المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جودة Headshot

في ذكرى - لا مؤاخذة - الثورة!

تم النشر: تم التحديث:

استيقظت من النوم، وبينما أبحث عن الهاتف لأتصفح فيسبوك أو أفتح البريد الإلكتروني، أتكاسل قليلاً، أرى الكثير من المنشورات والصور عن الثورة وذكرياتها وأحداثها، والأمل في إمكانية استعادتها، واليأس من طرح فكرتها من الأصل.

وبينما أنا كذلك، وجدت ابنتي تالا بجانبي، نائمة كأجمل ما يكون الإنسان النائم، قفزت في رأسي أبيات أمل دنقل "كيف ترجو غداً لوليد ينام.. وهو يكبر بين يديك بقلب مُنكّس؟"، وكأن عقلي ربط بين هذه الذكرى وابنتي النائمة، فترجم ذلك الربط إلى بيت الشعر هذا!

تنظيف الميدان:

لم أكن يوماً ثائراً، كنت دائماً شخصاً مطيعاً وأقول أكثر الكلمات التي يحب سماعها الآباء والأمهات في البيوت، والمدرسون في المدارس، والمديرون في العمل (نعم وحاضر)، وكنت في أثناء الثورة في 2011 أعمل في إحدى القرى السياحية بشرم الشيخ، كنت قد كرهت الزحام والدخان والإزعاج، وكرهت المشكلات والصخب، ففكرت في أبعد مكان يمكنني العيش والعمل فيه فكان جنوب سيناء، وتحديداً شرم الشيخ، وكنت لا أترك شرم إلا في الإجازات وسرعان ما أعود إليها.

ومع اندلاع الثورة، رغم أنني كنت أتابع الأحداث فقط عبر التلفاز أو الإنترنت، فإنني كنت أعيش حالة داخلية من الهيام بما يحدث، كنت أشعر أنني منفصل عن العالم، كنت أشعر أنني عُرج بي إلى السماء لأرى ما لا يراه أحد، كنت مهتماً بكل التفاصيل التي تحدث وكل الأخبار التي تذاع، كنت كثيراً ما أصمت، وكثيراً ما أبكي، وكثيراً ما أهيم على وجهي، أتخيل المستقبل المشرق الذي يصنعه أقراني من أجلي ومن أجل كل مَن يتابعون عن بُعد مثلي.

وفي أول إجازة، وصلت إلى القاهرة في الخامسة صباحاً، لم أذهب إلى البيت، ولكن توجّهت إلى الميدان، وكانت الأحداث الجسام قد مضت، ولم يكن هناك إلا شباب يقومون بالتنظيف والدهان والترميم، فقلت هي فرصتي إذاً لأشارك في صنع المستقبل، وظللت أشارك معهم في التنظيف بكل حماس وسعادة، وكأنني فارس أسطوري يطوي الزمان والمكان محارباً، ثم جلست بعدها أكتب بعض الخواطر.

محمد منير:

كنت في ذلك اليوم في إحدى الغرف (نطلق عليه استوديو) أقوم ببعض الصيانة، وكان التلفاز يعمل حتى لا يفوتني أي حدث، وفجأة توقف الزمن، وظهر عمر سليمان على الشاشة يتلو تلك الكلمات الخالدة التي أحفظها عن ظهر قلب، وترن في أذني وكأنه يلقيها الآن "بسم الله الرحمن الرحيم، أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان"، وهنا لم أجد نفسي إلا ساجداً لله، يرتعد جسدي من جلال اللحظة، ولم أسمع إلا صوت بكائي من الفرح، وصوت محمد منير وهو يغني "إزاي ترضيلي حبيبتي؟ أتمعشق اسمك وانتي.. عمّالة تزيدي في حيرتي ومانتيش حاسة بطيبتي إزاي؟.. مش لاقي في عشقك دافع.. ولا صدق في حبك شافع.. إزاي أنا رافع راسك وانتي بتحني في راسي إزاي؟!".

وظللت أردد معه هائماً، أطير بخيالي إلى المستقبل، لأرى كيف ازدهر التعليم، وكيف تم تقدير العلم والعلماء، وكيف ساد العدل، وكيف ضُرب الفساد والظلم، وكيف حكم الشباب وأصبحوا يديرون أمور الدولة، وكيف نربي أطفالنا على الحرية وحب الوطن والموت في سبيله وبنائه، وكيف أصبح الواحد منّا يظل محتفظاً بالورقة في يده طول الطريق ليلقيها في سلة القمامة حتى لا يلقيها في الشوارع التي طهرتها دماء الشهداء، فنخاف أن نلقي ورقة في مكان قد يكون مر منه شهيد، ونخاف أن نسب أو نتلفّظ بالسوء في مكان قد يكون مر منه شهيد، كانت كل هذه خيالات أو سمِّها أوهاماً عن المستقبل!

لا مؤاخذة الثورة:

اليوم، حين أتحدّث مع أحد من عائلتي أو أصدقائي أو زملائي في العمل عن تلك الأحداث والذكريات، تجد أحدنا يقول للآخر، ذكرى -لا مؤاخذة- الثورة، اليوم يجب أن نقول: "لا مؤاخذة"، قبل كلمة الثورة، يقولها أحدنا للتعبير عن الاعتذار؛ لأنه لم يشارك فيها ولا قبلها ولا بعدها، ويقولها الآخر أسفاً؛ لأنه شارك فيها وآلت الأمور إلى ما هي عليه الآن، ويقولها أحدهم حنقاً لشهيد فقده في أحداثها، سواء كان صديقاً أو أباً أو ابناً أو أخاً، ويقولها أحدهم خوفاً من أن يسمعه أحد من الذين "ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم"، وأقترح أيضاً أن تُدرج كلمة "لا مؤاخذة" في الكتب المدرسية التي تتحدّث عن الثورة، وكذلك كتب التاريخ والبرامج الوثائقية.

ربما كان هناك الكثير ليُسرّي الشعب عن نفسه في ذكرى اليوم الأول من الثورة، تكون هناك تخفيضات في أسعار دخول بعض المتنزهات، وكانت هناك مباراة بين مصر وغانا، وربما أجدني أحاول التسرية عن نفسي أيضاً مع النصف الآخر من الشعب، نعم النصف الآخر! قد تكون كثرة استماعي للخال "الأبنودي" في "أحزانه العادية" قد طبعت في نفسي هذا المعنى، ولكنه رغم ذلك أجده يُسرّي عني حين يقول بصوته الحزين "إحنا شعبين.. شعبين شوف الأول فين؟ والتاني فين؟ وادي الخط ما بين الاتنين بيفوت، انتم بعتم الأرض بفاسها.. بناسها، في ميدان الدنيا فكيتوا لباسها، بانت وش وضهر، بطن وصدر، والريحة سبقت طلعة أنفاسها، وإحنا ولاد الكلب الشعب، إحنا بتوع الأجمل وطريقُه الصعب، والضرب ببوز الجزمة وبسن الكعب، والموت في الحرب، لكن أنتم خلقكم سيد الملك، جاهزين للملك، إيديكم نعمت من طول ما بتفتل وبتفتل ليالينا الحُلك"!

حين أحكي لابنتي تالا عن أحداث -لا مؤاخذة- الثورة في المستقبل وتسألني ما معنى لا مؤاخذة؟ سأقول لها اقرئي تدوينتي "في ذكرى -لا مؤاخذة- الثورة" وستفهمين.

وسأخبرها أنه ربما لم تنجح تلك الثورة، ولكن هناك شيء ما تغيّر فينا، لا أدري ما هو؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.