المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

محمد جبريل.. وقصة عشق

تم النشر: تم التحديث:

كنت طفلاً صغيراً أعشق من الأشياء أجملها، لا يشغلني سوى البحث عن كل ما هو جميل وعذب ورائق، أقف أمام مكتبة أبي الزاخرة بالمئات من أشرطة الكاسيت، لم يتجاوز عمري العشر سنوات، تقع عيناي على أشرطة أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وكارم محمود، مروراً بنجاة ووردة وصباح وفريد الأطرش وغيرهم من المطربين والمطربات، ومن بين كل ذلك يستوقفني الأجمل.

شريط مكتوب عليه "دعاء ختم القرآن لعام 1999 للقارئ محمد جبريل"، مددت يدي لأستخرج الشريط من بين أقرانه، أضعه داخل "المُسجل"؛ ليبدأ معه الصوت خافتاً ثم يرتفع تدريجياً قائلاً: "صدق الله العظيم، وبلَّغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين، ولما أوجب وألزم غير جاحدين، والحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم...." بنبرة حزينة انكسر لها قلبي، واسترقت من الدموع ما جعلتني أستمع بطمأنينة وخشوع يأسرني بجمال صوته، وأعدت سماعه مرة تلو الأخرى حتى أصبح هذا الشريط رفيقي اليومي لأستيقظ على سماعه وأنام على صوت الراحة التي يبثها في نفسي.

من هنا كانت البداية لقصة عشق لصوت قارئ القرآن الأشهر في العالم الإسلامي، إنه محمد محمد السيد حسنين جبريل المعروف بمحمد جبريل.

استتبعت تلك اللحظة بالبحث مرة أخرى داخل مكتبة والدي، لأجد شريطاً آخر عنوانه: دعاء ختم القرآن لعام 1997، سمعته حتى حفظته بكلماته وطريقة أدائه، ولا أزال أسمعه بلا ملل وفي كل مرة كأني أسمعه لأول مرة.

أحببت هذا الصوت وقادني فضولي لأعرف من صاحب الصوت، هل له تسجيلات أخرى؟ هل هو صديق لوالدي وأهداه هذا الشريط؟ أم أنه شخص معروف كهؤلاء القراء الذين تربيت منذ صغري على سماع أصواتهم عبر إذاعة القرآن الكريم أمثال: محمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود علي البنا، ومصطفى إسماعيل.

بدأت أبحث عن محمد جبريل؛ لأجد صوته يزين المكتبات الإسلامية، وكأني عثرت على كنز ليس كأي كنز، هذا المصحف المرتل كاملاً مكتوب عليه القارئ الأول في مسابقة القرآن الكريم للعالم الإسلامي بمكة المكرمة تم التسجيل بمسجد عمرو بن العاص بالقاهرة عام 1990، تلك العلبة ذات القطيفة الحمراء جعلت من مصروفي اليومي وقفاً لها حتى أجمع سعرها لأشتريها، أصبح عندي المصحف كاملاً برواية حفص عن عاصم بصوت هذا القارئ الذي عشقت صوته.

سمعت محمد جبريل ذات مرة يقول: إن "القارئ كالحالب، والسامع كالشارب"، وكلما سمعت شريطاً اشتاق قلبي ونادتني روحي لأسمع المزيد، ثم المزيد والمزيد، ولا أشبع، ولا أتوقف عن طلب المزيد، فبدأت أستحضر كل تسجيلات قارئي المفضل، وكلما رأيت أمامي شريطاً مكتوباً عليه اسم محمد جبريل اقتنيته دون أدنى تفكير، حتى جمعت كل ما فاتني عن هذا القارئ الذي أصبح الملهم والقدوة، ومن أجمل قدوة من أهل القرآن وحملة كتاب الله بين قلوبهم.

في اللحظة التي يعلن فيها صوت مذيع إذاعة القرآن الكريم عند نقل شعائر صلاة الفجر بأنه سوف يَؤمّنا في الصلاة فضيلة الشيخ محمد جبريل، يعلن معها قلبي سعادة ليس كمثلها سعادة، لأسرع نحو المسجل وأضع شريطاً فارغاً، وأضغط زر التسجيل، جبريل على الراديو فكيف أفوت تلك اللحظة؟!

وصلت المرحلة الثانوية وظهرت مقاهي النت "السايبر"؛ ليكون أول دخولي إلى عالم النت هو الموقع الإلكتروني للشيخ محمد جبريل، وكلما خرجت من المدرسة توجهت إلى "السايبر" لأضع سماعات الرأس بأذني وأفتح موقع jebril، حتى أنهيت كل المواد المسموعة والمرئية والمقروءة على الموقع، هي لحظات لا أنساها، فكمّ السعادة التي كانت تغمرني أقوى بكثير من أن تُنسى.

يأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2000، فأذهب فقط كي أشتري آخر إصدار للشيخ محمد جبريل لآخر دعاء لختم القرآن وليلة القدر، فكل دعاء له يختلف عن الآخر في الكلمات والأداء والحالة التي يبعثها هذا الصوت إلى داخل القلب، فما خرج من القلب لن يصل إلى أي مكان سوى إلى القلب مباشرة بلا واسطة أو دليل.

