المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جودة Headshot

في ذكرى الهجرة.. أزمتنا مع البخاري

تم النشر: تم التحديث:

وبينما أكتب هذا المقال، فقد علمت من زملائي في العمل أن غداً إجازة رسمية؛ لأنه يوافق رأس السنة الهجرية. الأمر بالنسبة لي أكبر من مجرد يوم لن أذهب فيه إلى العمل وأجلس في البيت أشاهد أفلاماً عن الهجرة "ولو أنني سأذهب لأستمتع بالطريق خالياً وهو نادراً ما يحدث!" أتعلم؟ الأمر أكثر تعقيداً بكثير!

1438 عاماً مضت على هجرة النبي من مكة إلى المدينة كخطوة أساسية في بناء الدولة الإسلامية وانتشار ووجود دين يُسمى الإسلام حتى اليوم وإلى أن يشاء الله، هكذا أخبرونا، نعم هكذا أخبرونا! وما يدرينا أنها كانت خطوة أساسية؟ وما يدرينا أنها كانت منذ 1438 عاماً تحديداً؟ وما يدرينا أن ما يُحكى لنا كل عام قد حدث بالضبط كما يُحكى؟ هل ركب أحدهم آلة الزمن وسافر إلى تلك الفترة الزمنية التي كان النبي يعيش فيها ونقل لنا ما حدث؟! أعلم ما ستجيبني به، ستخبرني بأن القرآن والسنة أخبرونا بما لم نرَه وما لم نعاينه بأنفسنا، معك في أن ما أخبرنا به القرآن قد حدث، فقد تكفّل الله بحفظه حتى تجد الطفل الصغير يحفظه كاملاً ويتلوه بكل دقة بكل كلمة بكل حرف بكل علامة تشكيل.

أما ما يسمونه السنة فهي أقوال وأفعال تُنسب للنبي أخبر بها فلان عن فلان عن فلان، وما يدرينا أن فلاناً هذا لم ينسَ، لم يكذب، لم يضِف أو يحذف، لم يخطأ حتى دون قصد، أليس بشر؟ كم مرة سمعت قولاً لا يتفق مع العقل أو المنطق وقالوا لك هذا حديث نبوي شريف؟! أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اله "أين هذا من سماحة الدين وحرية الاختيار؟" إذا وقعت الذبابة في إناء أحدكم فليغمسها وليشرب "أين هذا من النظافة المعروف بها النبي وصحابته؟" وغيرها الكثير والكثير مما لا يقبله عقل ولا منطق فضلاً عن أنه قد يتنافى مع آية في القرآن، فكيف تخبرني أن النبي قد قال أو فعل هذا وتطلب مني أن أصدقك لمجرد أن فلاناً نقله عن فلان عن فلان عن فلان؟!

لطالما أرّقتني هذه المشكلة؟ وحيّرتني تلك الأسئلة، لا أزعم أنني كنت مُجدّاً في بحثي عن إجابات، ولكن لعلي وصلت إلى نقطة كدت أرفض فيها أي شيء يقال عنه حديث فأُريح واستريح ومعي القرآن يكفيني فيه "من كل مثل"، وبمحض الصدفة وجدت أحدهم يتكلم عن كتاب يناقش هذا الأمر يسمى "أزمة البخاري"، وأنه كتاب مُبسط للعوام من أمثالي، وما هي إلا أيام حتى بدأت في قراءته، وفي الحقيقة لا أزعم أنه حلّ كل المشكلات لديَّ أو أجاب عن كل أسئلتي، ولكنه حلّ كثيراً منها، خاصة تلك المتعلقة بأن ما يُسمى حديثاً صحيحاً قد قاله النبي فعلاً أم لا؟ وما نسبة احتمال ألا يكون قد قاله فعلاً؟ ولكن ظلت معي مشكلات وأسئلة أخرى أعتقد أنها فقهية وعقدية أكثر منها في السنة والأحاديث، قد أشارك بعض حيرتي فيها في مقالات لاحقة، وقد أفصحت عن إحدى هذه المشكلات التي لديَّ من قبل في مقال " ماذا لو كفرنا ثم عُدنا أكثر إيماناً" والذي أخبرني أكثر من شخص بعده ناصحاً ألا أفكّر بهذه الأمور؛ لأنني على طريق الإلحاد، فتوقفت، ليس عن التفكير فيها بل عن الإفصاح عنها.. حتى حين!

