المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

حريم السلطة الرابعة

تم النشر: تم التحديث:

تجتمع المرأة بالصحافة في طريق محفوف بإشراقات الأمل وفرسان الكلمات، بين ضعاف النفوس الخانعة، وظلام العقول القاصرة، تودع طفولتها، وتأتي بأنوثتها، تضع أقدامها على أول الطريق، تسير بلا خوف، تقود حلمها نحو الواقع، قد تغترب عن موطنها، قد تعتزل الأهل والأصدقاء، قد لا تعيش حياة كالمرأة، كأي امرأة، ولكنها اختارت أن تكون "صحفية" من حريم السلطة الرابعة!

"لا خلاص للمرأة إلا بالنضال والأمل" كلمات تفوهت بها أول امرأة تقتحم الصحافة تعمل بأجر ثابت، إنها أمينة السعيد، رئيس تحرير مجلة "حواء" ثم "المصور"، وهي أول امرأة منتخبة كعضو في مجلس نقابة الصحفيين ثم وكيل للنقابة، كانت أمينة السعيد تعترف بالفضل لرجلين: الأول الأب، من غرس فيها مبادئ الكفاح والمثابرة، والثاني الزوج، الذي وقف يساندها ويؤمن بأفكارها، ويؤمن بها كإنسان له الحق في النجاح وتحقيق أهدافه، فالمرأة تحتاج إلى رجل يقدر دورها ولا يقلل من شأنها، يحترم عملها ويحترم أهدافها الطامحة إلى تحقيقها، وكما أن الحياة مشاركة بين طرفين يحملان همومها معاً، فكذلك العمل يحتاج إلى تكامل بين جميع مكوناته من أفراد وأقسام تتعاون لإنجاح المؤسسة وإعطاء الجميع حقه ليس لكونه ذكراً أو أنثى، وإنما لكونه مجتهداً.

يزداد عددهن ببلاط صاحبة الجلالة، تثابر وتبدع، لم تترك مجالًا بين أروقة الصحافة إلا اقتحمته بقوتها الناعمة، ولكل منهن طموحها وهدفها الساعية وراءه، فهذه المغتربة بلا أب لها في الحياة تطمح لتكون رائدة في صحافة الطفل، وهذه تسعى لتكون رئيس تحرير جريدة كبرى، وهذه تتخذها معبراً لبداية الوصول إلى شاشات الفضائيات، وهذه تقضي وقتها تنتظر الزوج المنتظر لتترك المهنة على الفور، وهذه تريد أن تصبح نقابية ومصدراً لإسعاد الناس ومساعدتهم وليست مجرد ناقلة للخبر.

يجتمع دورهن بطبيعتهن الأنثوية، وتختلف مقاصدهن، ليصطدمن بأحلام وأهداف الجنس الآخر الطامح أيضاً لما يطمحن إليه، ليجد الرجل زميلته بنفس الخبرة والإمكانيات ولكنها الأحق بالترقية أو التعيين، وينظر إليها آخر على أنها الصديقة المقربة لرئيس التحرير، وهي المدللة عند مثيلتها مديرة التحرير، تلاطف أطفال مدير قسمها، وتداعب بابتسامة عينيها ألباب الحالمين، لتصل لمبتغاها، أو لتستغل طبيعتها المتفردة في شيء تراه عادياً وحقاً أصيلاً لها، بينما يتباطأ ويتأخر تحقيق الأحلام لتلك التي ما زالت متمسكة ببعض المبادئ والقيم وتحافظ على حدود العلاقات واحترامها، ولا تسعى للوصول سوى باجتهادها وعملها واحترام المحيطين لها.

سلسلة من المواقف تتعرض لها على مدار سنوات، بين ابتزاز وانتهاك واستنزاف وتسفيه و"حك"، إما أن تخلق منها كياناً قوياً وجبلاً لا يسقط إلا فوق هامات المتلاعبين بها، وإما أن تستنزف منها تلك البقايا الجميلة التي تميزها كأنثى لتجعل منها وجهاً شاحباً إذا نظرت إليه رأيته مفعماً بالحيرة والهموم وشتات الطريق، تكمن المفارقة في الوضعية التي ينظر إليها رفقاء المهنة، بين نظرة رجعية لامرأة تلد وتجيد فنون الطبخ لتسمين البطون، ونظرة انحلال تتهم المتأخرة عن بيتها لساعات الليل أو المتحررة في أفكارها أو مظهرها بأنها مجرد "بنت سهلة"، يسعى للظفر بها، أو أن وجودهن مقيد لفجاج الألفاظ وكبت لحرية التهريج.

العديد يقعن فرائس زيف الكلمات وتسهيل الطموحات، في ذلك الوسط المليء بانعدام الضمير في خلق الأخبار الكاذبة، أو انعدام الأخلاق لصنع أخبار دعائية لرفع نسب المبيعات باللعب على الإثارة والجنس، والتشهير بسمعة البعض بتفجير قضايا ليست حقيقية أو انتهاك خصوصية، وتسبح المرأة منفردة تربط في جيدها حبال المسؤولية، ليجرفها التيار نحو الهاوية، أو لتقود دفة مصيرها نحو ما تريده دون كلل أو ضعف، مهما اشتدت فوق أنوثتها تلك الأمواج المتلاطمة.

عزيزتي صاحبة الجلالة، إن الطامحات ببلاطك لكواكب المجد، ما هن جوارٍ يلعبن أدوار حريم السلطان، ولا مكملات لشيء امتهنّه ترفاً لترفعهن عن قضاء أوقات "الشوبنج" و"الميك أب" والمهاتفة لساعات مع الصديقات، إنهن الناطحات لأعالي السحاب، والمنشغلات بقضايا المجتمع، والمهتمات لأحوال البسطاء، أضاءت بقلمها وتن العقول، وانتصرت بعاطفتها لأصحاب الحوائج، وهي "شهيدة الصحافة" لنقل الحقيقة في تغطية الخبر، لم تجف دماؤها! عفواً صاحبة الجلالة، إنهن أميرات السلطة الرابعة، ولكن النظرة لجلالتك "شمال".