستالين بمعارضته.

تفاوتت الأحكام الصادرة لمعارضي فكر ستالين فتارة ينفي معارضيه إلى معسكرات الأعمال الشاقة، وتارة يزجّ بمعارضيه بالسجون، وأخري يتم إعدامهم فيها بعد إجراء محاكمات هزلية، بل وحتى لجأ ستالين للاغتيالات السياسية، تم قتل الآلاف من المواطنين السوفيت وزج بآلاف آخرين في السجون لمجرد الشك في معارضتهم لستالين ومبادئه الأيديولوجية.

رتّب ستالين لعقد المحاكمات الهزلية في العاصمة موسكو؛ لتكون قدوة لباقي المحاكم السوفيتية، فكانت المحاكم الهزلية غطاءً سمجاً لتنفيذ أحكام الإبعاد أو الإعدام بحق خصوم ستالين تحت مظلّة القانون! ولم يسلم "تروتسكي"، رفيق درب ستالين، من سلسلة الاغتيالات الستالينية إذ طالته اليد الستالينية في منفاه في المكسيك عام 1940 بعد أن عاش في المنفى منذ عام 1936، ولم يتبق من الحزب البلشفي غير ستالين ووزير خارجيته "مولوتوف" بعد أن أباد ستالين جميع أعضاء اللجنة الأصلية.

تم إعدام مليون نسمة بين الأعوام 1935 - 1938 والأعوام 1945 - 1950 وتم ترحيل الملايين ترحيلاً قسرياً.

في 5 مارس/آذار 1940 قام ستالين بنفسه بالتوقيع على صكّ إعدام خمسة وعشرين ألفاً من المثقفين البولنديين وقضى على ثلاثين ألفاً من المساجين فيما يعرف بـ"مذبحة المساجين").

في تمام السادسة صباح الأربعاء وبينما تتنقل الأم بين الأقسام والمستشفيات منذ عصر الثلاثاء بحثاً عن وحيدها الضائع, وكان قسم المطرية آخر رحلتها وقفت أمام ملازم في نبطشية القسم لتسأله نفس السؤال:
* إسلام صلاح الدين أبوالحمد نزل الامتحان الصبح وزمايله قالوا لي إنه فيه ضابط راح خده من الكلية، وقال طالبينه في القسم وما رجعش لحد دلوقتي.. ما جاش هنا يا ابني؟

استوقف الاسم الملازم الجالس خلف مكتبه وبدأ يبحث في "الآيباد" الذي بيديه عن خبر قرأه منذ لحظات وقرأ الخبر مرة أخرى وتردد للحظات قبل أن يسألها قائلاً:

* هو طالب في كلية هندسة يا حاجة؟

انهمرت الأم في البكاء من الفرح بتوصلها لوحيدها بعد اثنتي عشرة ساعة من البحث.

* أحمدك يا رب هو عندكو يا ابني؟

- هو عضو في خلية إرهابية يا حاجّة؟
* إرهابية.. إرهابية إيه يا ابني ده طالب في كلية الهندسة ومن أوائل الدفعة؟
- إنتي متأكدة يا حاجة إنه كان في الكلية امبارح؟
* أيوه يا ابني ده فضل يذاكر طول الليل لحد ما نزل الامتحان الصبح.
- مين قالك يا حاجة إن الشرطة خدته من الكلية؟
* كل زمايله وأصحابه يا ابني.

هنا شعر الملازم أن إسلامها المفقود غير إسلام المقتول في خبر مقتل "إسلام صلاح الدين أبو الحمد عطيتو" قاتل العقيد "وائل طاحون" بعد أن استوقفته دورية شرطة في أحد الدروب الصحراوية بدائرة شرطة قسم التجمع الخامس ومداهمة القوة لمكان اختبائه ومصرعه بعد تبادل إطلاق النيران.

إلا أن تطابق الاسم جعله يراجع نفسه.. فما كان منه سوى وضع صورة الشاب المقتول الموجودة في الخبر في وجه السيدة التي أمامه قائلاً:

* هو ده ابنك يا حاجة؟!

بعد لحظات من تأمل السيدة لصورة القتيل خرجت منها صرخة توقفت عندها جميع حواسها عدا التنفس وسقطت على الأرض مغشياً عليها ولم تستيقظ حتى الآن.