البخاري:

"الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله وسننه وأيامه" هذا هو اسم الكتاب المشهور بصحيح البخاري والذي كتبه محمد بن إسماعيل المولود في مدينة بخارى عام 194 هجرياً، من اسم الكتاب يظهر أنه يجمع فيه أحاديث عن النبي - بمنهجية معينة - وقد جمع وكتب الحديث غيره المئات من الأئمة، سواء قبل كتابه هذا أو بعده، ولكن ما تفرّد به البخاري أو كان له السبق فيه أنه أول من جمع الأحاديث الصحيحة فقط في كتاب.

منهجية جمع الحديث:

ببساطة، ما نتناقله نحن أو نكتبه على السوشيال ميديا وما نهتم به بشكل أساسي هو متن الحديث مثل "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ومن الذي قاله؟ النبي، وكيف عرفنا أن النبي قاله؟ كان هناك صحابي اسمه "س" مع النبي فسمعه فأخبره لآخر "ص"، فنقله "ص" إلى "ع" ثم نقله "ع" إلى "ل" وهكذا في سلسلة متصلة من الناقلين حتى وصل إلينا، وهذا يسمى الإسناد، وهؤلاء الرجال "س - ص - ع - ل" ليسوا أي رجال، ولكن هناك شروط علمية محددة لا نقول شديدة بل يمكنك القول إنها شروط قاسية لقبول رواية أحدهم "لا يتسع المقام لذكرها

ولكن يمكنك البحث والقراءة بنفسك أو شاهد هذا الفيديو البسيط إذا كنت كسولاً مثلي!" وبصفة عامة هناك 5 شروط ليقال على حديث ما إنه صحيح وهي: "أن يكون متصل السند - أن يكون الرواة عدولاً - أن يكونوا ضابطين - انتفاء الشذوذ - انتفاء العلّة"، وكأن هناك دائرة كهربية موصل بها مصباح و5 مفاتيح على التوالي، فلن يضيء هذا المصباح إلا إذا كانت كل المفاتيح في وضع "On"، أما لو حقق الشروط الثلاثة الأولى فقط يسمى صحيح الإسناد، ولكن الحديث الصحيح يجب أن يحقق الشروط كاملة. وبالتالي إذا كان هناك شرط واحد لم يتحقق فالحديث ليس صحيحاً يسمونه حديثاً مردوداً "ضعيفاً أو موضوعاً"، وهناك أنواع وتصنيفات كثيرة تحت هذا الاسم.

وبناء عليه، فعلم الحديث بل والعلوم التي تفرعت منه أو ارتبطت به علم أكاديمي يتبع الأسلوب العلمي، وإذا أردنا أن نقارنه بعلم شبيه به لنعلم مدى اتباعه واعتمادة الأسلوب العلمي أم لا فهو علم التاريخ، وفيه تفصيلات كثيرة، ولكن قد وضّح لي الكتاب في الحقيقة أن علم الحديث يتبع - بل يفوق - الأسلوب العلمي الحديث في علم التاريخ، وذلك بشهادة أكثر من متخصص في التاريخ مثل أسد رستم وعبد الرحمن بدوي.

