المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

في قفص الإخوان المسلمين

تم النشر: تم التحديث:

قد يكون المتسبب بغرق مركب رشيد هو المناخ التشاؤمي الذي تخلقه جماعة الإخوان المسلمين أثناء وجودهم بالمعتقلات أو تحت القبور، ولمَ لا يكونون هم المسؤول عن هجرة المصريين بطرق غير شرعية خارج البلد هرباً من بطش الإخوان وإرهابهم!!

إذا أردت معرفة المتسبب في التفجير "الفشينك" الذي نجا منه مساعد النائب العام، فيمكنك توجيه السؤال إلى برامج التوك شو المصرية، فالجميع سيأخذ ذهنك إلى إجابة مفادها "الإخوان المسلمين".

الإخوان هم قوم من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، ليسوا كائنات خارقة مجنحة هبطت علينا من الفضاء، أينما وقعت أي كارثة أو مصيبة، خرج علينا الإعلام بمبرراته وبراهينه الخزعبلية، ليثبت أن المتهم هم الإخوان؛ لذلك استبدلت عبارة في قفص الاتهام، بكلمة الإخوان، فتلك الكلمة أصبحت في حد ذاتها هي الاتهام.

منذ فترة مضت وقف الدكتور باسم عودة وزير التموين الإخواني الأسبق خلال محاكمته، متسائلا لماذا أنا هنا؟ وما تهمتي؟، يا دكتور باسم يكفي أنك انتميت لجماعة الإخوان وتوليت منصباً بعهد رئيس إخواني، فتلك أكبر من أي تهمة.

نجح الإعلام منذ اليوم الأول الذي قررت فيه جماعة الإخوان الترشح لانتخابات الرئاسة في أن يجعلوا من الإخوان تهمة، وتمكنوا باستخدام أساليب عرجاء، أن يلصقوا بكلمة الإخوان مجموعة من الأفكار والصور الذهنية السلبية، يخيل للمشاهدين من تضليلهم أن كل خائن وسارق وقاتل وكاذب وفاشل وغبي ومضطرب نفسياً ومخادع وخبيث وعميل وجاسوس وشارب خمر وعربيد وأقبح الصفات التي عرفتها البشرية إنما هو إخوان.

المحزن في الأمر، أن الإخوان ما هم إلا أشخاصاً طبيعيين يعيشون بيننا، منهم الأقارب وزملاء العمل أو الدراسة وجيران المنطقة، وجميعنا يعرف أفراداً من الإخوان، وهم ليسوا ملائكة أو شياطين، هم بشر يصيبون ويخطئون، منهم العلماء وأساتذة الجامعة والمثقفون وأصحاب الرأي والعمال والطلبة والموظفون، ومع هذا نجح إعلام التضليل وسياسة التفريق، أن تشككنا في مصرية كل من ينتمي لتلك الجماعة، وكأن هذا الشخص الذي نعرفه منذ عشرين عاماً أو أكثر تحول فجأة وأصبح كما يلقيه الإعلام من تهم.

صعدت الأزمة إلى قمة اشتعالها بالنفوس، حتى وصلت بنا أن نرى من يشمتون ويفرحون في موت أبناء وطننا، رأينا مفتي الدولة الأسبق يبيح دماءهم، أصبحنا نتمنى الأذى والضرر والقتل والمذلة والتجويع والتشريد لإخواننا في الوطن، نعم، فهم شاء من شاء ورفض من رفض مكتوب أعلى بطاقاتهم الشخصية جملة "جمهورية مصر العربية"، والمصريون على مدار التاريخ لم يشهدوا تلك الفرقة والانقسام التي تهدد أمن الوطن، ولا نجد من يطيِّب آلام الثكلى واليتامى والمكلومين، ويجمع ولا يفرق، ويعلن الوحدة بين أبناء الدولة الواحدة حتى نصبح دولة حقيقية، وليست كما زعموا شبه دولة، بسبب تلك السياسات الهدامة والمتغطرسة.

بعدما وصل هذا البغض المجتمعي والشيفونية القبلية الحمقاء لهذا الحد، تجاوز الأمر جماعة الإخوان، ليوضع في قفص الإخوان، كل من يدافع عن حقهم، أو يتعاطف معهم، أو يرى أنهم قد تعرضوا للظلم والاستباحة، بل وأصبح قفص الإخوان ممتلئاً بكل من ليس على هوى السلطة الحاكمة، وكل من يعارض أو ينتقد سياسات الرئيس والحكومة، وقد يتم تصنيفي لكلماتي تلك بأني من الإخوان، وتلك حجة العقول المظلمة، والأفهام القاصرة.

جميعنا شاهد تلك الأعداد التي وقفت غاضبة لإسقاط الرئيس محمد مرسي في ميداني رابعة والنهضة، لم تكن بالأعداد القليلة، لنا أن نتخيل لو أعلنت جماعة الإخوان المسلمين إعلاناً صريحاً برفع السلاح لاسترداد الحق المغتصب وحقهم في شرعية صندوق الانتخاب، كيف كان المشهد إذا حمل مائة ألف فقط من جماعة الإخوان السلاح، وتحولت ميادين مصر إلى ساحات للاقتتال والحرب، إن من يتم اتهامهم كل ساعة بتفجير الكمائن وأعمال العنف ليس هناك دليل مادي واحد على أنهم من الإخوان، ولو ثبت ذلك فيجب محاكمة الفاعل، ولكن معظم من يتم القبض عليهم يكون بعد ارتكاب الجرائم، عن طريق الاشتباه، أو عن طريق الإلصاق الفوري والجاهز لهم عن طريق قضاة الفضائيات بمحاكم القنوات.

أنادي أصحاب العقول والفهم، إلى متى سنظل دولة يكره أبناؤها بعضهم، إلى متى سنظل تماثيل يسهل نحتها بيد حكامنا يشكلوننا كيفما شاءوا، ليتم استخدامنا من أجل مصلحتهم، المأساة ليست في دول تتمزق وشعوب تقتل بعضها، إنما المأساة بداخلنا، نحن من نصنع الفراعنة، ونحن من نسلم عقولنا للتلاعب بها والتحكم بمصائرنا، ونحن من نشاهد الظلم ونصمت، ونقتل إنسانيتنا بأيدينا.

الدولة لن تقوم إلا على أرض المصالحة بين الجميع، والمخطئ أياً كانت صفته ومن أي طرف تسبب في إثارة الفتن والكراهية والانقسام، تتم معاقبته بالقانون، ولن تسترد الدولة عافيتها إلا بالعدل الذي يزين جدران ساحات القضاء بكتابة قوله تعالى: "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ"، هذا العدل الذي إن طال غيابه عن دولتنا فسيقود الجميع إلى قفص الإخوان المسلمين وبذات المصير.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.