المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

المصحح اللغوي بين أحضان صاحبة الجلالة

تم النشر: تم التحديث:

تمر عيناه فوق الكلمة والحرف، مرورًا سريعًا يصحبه تركيز شديد ونظر ثاقب، فخطأه ملحوظ، وإجادته تتوارى خلف بريق الأخبار، هو ليس بصانع الخبر، وليس بواضع العنوان، ولكنه يبقى أسير قواعد وضوابط لغته العربية التي يجلس من أجلها يحميها من عبث الكتّاب، وأخطاء المحررين بحقها.

هنا تنتقل مهنة المصحح اللغوي من كونها مهنة "مابتأكلش عيش" إلى اعتبارها "رسالة" يحملها من يؤمن بها ويغير على لغته، فأولى بصاحب الرسالة ألا يجعل غاية اهتمامه الكسب المادي من وراء إيمانه برسالته، ولكن مع كثرة الالتزامات، والتهميش الذي يقع أحياناً على المصحح اللغوي ظنًا من البعض أن كل دوره "الهمزات"، ومع كثرة الأخبار وتراكمها وقلة المصححين، ينصرف الكثيرون عن تحمل هذه الرسالة التي لم يعطها أحدٌ قدرها، لا العاملون بها، ولا المسؤولون عنها.

في البداية يصطدم المصحح بضعف الراتب، والذي هو حال الصحافة في مصر عمومًا عند البدايات، فإما راتب بلا تعيين، وإما تعيين بلا راتب، وإما لا راتب ولا تعيين، وإنما مجرد وجاهة، ثم يصطدم بمدير التحرير يأتيه مهرولًا ليعنِّفه على خطأ مر من بين عينيه ليمسح به بلاط صاحبة الجلالة، ثم يجد المصحح نفسه في مهنة لا مستقبل لها فندُر ما تجد رئيسًا أو مدير تحرير كانت مهنته الأولى التصحيح اللغوي، رغم أن جميع الأقسام بمختلف أشكالها وتنوع أساليب كتَّابِها، تمر أمام عينيه، فالمصحح هو الجندي المجهول خلف آلاف الأخبار المكتوبة، وهو الصامت الهادئ العالم ببواطن الأمور من حول، ومع طول الممارسة بين أحضان صاحبة الجلالة يصبح على علم بتفاصيل أروقتها وفنونها.

ذات مرة تقدم أحد الحاصلين على درجة الماجستير في النحو للعمل بمهنة التصحيح اللغوي بأحد المواقع الإلكترونية، فأخذ الاختبار وكان العنوان (ورحل الإمامين)، فتركه كما هو على خطئه، وبعدما فرغ من الاختبار سأله المشرف: لماذا تركت العنوان هكذا؟ فنظر إلى العنوان فأجابه: لم ألحظ الخطأ! فتم رفضه بالوظيفة بسبب (كلمة)..

فالمصحح اللغوي ليس كأي فرد يعمل بالصحافة، فبإمكانه تعلم أي مهنة بين جدران الصحافة بسهولة، ولكن من الصعب أن يتقن أحدهم مهنته، فهو صاحب موهبة خاصة ليست فقط دراسة نظرية وإن طالت مدتها، وإنما يستلزم سرعة تطيبق ما درسه واستحضار أكبر كم من المعلومات اللغوية في أقل من الثانية مع قوة ملاحظة ودقة وشدة تركيز وجودة نظر، وهذه قدرة بشرية لا تقوم بها آلة حديثة، أو برنامج إلكتروني ضخم..

فالتصحيح عمل بشري يحتاج إلى موهبة ودراسة، لأن المصحح (مش بتاع همزات) إنما ينظر الأخطاء النحوية، والصرفية، والمعجمية، والدلالية، والإملائية، بل وقد يمتد عمله لينقذ زملائه من كوارث في اختلاف المسميات بين العنوان والمتن، أو اختلاف الصور مع موضوع الخبر، أو الأخطاء العلمية، أو التواريخ.. إلخ، وبهذا يمتد عمله إلى خارج نطاق اللغة ليكون هو الحارس الأمين بالمؤسسة الصحفية التي يعمل بها.

ومع هذا نجد حتى المسمى الوظيفي (محرر)، وليس مصححًا لغويًا، فنقابة الصحفيين لا تعرف المصححين إلا كونهم محررين، وبعض الصحف قد لا تستعين بمصححين، إلا إذا احتدمت الأزمات وأصبحت مرئية للجميع.

فلماذا لا يتم تأسيس رابطة لاتحاد المصححين اللغويين، تكون تابعة لمَجْمَعِ اللغة العربية مثلاً، وتصبح مركزًا لكافة أعمال التصحيح اللغوي، تؤَمِّن لصاحب هذه المهنة مستقبله، وتضمن له طموحه في الترقي داخل إطار اختصاصه، وتكون هي المُصَدِّر لجميع الصحف التي تطلب مصححين، فتصبح درعًا واقيًا لأصحاب هذه الرسالة، تحتضن المصححين اللغويين، لتنقذهم من أحضان صاحبة الجلالة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.