المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

"أمين شرطة اسم الله "

تم النشر: تم التحديث:

كم كان يوماً مشهوداً في حياتي، يوم من الأيام التي أتذكرها في اليوم مرة على الأقل، متى رأيت ذلك الرجل.. شاباً كان أو كهلاً، مرتدياً الأبيض أو الأسود، ليلاً كنا أو نهار، وبيده جهاز أسود يتلقى من خلاله الأوامر فقط.. لم أصادفه يصدر أمراً لأحد من خلاله.. ذلك الرجل الذي يحمل على كتفيه بلاطة زرقاء عليها أصابع حمراء يحلم باليوم الذي ترفع عنه تلك الأصابع وتصبح نقطة ذهبية يحملها على كتفه قبل بلوغ منتهاه الوظيفي بانتهاء العقد السادس من عمره.

في منتصف التسعينات حيث كنا في الرابعة عشرة من العمر الذي جرى فجأة، وفور تخرجنا في المدرسة الإعدادية، كان من الطبيعي أن يكون الطموح الإجباري هو استكمال المسيرة التعليمية إلى منتهاها وبلوغ المرحلة الجامعية عبر الثانوية العامة، خاصة إذا كنت تتمتع بقدر جيد من التفوق الدراسي.

لم تكن المفاجأة الكبرى عندما سألت أحد زملائي بعد أيام من تقديم أوراق الثانوية العامة عن أي مدرسة سيتوجه إليها.. فكانت إجابته بأنه التحق بالمدرسة التجارية فحسب.. رغم أن ما أعرفه عن زميلي هذا أنه كان متفوقاً في المواد العلمية، فسألته عن سبب تخوّفه من دخول الثانوية العامة، فهي ليست صعبة بالنسبة إليه كي يهرب بعيداً عنها.. بل كانت إجابته القاطعة الشافية الوافية عندما قال إن لديه طموحاً وأملاً واحداً يريد أن يحققه من خلال أقصر الطرق.. فقال لي نصاً:

"أنا عايز أكون أمين شرطة اسم الله"

كان من كان طفلاً يحدثني وهو مفعم بالأمل الذي سوف يجعله ضابط شرطة عبر المرور بمرحلة "أمين الشرطة"، حيث كان قد أفتوا لأبيه، العامل البسيط الذي كان يريد أن يرى ابنه ضابط شرطة أو ضابط جيش طمعاً في سلطة تحمي مستقبله من الإهانة التي عاشها في ماضيه كله، وفي الأخير ضماناً لوظيفة ثابتة لابنه الذي لا يريد أن يصبح شريداً بين المصانع مثله، بأن السبيل الوحيد لابنه هو العبور من خلال "معهد أمناء الشرطة"؛ لأنه رجل بسيط لن تقبل أوراق ابنه إذا ما تقدم بها لـ"كلية الشرطة" أو أيٍّ من الكليات العسكرية.. فضلاً عن أنه لا يمتلك الخمسين ألف جنيه، "تسعيرة" الرشوة لدخول كلية الشرطة في ذلك التوقيت.

فاقتنع الأب الفقير بالفتوى ومن ثم لقنها لابنه المسكين، وأصبحت الفتوى خطة حياته المستقبلية.. سيدخل مدرسة التجارة، ولأنه مجتهد فسيتخرج منها بتفوق يجعل قبول أوراقه في معهد الفقراء من الشرطة أو ما يسمى "معهد أمناء الشرطة" أمراً حتمياً.

الكنوستابل/الأمكين/الأمين.. جميعها مسميات عقدية لذلك الشرطي الذي يظن أنه أكثر أهمية من الضابط، وهو يرى أنه محق في هذا إذا ما وضع نفسه في صيغة الجمع؛ لأن الأمناء أكثر عدداً من الضباط، فتصبح الأهمية بالكم وليست بالكيف الذي يعاني منه طيلة حياته المهنية.

فالأمين يعاني من الضابط حباً وكرهاً، فيحب عندما يصبح ضابطاً يكون قوياً باطشاً على من هم تحت إمرته، ويكره في نفس الوقت ما يفعله به الضابط وهو مازال تحت إمرته.. والتناقض الذي في شخصيته ليس بسبب المعاملة فحسب، بل بسبب شعوره بأنه من المفترض أن يكون صاحب سلطة وله منها آمال يريد تحقيقها، لكنها فجأة تصبح والعدم سواء إذا ما تعارضت مع إرادة ضابط حديث التخرج.. ومن هنا يتوجه بسلطته هذه ناصية الغلابة يلتهم منها حيث يشاء بعيداً عن عرين الضابط.

أمين الشرطة دائماً ما يضعه الضابط في المواجهات غير المحسوبة تحسباً لما لا يُحمد عقباه، فإذا مررت بأحد الأكمنة الشرطية الثابتة أو الطارئة، ستجد الأمين واقفاً في انتظارك ومن ثم هو المستقبل الأول لكنيتك، ولا أقول هنا شخصيتك؛ لأن شخصيتك لا تساوي شيئاً عند أي شرطي طالما لا تسبقك كنية سلطوية، أقصد بالسلطة هنا التنفيذية أو القضائية أو العسكرية.

ومن هذا المنطلق يتم تحديد نوع المعاملة التي ستتلقاها، وفي الحقيقة ينجح هو في الغالب في تحديد المعاملة المناسبة لك من وجهة نظره هو، أو دعني أكون أكثر وضوحاً فهي معاملة نابعة عن عقيدة جهاز الشرطة بأكمله.. وبما أن لكل قاعدة شواذاً.. فالحالات الشاذة تلك التي تصحبها ضجة إعلامية كتلك التي تقرأها عن مشاجرة بين شرطي وقاض أو بين شرطي وضابط جيش، وهذا بسبب عنصر المفاجأة وحده وليس بسبب إرادة أمين الشرطة القوية في فرض القانون على الجميع.

بعد أن أنهى زميل الإعدادية مدرسته التجارية بتفوق لم يشفع له أن يكون "كنوستابل"، كما كان يريده أبوه الذي زرع داخله حلماً سعى جاهداً لتحقيقه، حيث رُفضت أوراقه بسبب أبيه العامل الفقير وأمه السيدة البسيطة، فالابن المتفوق ترك الذي هو خير وهي الشهادة الجامعية عبر الثانوية العامة، ورضي بالذي هو أدنى بأن يكون "أمين شرطة اسم الله"، كما كان يرددها طفلاً.

لكن الأدنى هو الآخر رفضه وأصبح واقفاً في حيرة من أمره في مفترق طرق، حتى التقفه جلباب أبيض قصير مرّ بجواره ولحية أطول من جلبابه، وأصبح قبل بضعة أشهر أحد المتهمين في قضية إرهاب قَتل فيها أمناء شرطة، ربما لو شاء القدر لكان واحداً منهما.

ملحوظة: " أمين شرطة اسم الله" اقتباس من أغنية لسعاد حسني كتبها الشاعر صلاح جاهين

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.