المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

اعترافات ضابط عظيم!

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظة: هذه التدوينة بها بعض الكلمات بالعامية المصرية.

"قصة"

بعد عناء التفكير استقر الملازم أول "خالد سعيد" إلى أن الذهاب إلى الطبيب النفسي أمر حتمي، بعد نصيحه أقرب أصدقائه الذي يعمل جراحاً في مستشفى الشرطة.. ولكن "خالد" كغيره من المصريين يظن ظن السوء بمن يذهبون للأطباء النفسيين على أنهم مختلون عقلياً، هذا غير الخوف من أن تعلم جهة عمله بأنه يذهب إلى طبيب نفسي ومن ثم مدى الإجراءات التي سوف تتبع هذا الأمر.

وبعد أن استطاع صديقه إقناعه بأن هذا الأمر طبيعي في كل دول العالم، وأن الطبيب النفسي كطبيب العيون والأسنان وغيرهما.. قرر الذهاب إلى عيادة الدكتور "عماد عفت"، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة الإسكندرية، ولكن بعد أن اتخذ كافة الاحتياطات اللازمة كي لا يتعرف عليه أحد.

فتحت "شيماء الصباغ" باب غرفة النوم فوجدت زوجها يقوم بلصق ذقن طويلة على وجهه، وعندما سألته باندهاش عن السبب، قال بصوت واثق:

• عندي مأمورية سرية.

تعجبت من إجابته لأنها المرة الأولى التي تراه يقوم بعمل كهذا، وقبل أن يخرج من باب شقته وضع على رأسه كاباً أزرق.

وصل إلى العيادة في الموعد المحدد له، وعندما سأله مساعد الدكتور عن اسمه:

• أنا المهندس "محمد الجندي" عندي حجز مع الدكتور "عماد"

• أهلاً وسهلاً اتفضل استريح هنا وسأعطي للدكتور خبراً بوجودك.

جلس خالد/محمد على الكرسي وهو يلتفت يميناً ويساراً وكأنما يخشى أن يتعرف عليه أحد في العيادة الخاوية تماماً.

• اتفضل يا باشمهندس.. الدكتور في انتظارك.

فتح الضابط/المهندس باب غرفة الدكتور وبدأ يدقق في تفاصيل ما يراه حوله في الغرفة، إضاءة خافتة وأرضيات وحوائط مجلدة بالخشب تعطي طابعاً كلاسيكياً ومكتبة كبيرة تحيط النصف الأعلى من جدران الغرفة، وكنبة/شيزلونج من الخشب والجلد ومكتب خشبي ذو طابع كلاسيكي يجلس خلفه الدكتور عفت.

• اتفضل يا باشمهندس.

هكذا طلب الدكتور منه الجلوس بعد أن أعطاه مساحة من الوقت لتأمل جميع أركان الغرفة.. ثم استطرد الدكتور قائلاً:

• إنت خايف من إيه؟ إنت هنا علشان تتخلص من خوف بيطاردك خارج العيادة.. لازم تكون مطمئن هنا.. وكمان لازم تكون صريح معايا.. خاصة انك جاي باختيارك.. فتفضل قول اللي إنت عايز تقوله.

صمت محمد الجندي للحظات ثم بدأ في رفع الكاب عن رأسه ووضعه أمامه على المكتب وتبعه بسحب الذقن من على وجهه.. حتى تحول إلى النقيب "خالد سعيد"

لم يندهش الدكتور مما شاهده يحدث أمامه وبدت على وجهه الابتسامة مصحوبة بعلامات الرضا، وكأنه نجح في اكتساب ثقة الحالة التي كانت تبدو عليها علامات التوتر والخوف.

• أنا الملازم أول خالد سعيد.. بشتغل في قطاع الأمن المركزي.. وأكيد حضرتك متفهم ليه أنا انتحلت شخصية تانية.

• سيجارة يا خالد بيه.

سحب خالد السيجارة البارزة من العلبة وأشعلها لنفسه ومد يده ليشعل للدكتو سيجارته.

• اتفضل قول اللي إنت عايز تقوله، أو اللي إنت بتكلم نفسك بيه في سرك ومش عايز حد يسمعه.

قبل بضع سنوات كان قد كتب الدكتور عماد عفت كتاباً بعنوان "الأمراض النفسية لرجل السلطة" يتحدث من خلاله عن كيف تحويل السلطة رجالها إلى مرضى نفسيين بدرجات متفاوتة كلّ حالة وفقاً لطبيعة نشأتها قبل السلطة وطبيعة عملها داخل السلطة.

