المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حليم بركات  Headshot

قبل أن تفضحكم مذكراتكم..

تم النشر: تم التحديث:

في عالم موازٍ هو ستينيات عبد الناصر التي يُقال عنها في عالمنا هذا "الستينيات وما أدراك ما الستينيات" على سبيل التهديد والوعيد، كان يرتكب نظام عبد الناصر جرائم كبيرة باسم الوطن، فباسم الوطن كل شيء مباح عند النظام، منها ما كان في العلن وأغلبها بالقطع كان في الخفاء.. وللأسف لم تعد تلك الجرائم على الوطن بالنفع، بل كانت تُستغل لأغراض شخصية.. وكانت نتيجتها ما حدث في الخامس من يونيو/حزيران 1967 التي سماها نظام عبد الناصر "نكسة".. لكنها في الحقيقة كانت هزيمة مدوية كشفت خبايا وكواليس فشل الحكم الذي كان يسوقه عبد الناصر للناس على أنه نجاحات وإنجازات في شتى المجالات ويلقي بالخطب الرنانة التي تدغدغ مشاعر البسطاء.

لا يُنكر على عبد الناصر بعض الإنجازات.. سواء كانت مصانع أو توزيع أراضٍ أو السد العالي.. ولكن للأسف كانت جميعها في بدايات حكمه، وسرعان ما استغل ثقة وحب الناس أبشع استغلال.

(١)
كأي ديكتاتور.. كانت هناك حالة من الكراهية وصلت إلى الخوف بين عبد الناصر والديمقراطية.. الديمقراطية خطر على النظام الديكتاتوري لكن كي يؤمن المواطنون بالخطورة يجب أن يوضع الوطن في الجملة، فتصبح الديمقراطية خطراً على الوطن، الديمقراطية ستُعيد الاحتلال ومن ثم ستعيد الإقطاعيين وتضيع مكتسبات الشعب من الثورة.

يقول الرجل الذي استفاق مبكراً من غفوته ودخل في صدام كبير مع عبد الناصر -خالد محي الدين- في مذكراته "والآن أتكلم" أن جمال عبد الناصر طلب من أعضاء مجلس قيادة الثورة تكوين تنظيم سري للتخلص من الإخوان والشيوعيين وطبقة الباشوات الرجعية.

وقال: إن عبد الناصر كان ضد الديمقراطيه على طول الخط.. وإنه هو الذي دبر الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة وفي جروبي وفي مخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة، وإنه اعترف لـ بغدادي وكمال حسين وحسن إبراهيم أنه دبر هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية وللإيحاء بأن الأمن سيهتز وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية.. وأكثر من ذلك هو الذي نظم إضراب العمال الشهير في مارس 1954، وإنه هو الذي أنفق عليه وموَّله.. وقال لي عبد الناصر بالحرف: هذا الإضراب كلفني أربعة آلاف جنيه (وهي تساوي بسعر اليوم أربعمائة ألف جنيه).

بهذه العقليه التآمرية كان عبد الناصر يدير شئون مصر ويفجر القنابل وينظم الإضرابات ثم يبحث عن متهمين وهميين يعلق في رقابهم التهم والشبهات.. جرائم تليها جرائم وكلها باسم الوطن.. ولم يقل لنا أحد حتى الآن أي وطن استفاد من تلك الجرائم القذرة!

(٢)
لكل نظام ديكتاتوري مجموعة من الخدم.. معظمهم يخدمون من أجل منافع لهم، وقليل منهم يخدمون بوازع الوطنية وفي رأيي هذا النوع الأخير هم الأكثر خطورة على الوطن، لأن هؤلاء في الغالب ما يكونون من أصحاب السمعة الطيبة عند الناس، ووجودهم في بطانة النظام يُطَمْئِن الناس.. لكن سرعان ما تندمج المسميات وتلتحم المفاهيم عندهم ويصبح الوطن والنظام كتلة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، وهنا يبدأ التطرف في الخدمة ويصبح ما يريده النظام بالنسبة إليهم هي إرادة الوطن.