صحيح البخاري أصح الكتب بعد القرآن:

مثل أي علم له منهجية علمية محددة لا بد أن يكون هناك من تميّز في هذا العلم، وفي علم الحديث هناك البخاري، كما ذكرنا سابقاً؛ لأنه أول من جمع الأحاديث الصحيحة فقط في كتاب واحد، ولأن علماء الحديث بعده على مر العصور كلما درسوا منهجيته واختبروا تطبيقه والتزامه بالشروط العلمية لجمع الحديث، وجدوا أنه أفضل من قام بذلك على أكمل وجه، ومع الوقت حدث إجماع على ذلك، ورغم ذلك فهناك أيضاً انتقادات لبعض أحاديثه من الأئمة الكبار مثل الدارقطني، وبالتالي فهو بشر هناك من انتقد القليل من أحاديثه، ولكن انتقدها بناء على أسلوب علمي، ونتيجة خضوع عمله لكل هذه الدراسات والتمحيصات ظهر تميزه وتمكّنه واتباعه للمنهج العلمي الصحيح، مما أدى إلى ذلك الإجماع على كتابه.

وبالتالي، فإذا كانت المنهجية التي اتبعها البخاري والتزم بها هي الأقوى، وإذا كان كلما تعرض كتابه للدراسة والاختبار مرّ منها بالإقرار بتميزه وتفوقه على جميع من جمع الحديث، فإن انتقادك لصحيح البخاري والمنهجية العلمية المتبعة في جمعه هي انتقاد لعلم الحديث كله والسنة بكاملها؛ لأنه الأقوى والأميز بين من جمع الحديث، فإذا كان الأميز والأسبق مخطئاً فما بالك بالأقل منه؟!


أين المشكلة الآن؟

ببساطة يا صديقي وبعد قراءتي لهذا الكتاب الذي حاولت أن أختصر ما فهمته منه، فالمشكلة الأساسية ليست الآن في أن الحديث الفلاني قد قاله النبي فعلاً، أو أن العمل الفلاني قد قام به النبي فعلاً؛ لأن ذلك أصبح واضحاً ومبيناً في الكتب التي جمعت الحديث بناء على منهجية علمية محددة التزمت بها وعلى رأسها صحيح البخاري. إذن، فمشكلة أن القول الفلاني قد قاله النبي فعلاً أم لا قد وجدنا لها حلاً. وبالتالي فمن الآن عليك أن تتحقق من كل قول يقال عنه حديث أن تذهب لتبحث في صحته أولاً، فإذا وجدته صحيحاً "في درجات الصحة" فهو صحيح وقد قاله النبي فعلاً، وإن لم يكن فلا تشغل نفسك به ولا تنشره، وإذا وجدت أحدهم يقول لك قال رسول الله كذا كذا، قل له: أين وجدت هذا الحديث؟ وما مصدره؟ وفي أي موقع أو أي كتاب قرأته؟ ثم ابحث عن مصدره بنفسك.

ولكن المشكلة الآن، في أن هذا القول الذي الفلاني أو الفعل الفلاني الذي قاله أو فعله النبي فعلاً هل عليَّ أنا أن ألتزم به؟ هل عليَّ أن أطبّقه؟ وهل يتناسب مع العصر الذي أعيش فيه؟ لا تفهمني خطأ من فضلك! أعلم أنه علينا أن نلتزم بكل ما قاله النبي فعلاً وتأكدنا من صحته كما نلتزم بآيات القرآن، ولكن أقصد هنا بعض الأمور التي فيها اختلاف في تطبيقها وحكمها، فالنص واحد سواء آية من القرآن أو حديث شريف، ولكن التفاسير والتأويلات تختلف في بعض الأمور، فكيف يلزمني أحدهم أن أتبع تفسيره هو وفهمه هو محتجاً عليَّ بقوله هذا كلام الله أو هذا كلام نبيه..

أتعترض؟! نعم لأن هذا هو فهمك أنت وتفسيرك أنت لكلام الله وكلام نبيه! وما زلت أذكر ذلك الفيديو الذي كفّر فيه الشيخ وجدي غنيم الدكتور زويل -رحمه الله- مستدلاً بآيات من القرآن وأحاديث صحيحة، وفي الحقيقة هو استدل بفهمه وتفسيره هو للآيات والأحاديث، فطلب مني أن أحكم على الرجل بالكفر، وأن ألعنه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.