المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

لكنه حدث بالفعل... ومصر سجنت النبي!

تم النشر: تم التحديث:

أثار التصريح الذي أصدره وزير العدل المصري "أحمد الزند" بأنه سيسجن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ارتكب جرماً، جدلاً واسعاً على جميع المستويات وبين جميع فئات الشعب المصري، نظراً لما يتضمن متن التصريح من شيفونية واضحة وانعدام اتزان وعدم اهتمام بما يخرجه المسؤولون من كبر كلمات أفواههم إن يقولون إلا غثاءً وسفهاً!

المفارقة الكبيرة أن ما قاله الزند عن استعداده لسجن النبي، كان قد تحقق بالفعل قبل ذلك في مصر، وقت أن كانت سياسات نظامها نفس سياسات النظام الحالي، عندما سجن حاكمها النبي يوسف -عليه السلام- رغم تيقنه من براءته!

هناك في قرية "بوصير" أو "أبوصير" أعرق واقدم قرى مصر بمحافظة الجيزة، ربما يعرفها الكثيرون، وكانت مقرًّا للأسر الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة الفرعونية، وجزءاً من منف عاصمة مصر أيام بناء الأهرامات.. السجن الذي وضع سيدنا ونبينا "يوسف" عليه السلام.

لنا مع سورة يوسف وقفات تحدثنا فيها عن بعض الدروس السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي يمكن استنباطها من رؤيا يوسف، وسنتوقف عند حادثة سجن يوسف كما وصفها القرآن نستلهم منها بعض الدروس والعبر حول واقع مصر الحالي، فلنتدبر بعض الجوانب من قصة يوسف في القرآن، محاولين الوصول إلى بعض المعاني التي جعلت من تلك القصة من الأهمية بحيث يوردها القرآن بهذا الشكل من التفصيل.

يوسف عليه السلام مر في حياته بمنعطفات مهمة أدت بالنتيجة إلى وصوله للغاية التي أرادها الله له، ومنها دخوله السجن، حيث تذكر القصة بأن النخبة الحاكمة في مصر آنذاك، قد أزعجتها الضجة التي أثارتها نساء علية القوم، وسعيهن للإيقاع بيوسف في الرذيلة وامتناعه عن مجاراتهن فيما يدعونه إليه فوجدت أن الحل الوحيد أمامها هو بإلقاء يوسف في السجن "ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ" (سورة يوسف-35) . وحول هذا الموقف من الطبقة الحاكمة أو "النظام" بلغة اليوم سوف أذكر بعض الملاحظات.

1- أسلوب الآية يوحي بأن الملأ قد فكروا جديًّا في موضوع المشكلات التي تثار حول سعي زوجات وبنات علية القوم في الطبقة الحاكمة للإيقاع بيوسف في الرذيلة، وأن امتناعه عن مجاراتهن في ذلك سبب لهم المشكلة، وأول ما يتبادر إلى الذهن بأن يوسف لو لم يمتنع وفعل ما تأمره به النساء لما حصلت تلك المشكلة، وهذه دلالة واضحة على عمق الفساد الأخلاقي الذي كان مستشرياً في ذلك المجتمع..

والفساد لا يكون في جانب واحد من جوانب الحياة، وإنما ينخر في جسد المجتمع من جميع الجوانب، فالفساد الأخلاقي هو نتيجة أو ثمرة من الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي. ومع أن موقف يوسف قد منح تلك الطبقة الأدلة الواضحة على عمق الفساد المستشري في المجتمع، وأن مسؤوليتهم بوصفهم قادة المجتمع إنما تكون في إيجاد الحلول لمعالجة مشكلات الفساد، ولكنهم بدلاً من أن يفكروا بالحلول، آثروا أن يفعلوا ما تفعله النعامة أمام الخطر الداهم، وذلك بإدخال رأسها في جحر في التراب، اعتقاداً منها بأن ذلك من شأنه أن يحل المشكلة، وبالفعل فقد قرروا إلقاء يوسف في السجن. وهذه تقودنا إلى استخلاص واحدة من أبرز السمات التي تلازم الأنظمة الفاشلة في الحكم، وهي غياب المبادرة في حل المشكلات، والاعتقاد بأن هذه المشكلات سوف تذهب وتختفي من دون عناء، "ليسجننه حتى حين"، أي إلى حين ذهاب المشكلة واختفائها، غير مدركين بأن المشكلات التي تترك من دون حلول لا تختفي بل تكبر وتستشري.

عند هذه النقطة يحصل الانفصال الكامل بين الحاكم والمحكوم. وهكذا برهنت الطبقة الحاكمة في مصر بأنها مفلسة في عالم الأفكار والإبداع في إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية، وذلك لأنها لم تفكر في أساس المشكلة، وهي الفساد الأخلاقي، فآثرت إلقاء الضحية في السجن، ويا له من دليل واضح وجلي على إفلاس تلك الطبقة وضعفها.