• أنا ضابط نشأت في أسرة عادية.. قصدي إنسان نشأت في أسرة متوسطة.. وهي في الحقيقة متوسطة في كل شيء.. في عدد أفرادها.. طموحاتها.. ممتلكاتها.. حتى في انفعالاتها في أفراحها وأحزانها، عمي ضابط شرطة هو دلوقتي لواء متقاعد، وهو اللي حببني دخول الشرطة، أو بمعنى أدق هو اللي حببني أبقى ضابط، كل العيلة كانت بتعمله حساب، هو بس اللي ليه وضع في العيلة عن بقية إخوته، هو الفيصل في أي قرار كان بيتاخد في العيلة، بالرغم من إن إخواته السبعة جامعيين وثلاثة منهم حاصلين على الدكتوراه.. ومع ذلك زي ما قولت لحضرتك.. وضعه في العيلة كان مختلف، ووضعه في الشارع على النطاق الضيق والواسع لم يختلف عن وضعه في العيلة.. عايز أقول لحضرتك إن سبب دخولي كلية الشرطة رغم إن مجموعي في الثانوية العامة كان يدخلني كلية الهندسة، كانت الهيبة اللي كنت بشوفها في عمي.. إنت ضابط يبقى إنت مختلف.

• وطبعاً بعد ما اتخرجت من الكلية لقيت الوضع مختلف بسبب اللي حصل في 25 يناير.

• مش بس كده.. طول فترة الكلية زادت رغبتي في إني أبقى ضابط، البدلة ليها سحر لما بكون لابسها، أصحابي بيكلموني بنبرة مختلفة، بيخافوا أو بيتجنبوا يزعلوني، بيحتفوا بيا في كل خميس لما أنزل إجازة، حتى إخواتي الثلاثة اللي أكبر مني بيعملوني على إني الكبير بتاعهم.. المشكلة الأكبر إن طلاب الكليات العسكرية مكانوش بيخدوا نفس القدر من الأهمية، بل كانوا بيغيروا مننا.. واللي زرعوه جوانا أساتذتنا في الكلية إن كل واحد فينا بقى مشروع باشا، مش موظف في الدولة، لأ.. إحنا الدولة.

بدت على وجه "خالد" ابتسامات سخرية من الماضي الذي يحكي تفاصيله، والدكتور متفهم تماماً لكل كلمة يسمعها، لكنه في نفس الوقت غير مستوعب للسبب الحقيقي الذي أتى بالضابط إلى العيادة.. فبادره بالسؤال:

• إنت ندمان إنك دخلت كلية الشرطة؟

• اللي شفته بعد ما اتخرجت من الكلية غير اللي عشته وأنا في الكلية، أنا اتخرجت في 2010 قبل شهور قليلة من 25 يناير، كانت شهور زي ما بيقولوا دلع، لسه ضابط ورور وهيبة البدلة هي اللي بتتحكم فيه وحمياه من تطاول الناس، تقدر تقول خوف الناس خلاني أشوفهم أقل من حجمهم الطبيعي.. لحد ما جه اليوم المشهود.. كنت ملازم في الأمن المركزي زي ما أنا دلوقتي، بس في القاهرة، خرجت من معسكر الأمن المركزي يوم 28 يناير زي الباشا على رأس قوة قوامها 200 عسكري، بعدها بساعتين رجعت الشقة اللي كنت مأجرها في شارع فيصل بالملابس الداخلية.. خلعت هدومي عشان أعرف أروح من الناس، الناس كانت بتنتقم فعلاً لكن أنا معملتش حاجة تستاهل منهم يعاملوني بالطريقة دي.. تخيل إنت بقى منظري قدام نفسي كان عامل إزاي.. اليوم ده لا يمكن أنساه.

• إنت معملتش حاجة فعلاً.. أو بمعنى أدق إنت ملحقتش لسه كنت تعمل حاجة.. بس واضح إنك عملت حاجات بعد كده.. وإلا مكنتش جيت هنا.. ولا إيه؟

انتفض الملازم أول من على الكرسي وكأنما لدغته كلمات الدكتور، أو لمست معاناته.. وعلا صوته قائلاً:

• أنا خدت حقي.

• حقك من مين؟

• من العيال اللي رجعوني بيتي بالملاس الداخلية، وخلوني عايش سنتين خايف حتى أقول للناس إني ضابط.

طلب الدكتور منه الهدوء وأخرج من درج المكتب علبة أعطاه منها برشامة بيضاء مستديرة ابتلعها بكوب من الماء.

• أولاً لازم تعرف إن كل كلمة هتقولهالي هتفضل سر ما بيننا، ماتخفش الدكتور أمين على الأسرار زي المحامي بل أكتر من كده.

نظر خالد إليه نظرة المتردد في الحديث، لان ما سيقوله استكمالاً لما بدأه يضعه تحت طائلة القانون.. لكنه ثقته في كلام الدكتور من ناحية، ومن ناحية أخرى رغبته في أن يستريح من ألامه، جعلته يستكمل حديثه بصراحة.

• أنا في كل نزول ليا للتصدي للمظاهرات بضرب في المليان، سواء كنت في حاجة لكده أو لأ، لكني بمجرد ما بنزل وبشوف العيال دي في وشي بكون إنسان تاني.. بحس إني على الجبهة، وبنسى أي تعليمات.. أنا مش عارف إيه اللي بيجرالي بعد مابلبس القناع والخوزة.