كان لنظام عبد الناصر مجموعة من المؤمنين والمخلصين له بوازع الوطن.. حتى وصل بهم التطرف إلى أن يكون عبد الناصر بالنسبة لهم هو الوطن، بقاء النظام بقاء للوطن، خدمة النظام خدمة للوطن، معارضة النظام عداء للوطن.

في فيلم "كشف المستور" الذي من وحي مذكرات حقيقية للمؤلف "وحيد حامد" والمخرج العظيم "عاطف الطيب" كانت تعمل الغانية "سلوى شاهين" التي تقوم بدورها الفنانة "نبيلة عبيد" فى خدمة المخابرات العامة فى اصطياد بعض الشخصيات السياسية المهمة والتوجه بهم لغرف النوم من أجل الحصول على معلومات مهمة، وهذا كان فى عصر مراكز القوى بالستينيات، ثم اعتزلت المهنة المدنسة وتزوجت من أستاذ جامعي وطبيب شهير لتعيش كسيدة مجتمع فاضلة بعد إغلاق صفحة سوداء من تاريخها.
لكن بعد 20 عاماً تُفاجأ سلوى باستدعاء رئيس الجهاز "فاروق الفيشاوي" ليطلب منها القيام بمهمة جديدة ولمرة واحدة مع أحد الدبلوماسيين العرب الذي عرفته على الفراش منذ أكثر من 20 عاما وأصبح سفيرا لبلاده بالقاهرة وصهرا لرئيس هذه الدولة، من أجل الحصول على معلومات جديدة، لكن سلوى ترفض بعد أن اعتزلت الدعارة، فيضغط عليها رئيس المخابرات الجديد بشريط فيديو عن نشاطها السابق ويهددها بتسليم صور منه لزوجها وطلابه وأصدقائه.

يفاجأ زوج سلوى بطلبها المباغت للطلاق ويمنحها حريتها لتسدد حساباً مع الماضي، تبحث سلوى عن المسئول السابق الذي كان يديرهم في المخابرات حتى تعثر عليه بعد أن تُقابل نماذج عديدة من نساء المخابرات السابقات وقد نالت كل منهن نصيبها وتموت سلوى بأيد مجهولة.
كان المسؤول السابق هو الفنان "يوسف شعبان" ودار بينهما حوار كان هو المشهد الرئيسي للفيلم:

مسؤول المخابرات: ما كنتش بغشك ولا بخدعك، أنا كنت مؤمن إن كل حاجة بنعملها كانت فى سبيل الوطن، كانوا بيسموني جنرال السراير، ماكنتش بزعل، جنرال، زيها زي المدفعية وزي المدرعات، ده كان اعتقادي الراسخ وقتها، لا أنا كنت قواد رخيص ولا إنتوا كنتوا بنات ليل.. كلنا كنا فاكرين إننا بنخدم الوطن.. حتى اللي عذبوا الناس فى السجون كانوا فاكرين إنهم بيخدموا الوطن، في ناس كتير ماتت في مغامرات هايفة.. وأكيد ماتوا وهما فاكرين إنهم بيخدموا الوطن.. دايماً أعظم لحظة فى الوجود هي لحظة اكتشاف الحقيقة.. اللحظة اللي أنا بتمناها لناس كتير.. هي لحظة ما يكتشف إنه حمار!
سلوى: ممكن أعرف سيادتك حمار ليه؟
مسؤول المخابرات: لأن الحمار بس هو اللي يصدق إن الوطن ممكن يستفيد من العمليات القذرة.
سلوى: يعني كل الكفاح اللي كافحناه على السراير ماجبش أي نتيجة!

في معظم الحالات تأتي لحظة الشعور بالاستحمار هذه بعد فوات الأوان وقد سبق السيف العذل ويصبح الندم والتراجع مجرد كلمات تُكتب في المذكرات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.