ولسوف يأتي الدليل الأكبر على إفلاسهم في عالم الأفكار والحلول عندما تأتي رؤيا الملك وتضعهم أمام إشارة واضحة إلى كارثة محدقة بالأمة، لكنهم يتجاهلون تلك الإشارة بأنها "أضغاث أحلام"، ولا يجدون الحل إلا عند نادل الملك الذي يدلهم على الشخص الذي ألقوه في السجن.. وهذه المسألة تدلنا إلى نتيجة مهمة في المجتمعات التي تقودها قوى متسلطة، وهي التخلف العام الذي ينتج من إفلاس القيادة في عالم الفكر ويجر بالأمة إلى مواطن الهلاك. إن الدولة التي يوضع فيها يوسف وأمثاله من أصحاب المبادرات في السجون والمعتقلات، بلا شك دولة فاشلة لا تستحق الحياة.

2- من سمات الأنظمة الفاشية الفاشلة، استخدام العنف والإرهاب في التعامل مع المصلحين من حملة الأفكار المنافية لما يؤمن به النظام، ولذلك جاء الحكم في قضية النسوة بحبس يوسف حتى حين، مع أن الدلائل كلها أشارت إلى براءة يوسف..

إن التجارب البشرية منذ قيام الخلق على هذه الأرض تثبت بأن التعامل الأمني مع الحركات الفكرية المعارضة لا يجدي نفعاً، مهما كان التفاوت في موازين القوة؛ لأن القوة ليست البديل عن الإصلاح.. فالسلطة يجب أن تمتلك كل مقومات القوة، والتي منها قوة الإيمان وقوة الترابط الاجتماعي والوحدة الوطنية ثم القوة المادية التي ترهب كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن البلاد والعباد، ولذلك فالمطلوب من الجهات الحكومية التعامل مع القضايا الأمنية ضمن التصور الشامل لمفهوم القوة وعدم التضحية بوحدة الأمة والمجتمع في سبيل المحافظة على النظام، ذلك لأن النظام إنما هو جزء لا يتجزأ من المجتمع وكيانه ووجوده مرتبط به.

3- أيضاً من السمات التي تميز الأنظمة الشمولية الفاشلة التي نستبطها من قضية سجن يوسف، هي غياب المراجعة، فالطبقة الحاكمة توصلت بعد التفكير الكثير في المشكلة، بأن سجن يوسف حتى حين هو الحل للمشكلة، لكن أحداً لم يجرؤ على السؤال "لماذا هذا هو الحل؟" و"كيف سوف يؤدي حبس يوسف إلى حل المشكلة؟".

إن وجود المراجعة هي دليل واضح على قوة النظام والعكس صحيح.. توفير حرية الرأي الملتزم بالمصلحة الاجتماعية من شأنه أن يمنح المجتمع فرص المراجعة السليمة للقرارات التي تصدر، وهذه تؤدي إلى فائدتين، أولاهما منح أصحاب القرار الفرصة لدراسة القرارات من مختلف الجوانب وتمنحهم الفرصة لتعديل ما قد لا يكون مناسباً. والثانية هي أن المجتمع سوف يكون أكثر إيماناً بتلك القرارات التي جاءت بعد المراجعة وإبداء الرأي وتؤدي إلى أن يحافظ المجتمع على وحدته من أن يستغلها الآخرون.

هذا هو نظام مصر في عصر يوسف، والذي يطابق مع نظامها في العصر الحالي.. فلماذا إذاً التعجب من تصريحات وزير العدل المصري ابن هذا النظام؟!

رغم فحش تصريحه هذا، إلا أنه أقل فحشاً وفجراً من تصريحاته السابقة والتي منها أنه يريد الثأر عن كل ظباط الجيش والشرطة والقضاة في عمليات إرهابية بقتل عشرة آلاف من المصريين بسبب انتماءاتهم السياسية والفكرية، رغم أنهم لم يرتكبوا جرماً.. والآخر أنه يريد أن يتقدم بمشروع قانون للبرلمان ينصّ على معاقبة آباء وأمهات المتهمين بارتكاب عمليات إرهابية لأنهم لم يحسنوا تربية أبنائهم.

في النهاية تمت إقالة وزير العدل بعد رفضه الاستقالة، لكنها إقالة متأخرة للغاية وفقاً للجرائم اللفظية التي ارتكبها منذ توليه الخاطئ لوزارة العدل، وأثار تقلده هذا المنصب قبل ثمانية أشهر استياء الكثيرين بسبب تصريحاته التي سبقت تقلده هذا المنصب.. فكيف لرجل بكل هذا الكره والكراهية للإنسان وحقوقه وناكراً لواجبات الدولة تجاهه أن يكون وزير للعدل؟!

محمد حليم بركات

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.