• محولتش تمنع نفسك من نزول عمليات فض المظاهرات؟

• حاولت.. لكن كل مرة بمنع نفسي بلاقي ضابط زميلي راجع مصاب، فبرجع أنزل عشان أنتقم.. أنا بشر وليا مشاعر سيطرت عليها كراهيتي ليناير وكل اللي بينتموا ليها، ومش لوحدي كل اللي حواليا بيكرهوها، خاصة في الشغل، لأنها فعلاً بهدلتنا وضيعت مننا الهيبة.. تخيل إن البلطجية بعيرونا باللي حصل لنا في اليوم ده!

• ليه مفكرتش تستقيل من الشرطة؟

• لأ

• ليه؟

• عشان إحنا راجعين تاني وهنستعيد هيبتنا، وهنخلي أي حد يرجع يخاف لما يشوف ضابط قدامه.. الدولة لازم ترجع لأصحابها.. واحنا أصحابها.

أشعل الدكتور "عماد عفت" سيجارته وبدأ يستحضر رداً يثير معه انفعالات الملازم أول "خالد سعيد" كي يصل إلى نقطة الثبات النفسي التي يبدأ من خلالها مرحلة العلاج.

• الشرطة في الفترة اللي إنت كنت فيها في الكلية افترت على الناس بدرجة تجعل استمراريتهم في النهج ده مستحيلة، وزي ما أنت قلت كانوا شايفين نفسهم بشاوات وغيرهم عبيد، وده شيء بيدل على إن فيه خلل نفسي عند الضباط.. إنت موظف زي باقي الموظفين في الدولة، لكن معاك سلطة الضبط عشان تستخدمها في محلها، مش عشان تفتري بيها على الناس وتتربح منها، وأنا شايف إنك لازم تستفيد من الدرس اللي حصل وتستغله عشان تراجع نفسك، وتعرف إن العدل فوق القانون والقانون فوق القوة، وانت زي ما قلت تجاوزت القانون في سبيل الانتقام.. لكن مسألتش نفسك إنت بتنتقم من مين؟ من ناس مش هما اللي قتلوا زمايلك، انت كده بتمنع العدل لأنك بتتجاوز القانون بفرض قوتك، وبتخلق عداءات جديدة.

• إحنا اتخرجنا من الكلية لقينا هو ده الوضع.

• غلط.. وضع كله غلط.. هيحصل إيه لو غيرت طريقتك في التعامل مع الناس والتزمت بالقانون؟ بدل ما ترجع للتعامل القديم وتكون النتيجة إنك وزمايلك في الجيل الجديد تكون نفس مصير الجيل القديم.

• مهو أنا مش جاي لحضرتك عشان تقولي نفس الكلام الاي بيقولوه العيال دي.. أنا محتاجك تقولي طريقة أتحاشى بيها نظرات الناس الاي كلها حقد وغل مني عشان أنا ضابط.

• يا باشا إنت مش فاهم.. أو فاهم غلط.. الناس مش بتحقد عليك، الناس عايشة بين نارين: نار إن وجودكم في الشارع حتمي لحمايتهم وتأمينهم، ونار الخوف وهي بتشوفكم بترجعوا لنفس ممارستكم القديمة وبطريقة أبشع من الأول.. وعلى فكرة إنت أكيد عامل تحرياتك قبل ما تجيلي وعارف إني ليس لي رأي سياسي.. أنا بكلمك من منطلق الواقع والعلم والدراسات اللي أنا عملتها في السياق اللي إنت جايلي عشانه.

• أفهم من كده إن حضرتك معندكش شيء تساعدني بيه!

• يا سيادة الملازم إنت جيت هنا عشان تلاقي حد يتوافق مع تصرفاتك ويبررهالك، وإنت معندكش مرض نفسي غير "الميغالومانيا" يعني جنون العظمة، وده علاجه بسيط جداً ده لو إنت فعلاً عايز تتعالج من المرض، مجرد إنك تتجرد من كل هواجسك وتتعامل مع الناس كإنسان.. زيك زيهم.. في غضون أسابيع كل اللي إنت فيه ده هينتهي.

نظر إلى الدكتور نظرة استعلائية واضحة، فهمها الدكتور سريعاً بحكم خبرته، وضحك بصوت عالٍ أثار غضب العظيم الذي يجلس أمامه، فانتفض العظيم من مكانه قائلاً:

• أنا ماشي يا دكتور، وعايزك تنسى إنك شفتني أو قابلتني.

لملم العظيم متعلقاته وقبل أن يفتح "خالد سعيد" الباب للخروج، فاجأه الدكتور:

• خالد.. بعد ما تخرج من هنا روح قابل عمك اللواء المتقاعد، واتكلم معاه بصراحة، واسأله إن كان ندمان على تجاوزات عملها في الخدمة ولا لأ. وبعدها قرر إن كنت لما تكبر وتطلع على المعاش عايز تندم وتنسى ماضيك ولا عايز تتفاخر قدام الناس بتاريخك المشرف.. ولو اخترت إنك تعمل ما بدالك وتندم وقت لا ينفع فيه الندم.. ماتجيش هنا تاني.

فتح العظيم الباب بعظمة المرضى.. وخرج ولم يعد.

"انتهت"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.