المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

مجتمع الأخلاق الضائعة

تم النشر: تم التحديث:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لا أعتقد أن حافظ إبراهيم حين كتب تلك الكلمات كان المجتمع في عصره أسوأ حالا مما نحن عليه، فإن كانت الأخلاق آخذة نحو الاندثار والتخفي وراء أعمدة طواغيت هذا الزمان، فلم يعد الجانب الأخلاقي هو الحاكم لهذا المجتمع.

.. الأخبار !
يمكنك أخذ جولة سريعة مع المواقع الإخبارية لا سيما أخبار الحوادث، وبتحريك عجلة "الماوس" يكفيك قراءة العناوين من الخارج، ستجد ما ينبئك بأن هذا المجتمع لم يعد يعنيه هل هو في شهر رمضان هذا الشهر الجليل بما له من قداسة وتنزيه عن باقي شهور العام، أم في داخل مسجد لإقامة الصلوات لرب الأرض والسماوات، فالجرائم أصبحت تُرتكب في نهار رمضان وبين جدران المساجد، وقد تسبب الكثير من تلك الأخبار حالة من الغثيان والاشمئزاز.

.. التواصل الاجتماعي !
قد يكون حربًا اجتماعية وليس تواصلا اجتماعيا، فالشحناء متوهجة والتربص دائم على أتفه الأشياء وأهمها، فالأمر يبدأ دوما بطرح للرأي، ونحن في مجتمع لا نحب إبداء الرأي، أو لا نحترم تنوع الآراء، فتتحول المسألة من نقاش حول رأي ما، إلى سباب ومقاطعة وتلاعن حتى بين الأصدقاء، الجميع يتصارع لإثبات أنه الأصح حتى وإن ثبت العكس، وكل شيء مكتوب بصفحة كل شخص على مواقع التواصل وكذلك مكتوب في صحيفته يوم يلقى ربه، ربما سيجد كثيرا لم يكن ليرغب في رؤيته، وسيعلم أنه لا شيء كان يستحق كل هذا الهراء.

.. المسلسلات والبرامج !
إذا كنت من هواة الإمساك "بالريموت" والتنقل بين القنوات الفضائية، فأنت الأقرب إلى واقع افتراضي ترسمه لك المسلسلات والبرامج، هذا الواقع عبارة عن غابة تمتلئ بالأفاعي والثعالب والذئاب، هدفها خبيث يقدم لك السم في العسل، ويزرع بأرض الخواء الفكري والثقافي والأخلاقي قيم الخيانة والكذب والبلطجة والخداع وقتل الإنسانية والضحك على معاناة إنسان بين نيران الموت، الجميع يتسابق من أجل الحصول على أعلى نسب المشاهدات وأكثر نسبة من الإعلانات، والضحية مجموعة من المشاهدين انحدروا في بئر انعدام الضمير وضياع الأخلاق.

.. الشوارع والمقاهي !
الجميع دون استثناء مضطر رغمًا عنه للسير والتجول بين الشوارع ومخالطة الناس، ستسمع سب الدين في نهار رمضان، وسترى مجموعة من الشباب يتمعنون النظر إلى الفتيات من أعلى إلى أسفل، وستركب "المكروباص" مع سائق يمسك بسيجارته وأنت صائم، وستتعامل مع بائع يزيد سعر بضاعته أضعاف قيمتها الحقيقية، وستقف بين زحام الناس بعربة المترو لترى الصغير يتعارك مع العجوز، وتسمع الشتائم بين الناس لأن أبواب المترو ستغلق وما يزالون عالقين بين الرصيف والعربة، وستجد متسولاً يتفنن أنواع المسكنة لممارسة مهنته في الشحاذة، وستسمع كلمة كثيرا ما تقال على ألسنة أبناء الشعب الواحد: "أنتم شعب متخلف".

لا تتأخر المجتمعات إلا بتأخر عقول أبنائها، ولا تنحدر الأخلاق إلا بضياع التربية، فعندما يخبرنا الله تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} نطمئن إلى أن التغيير ممكن ولكنه مسئولية هؤلاء الذين ضيعوا الأخلاق بأيديهم، والرسول يعلمنا بأن كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وخطورة الأخلاق أنها ليست فطرية وإنما مكتسبة، لذلك فهي مسئولية الأسرة عند التربية، ومسئولية المدرسة التي يخرج إليها النشء ويطل منها إلى المجتمع ليحمل هو الآخر مسئولية زرع الأخلاق في أرض البشر.

"ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة الصوم والصلاة" هذا من قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن حتى الدين أخذنا منه المظهر وتركنا الجوهر، أصبح الدين مجرد صور نراها في وجوه أصحابها، وليس أخلاقا نجدها عند المعاملات، تغيب الابتسامة وهي أبسط ما يتصدق به الإنسان على أخيه الإنسان، وتحل مكانها دناءة النفوس وسوء الخصال والطباع.

وكما لكل ليل فجر، فلكل ضائقة فرج، ولكل عسر يسر، ولن تشتد الأزمات إلا وتتبعها الانفراجات، مازالت النفوس السليمة وأصحاب الأخلاق النيرات تحيط بنا لتخبرنا أن العالم مازال بخير، ويقبع خلف كل ظلام خيوط من نور، وإذا أردنا أن نعرف السبب والحل فيما وصلت إليه أخلاقنا، فعلينا أن ننظر جيداً إلى المرآة ونراجع أنفسنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.