شدة الحب تجعلك ترى من تحب في يقظتك وأحلامك، كانت الرؤيا التي حفظت على أثرها سورة البقرة كاملة لأول مرة، عندما رأيت محمد جبريل يُقرئني سورة البقرة بصوته وأنا أردد من خلفه، وكأني أرى الآية الأولى في بداية كل صفحة من سورة البقرة رأي العين، لأستيقظ بعدها وأبدأ في حفظ سورة البقرة لأنهي حفظها كاملة في أسبوع واحد وهي السورة الأطول في القرآن، إنها بركة القرآن وحب أهل القرآن.

كل مرحلة في عمري كان لها مع محمد جبريل ذكرى وقصة، فكما الطير في السماء يفرد جناحيه في ملكوت الله، يطير قلبي فرحاً واستبشاراً إذا رأيت محمد جبريل على شاشة التلفزيون المصري، وكل برنامج رأيته يظهر فيه يمثل لي وجبة دسمة تشبع الروح لفترة إلى أن يتجدد اللقاء.

في عام 2002 وقد بلغت من العمر 14 عاماً، كانت المرة الأولى لي التي أصلي فيها بالفعل خلف محمد جبريل، لأذهب منذ الظهيرة ليوم مشهود في جامع عمرو بن العاص يأتيه الناس من كل مكان، اليوم سيقف محمد جبريل ساعة أو أكثر أو أقل قليلاً يناجي ربه ومولاه، ومن خلفه مئات الآلاف مؤلفة القلوب على حب القرآن، تؤمن على دعاء محمد جبريل الذي تهتز معه أعمدة المسجد العتيق كما تهتز القلوب في الصدور، إنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، تلك الليلة التي نلتمس فيها ليلة القدر، ودمعت العينان عندما أبصرت محمد جبريل لأول مرة على بعد خطوات مني، يتقدم ليؤمَّ المصلين، والمحبون مثلي وأكثر مني يقفون على أطراف أصابعهم، لترحب قلوبهم بقدوم من أحبوه ويتلهفون لسماعه بعد لحظات.

وجال بخاطري هاتف يسألني، إن كانت تلك السعادة برؤية محمد جبريل فكيف السعادة إذا رأيت النبي الكريم سيدنا محمد في الجنة، وما قيمة الجنة إذا حُرمت من رؤيته صلى الله عليه وسلم، وأهل القرآن على خطى النبي يسيرون، يلتمسون الوصول لمرافقة الرسول.

منذ ذلك الوقت والقلب يذهب قبل الجسد إلى كل مكان يوجد فيه محمد جبريل لأصلي خلفه، لتتواصل بعدها السنوات ولم أنقطع عن الصلاة خلفه في تلك الليلة حتى آخر ليلة عام 2015 عندما تم منعه من الإمامة بمصر بعدها، وكنت قبلها بوقت قصير قد التقطت الصورة اليتيمة لي مع محمد جبريل تلك الصورة التي تمنيتها كثيراً بل وحلمت بها، ولم أحظَ بها إلا بالسنة الأخيرة التي شهدت وجود محمد جبريل بمصر، في رحاب جامع عمرو بن العاص.

سبحان من ميَّز الإنسان بالعقل والتفكير والبحث، ليعرف الحق من الباطل، ويعلم الغث من السمين، إلا أنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فبأي ذنب منعوه؟! لم يكن المنع لمحمد جبريل فحسب، بل كان المنع لقلوب محبة حرموها من الوقوف بين يدي الله بسماع هذا الصوت الذي قل أن يأتي مثيله، قد تجد أصواتاً أجمل وأقوى وأطول نفساً، وأكثر تنغيماً.

لكنك لن تجد تلك "الكاريزما" الخاصة بقارئ القرآن التي يتأثر بها الشباب، والتي حبا الله بها محمد جبريل ليلتف حوله الملايين، وليتميز عن جميع القراء ويصنع لنفسه بصمة ورونقاً إذا بحثت عنه في بستان القراء وجدت عبقاً يأخذك إليه بطلاوته وجماله كالماء العذب الزلال ينساب إلى القلب كشلال النهر يحمل فيض آيات القرآن العظيم إلى أعماق قلبك.

تلك قصة عشق ترويها نبضات قلب عانقتها آيات القرآن وأدعية خرجت من قلب حمل القرآن بين نبضاته، أكتبها لكل من لا يعرف من هو محمد جبريل، وكيف أثر في قلوب أجيال وأجيال، أرادوها للهو والغناء والتعلق بنجوم الكرة والفن، أرادوها بلا هوية للإسلام وبلا انتماء لأهل القرآن وأهل الحق، وإن كانت النجوم في السماء لهداية الحيارى في الفيافي الشاسعة، فمَن الأحق بأن يكون نجماً؟! نريد نجوم القراء، ونريد نجوم الدعاة، ونجوم الاقتصاد والطب والهندسة واللغة والفيزياء والكيمياء.. فهؤلاء هم النجوم ولكنها في سماء الفتن خافتة، لا يدرك قيمتها إلا من كانت له قصة عشق نشأ بها وحملها معه طيلة عمره ليهتدي بها إلى الجمال الحقيقي بعيداً عن فتن الدنيا ومُضِلَّاتها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.