المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

ثوانٍ مهمة في مكالمة طويلة مع الرئيس

تم النشر: تم التحديث:

هناك مقولة توارثتها الأجيال، ومع الأسف فإن غالبية الناس لا يعلمون معناها أو أصلها ويفسرونها بشكل خاطئ، وهي "أعقلها وتوكل" التي يظن الناس أن معناها فكر بعقلك ثم اتخذ قرارك متوكلاً على الله.. ولكن لم تكن تلك أصل المقولة المتوارثة ولا هذا مفهومها المراد وقتها.

روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : جاء رجل إلى النبي -صلى الله عنه وسلم- على ناقةٍ له عضباء "أى مقطوعة الأذن" فقال يا رسول الله: أدعها وأتوكل، فقال: بل أعقلها وتوكل.
ومعنى "أعقلها" أي شد ركبة ناقتك وثبتها بحبل.. أى "اربطها".

استمراراً لعدم الوعي والإدراك والبحث لأساليب إدارة الدول نحو التقدم.. جاءت المبررات الواهية التي قالها الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" لأسباب الخلل الكبير في إدارته للدولة بعد 30 يونيو/حزيران، ملقياً باللوم على الناس لا عليه ليحدث لما تبقى من عقلاء في هذا البلد حالة من خلط المفاهيم، عبر مداخلة مع الإعلامي "عمرو أديب" ببرنامج "القاهرة اليوم" قبل أربعة أيام حيث استوقفتني بضع عبارات:

هناك مشكلات في مصر ربما لا يوجد لها حل، ولكن مع محاولتنا لخلق فكرة ومخرج لذلك يمكن إيجاد حل لها.. مصر كادت تنهار في 2011.. الدولة تركت لمدة تصل إلى 50 سنة وإن ما نحن فيه هي تداعيات تفكك للدولة منذ 1967 وهي أشلاء دولة.. إستراتيجيتنا في أول أربع سنوات هي تثبيت الدولة.. فشلنا في التعامل مع الشباب

وبالحديث عن تفسير مفاهيم التي صدرها الرئيس للناس فسنجد أنها أيضاً مغلوطة:

أولاً: لم يعرف العالم حتى الآن مشكلة ليس لها حل، فكلمة مستحيل هي عبارة عن رأي وليست حقيقة.. ثم يناقد نفسه قائلاً مع خلق فكرة للتعامل مع المشكلات سنجد حلولًا لها.. والحقيقة أنه -أي النظام- ليس بحاجة لخلق أفكار، هو فقط بحاجة للبحث عن الأفكار التي نُفذت في بلدان كثيرة استطاعوا من خلالها حل تلك المشكلات التي ربما كانت أكثر تعقيداً منها في مصر، لا نريد اختراع عجلات جديدة لإيجاد حلول لمشاكل قديمة قتلها العالم بحثاً خاصة ونحن نفتقد لكل سبل البحث الدقيق.

ثانياً: ما حدث في 2011 لم يكن متوقعاً من تبعاته انهيار مصر، بل انهيار النظام.. ومصر ليست النظام وأيضاً الدولة ليست النظام.. وتلك المفاهيم الخاطئة هي سبب الفشل الذي تعانيه مصر، كما أنها أيضاً سبب فشل عملية التغيير التي سعينا إليها؛ فأجهزة الدولة منذ 25 يناير حاربت بكل قوة للحفاظ على شكل النظام داخل مؤسسات الدولة، حتى عندما ساعدت جماعة الإخوان المسلمين للوصول للحكم، كان هذا أحد سبل الحفاظ على النظام بمنطق أن يضع يده في يد القوة المنظمة كي نحيدها في المعركة، ثم بعد ذلك نضعها وحدها في مواجهة الشعب ونرفع أيدينا عنها لإفشالها.. سقوط مصر أمر غير وارد في أدبيات شعبها، لأنها لم تكن دولة طائفية بحيث تكون طائفة معينة بها على استعداد للتضحية بوحدة الوطن في سبيل مصلحة الطائفة.. وهذا ما يدركه النظام جيداً.

