المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جودة Headshot

الرعب من بلوغ سن الثلاثين

تم النشر: تم التحديث:

اليوم يوم ميلادي؛ حيث أتممت 29 عاماً، لم يكن اليوم مثل السنوات السابقة التي كنت أفرح فيها وأحتفل نوعاً ما بيوم ميلادي؛ حيث أدركت سؤالاً لا أدري كيف لم أدركه من قبل، لمَ قد يحتفل الإنسان بيوم ميلاده؟ ببلوغه المزيد من العمر، باتجاهه نحو النهاية، لا أدري كيف لم أدرك من قبل أن الإنسان منذ أن يولد وهو في سباق نحو الفناء، منذ أول لحظة يترك فيها بطن أمه وينزل إلى الدنيا يكون قد وافق ضمنياً على دخول السباق، ولكنه ليس سباقاً نحو جائزة ما تنتظره عند خط النهاية، بل هو سباق نحو الموت، هذا السباق ليس مع أشخاص مثله في نفس مستواه الجسدي والذهني أو مهاراته ولياقته، بل هو سباق مع الزمن، ودائماً وأبداً يكون الزمن هو الفائز وينهزم الجميع أمامه!

في فيلم "Jupiter" كانت هناك حضارات على كوكب غير الأرض، ولكنهم كانوا يريدون استخدام سكان الأرض كمصدر لإمدادهم بأغلى شيء في الوجود وهو الزمن، وهي فكرة قريبة مما طرحه "بول ديفيز" في كتابه الأسطوري "الدقائق الثلاث الأخيرة"؛ حيث كان يقول للفتاة الأرضية "Jupiter" بأن "الحياة هي فعل استهلاكي"، فلكي يحيا البعض، يجب أن يُستهلك البعض الآخر، وكان يستخدم البشر كأنهم مصادر للطاقة مثلما نبحث نحن عن البترول والغاز ونستخدمه، كذلك كانوا يستخدمون البشر لتفريغهم من الزمن الذي يملكونه والحصول عليه لأنفسهم.

الفترة من سن 20 إلى 30 تعتبر من أسرع الفترات التي تُسرق من عمر الإنسان، قد لا تكون قاعدة وقد لا يوافقني الجميع في ذلك، ولكنني ظللت طوال 9 سنوات متوقفاً عندها بذهني عندما كنت على وشك بلوغ العشرين، وقد اعتدت على تذكر الأحداث العشرينية على أنها قد مرت بالأمس أو أمس الأول، فكأنني بالأمس التحقت بالجامعة، وكأنني بالأمس تركتها واخترت العمل، وكأنني بالأمس سافرت واضطررت للعمل مع بشر في منتهى السوء والأذى، وكأنني بالأمس تركتهم والتحقت بعمل آخر كان نقطة مهمة في حياتي، وكأنني بالأمس تركته والتحقت بعملي الحالي بالصدفة والقدر والذي كان نقطة فارقة، وكأنني بالأمس راسلت زوجتي لأقابلها لأول مرة في حياتي، وكأنني بالأمس أحببتها وتزوجتها، وكأنني بالأمس أنجبت ابنتي تالا، وكأنني بالأمس رأيتها في عامها الثاني، حتى استيقظت اليوم فزعاً مثل أهل الكهف وقد بلغت 29 عاماً في حين آخر ما كان في ذاكرتي أنني بالأمس كنت فتى عشرينياً!

في رائعته "أهل الكهف" كان "توفيق الحكيم" يحاول وصف حالتهم عندما استيقظوا ووجدوا أنفسهم في كهف مظلم، وتذكروا أنهم بالأمس لجأوا إليه هاربين، ويصف ذلك الرعب حينما تحسس كل منهم شعره ولحيته، وذلك الفزع حينما أدرك كل منهم أن هناك خطأ ما في حساب الزمن، حتى ازداد فزعهم عندما خرج أحدهم ليشتري لهم طعاماً بنقود مضى عليها أكثر من 300 عام، فرآه فارس ففر منه هرباً وكأنه رأى ميتاً قد بُعث من موته، ولم يكن منهم بعدما أدركوا أنه ليس زمانهم إلا أن عادوا إلى الكهف ليموتوا فيه؛ لأن الحياة كانت مستحيلة بالنسبة لهم، لم يصمدوا أمام قهر الزمن طويلاً، وتلك هي عادته مع من لم يدركه أو يحاول إدراكه، يهزمه الزمن ولا يبالي.

تُعد من أكثر الأمور المحبطة بل أكثرها هو الشعور بعدم تحقيق شيء، تستطيع أن تباهي الزمن حينما حين يوقظك من نومك ويخبرك أنه قد بلغ منك مبلغاً لم تدركه، وهذا الشيء الذي لم يستطِع المرء تحقيقه لا ندري ما هو! وفي مكالمة صوتية طويلة مع صديقي الذي وُلد في نفس اليوم الذي وُلدت فيه، وكل منّا يحاول أن يتحدث مع الآخر من زاوية مختلفة، ولكن الاتفاق كان على أن السنوات مرّت ولم يحقق المرء شيئاً، وبرغم أنني حققت بعض الأشياء في بعض الجوانب التي يتمنى تحقيقها، وقد حقق هو أشياء في جوانب أخرى لم أتمكن أنا من تحقيقها، ولكن كلانا قد شعر بقوة الزمن الذي لم ندركه، وقوته التي تتجلّى في الخيارات والقرارات والتي لا يسمح الزمن للمرء بأن يتوقف له قليلاً حتى يختار ويقرر، ولكن قد تتوقف أنت وتنتظر، ولكن الزمن لا يتوقف ولا ينتظر، وإن لم تمر أنت من خلاله بمر هو من خلالك، لتستيقظ ذات مرة وتجد أنك لا تستطيع أن تنظر في عيني الزمن وتخبره أنك حققت ما تريد خلاله، وأنك سبقه، أو على الأقل كنت نداً له.

في سؤال كنت قد طرحته على Quora حول ذلك الذي كتبته وقرأته أنت بالأعلى حتى وصلت إلى ذلك السطر، فأخبرتني أحدهم أن الأمور لا تقاس بمقياس واحد ولا يُنظر إليها من زاوية واحدة، ولكن حياة المرء يُنظر إليها ككيان كامل يحتوي على بعض الأمور الجيدة وبعض الأمور السيئة، بعض الأمور الكاملة وبعض الأمور الناقصة.

في الفترة القصيرة التي يعيشها المرء عليه أن يوازن النظرة بين ما هو جيد وما هو سيئ في حياته وبين ما هو كامل وما هو ناقص وبين ما حققه وامتلكه وبين ما أخفق فيه ولم يدركه، فلا هو يرضى ويتكاسل بما اكتمل وما تحقق فيهزمه الزمن ويتركه عند نقطة قديمة فيتخطاه وهو لم يتحرك من هناك، ولا هو يقضي حياته مُكدر النفس على ما نقص منها ولم يتحقق فيهزمه الزمن ويتركه عند نقطة لم يبلغها، ولكن بمحاولة محاذاته والسير معه ومحاولة -نعم هي محاولة- الاستمتاع بلحظاته القصيرة، وقد يكون ذلك بأن يعيش المرء كل وقت في وقته المناسب، والوقت المناسب دائماً لتحقيق ما نود تحقيقه هو الآن!

تقول Marianne Williamson: "الله هو الوحيد الموجود في الأزل، والنقطة الوحيدة التي يلتقي فيها الزمن بالأزل هي الحاضر، فالحاضر، هو الوقت الوحيد المتاح!".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.