ثالثاً: وهذا أمر في غاية الأهمية.. عبد الفتاح السيسي "رجل المخابرات" يرى أن الدولة تفككت منذ 1967 ويقصد بهذا لمن لم يفهم بيت القصيد، أن الدولة فقدت قوتها وتمكنها من البلد بسبب القرارات التي اتخذها عبد الناصر بعد هزيمة 5 يونيو، وهذه القرارات كانت بداية التفكيك لمراكز القوى لأنه أدرك وقتها أن سبب الهزيمة هي ما كان يحدث قبلها بسبب القبضة البوليسية على العمل السياسي، وتدخل المخابرات والأمن في كل شيء ليكون للدولة صوت واحد فقط، وقطع كل الألسنة الأخرى قبل وصول أصواتها للرئيس.. وهذا ما أفصح عنه "سامي شرف" سكرتير عبد الناصر في مذكراته.. الرئيس يرى أن هذا تسبب في تفكيك الدولة، وهذا ما يوضح لماذا تدخلت المخابرات في تشكيل البرلمان وفقاً لجميع شهادات من كانوا جزءاً من هذه العملية.

رابعاً: برنامج الرئيس الذي لم يعلن عنه منذ أن رشح نفسه للمنصب جاء ليعلنه الآن، وهو قوله إن إستراتيجيته في أول أربع سنوات من حكمه هي تثبيت الدولة.. من أين علم الرئيس أن هناك سنوات أخرى بعد الأربع ليقول "أول أربع سنوات" رغم أنه قال منذ فترة إنه لا يريد أن يترشح لفترة أخرى، لكن يبدو أن مثله مثل من سبقوه في نفس التصريحات الحنجورية.. من الطبيعي أن يكون مثل هذا الكلام مقبولاً مع الثلاثة أشهر الأولى للحكم عندما ينتهي الرئيس الجديد على الدولة من تكوين فكرة كاملة لشكل الدولة ويريد إصلاح الخلل الذي شهده، لا رئيس كان يحكم بشكل ما قبل حكمه الرسمي بعام، وبفرض أنه لم يكن يحكم ونتعامل معه كشخص جديد على الدولة فكما قلت هذا الكلام مقبول بشكل ما في الثلاثة أشهر الأولى.. لكن بعد ما يقرب من العامين أي نصف فترة رئاسية، فهذا كلام يبدو لي من خلاله أن الرئيس بدأ يصنع لنفسه مبررات واهية لأسباب فشل ربما يراه صوب عينه.

خامساً: الرئيس يقول إنه فشل في التعامل مع الشباب.. وتلك هي المشكلة.. فهو يتكلم على الشباب وكأنهم فئة مهمشة أو طائفة تبحث عن شيء ما.. ولا يرى أن الشباب هم الشعب، الشباب الذي يشكل 65٪‏ من الشعب أي غالبية الشعب تتعامل معهم الدولة بمنطق غريب لا يوجد في أي مكان بالعالم..
فالشباب في كل دولة هم أصحاب البلد هم الطبقة الفاعلة وليس المفعول بها أو لها، الشباب هم كل شيء في أي دولة.. وللأسف لن يكون هناك أي جديد في علاقة السلطة بالشباب طالما تنظر لهم الدولة تلك النظرة المغلوطة التي تصدر من خلالها للشباب أنهم عبء على الدولة.. دولتنا في وادٍ والعالم كله في وادٍ آخر.. وستظل الدولة تبحث عن سبل التعامل مع الشباب ولن تجد إلا عندما تقر أولاً بأن الشباب هم الدولة وهم الأولى بكل شيء بداية من القيادة وليس نهاية بالعمالة المدنية.

أقولها وأفوض أمري إلى الله.. لا خير في هذا النظام مهما أفرطنا في تفاؤلنا، ولا تنتظروا منه جديدًا في العامين القادمين.. فكروا في البديل من الآن كي يكون جاهزًا للقيادة بعد عامين، ولا تضيعوا مزيداً من الوقت، كفى ما ضاع وكونوا على أتم استعداد قبل الضياع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.