المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

علمتني "أولمبياد ريو"

تم النشر: تم التحديث:

كأي متابع لأولمبياد ريو دي جانيرو 2016 شاهدت الألعاب الأولمبية، استوقفتني بعض اللقطات التي تعلمت منها دروساً للحياة، وليس فقط على المستوى الرياضي، تلك الحياة التي تتشابه فيها المواقف بشكل مباشر مع التنافس الأولمبي لأعظم بطولة على سطح الأرض تمثل صراعاً لاستظهار إمكانيات القوى العالمية بين الدول الكبرى كأميركا وبريطانيا والصين وروسيا كبديل للحروب العالمية تثبت الدول قوتها من خلال التنافس الأولمبي في حصد أكبر عدد من الميداليات تحفر أسماء أبطالها في سجل التاريخ.

ما أستطيع قوله إن الإمكانيات المادية ليست وحدها صانعة الأبطال الحقيقيين، فمهما بلغ الإنفاق على تلك الألعاب فلن يصنع البطل إلا ثقافة الانتصار وروح المنافسة والإصرار على تحقيق التميز وتحطيم الأرقام القياسية بجهد بشري يصل إليه الإنسان كي يحقق أهدافه في مجالات الحياة المختلفة.

"1"
لا تنشغل بإمكانيات منافسيك بل انشغل بإمكانياتك..
اللاعب البرازيلي الصغير "تياغو دا سيلفا" في لعبة القفز بالزانة ينافس اللاعب الفرنسي "رينو لافينييه" الفائز بذهبية أولمبياد لندن وصاحب الرقم الأعلى في القفز بالزانة، اللاعب الفرنسي كان يبدو على وجهه الثقة الشديدة بسهولة الفوز وضعف إمكانيات المنافسين، وأن الميدالية محسومة من البداية لصالحه، فمن المستحيل أن يتمكن منافسوه من تحقيق قفزة أعلى منه؛ لأن ذلك يعني تحطيم الرقم الأولمبي في القفز، ولكن البرازيلي يفاجئ الجميع ويحمل زانته ليقفز مسافة 6.03م محطماً الرقم الأولمبي ليحفر اسمه بين أساطير اللعبة بتسجيل رقم جديد، تاركاً البطل الفرنسي عند 5.98م ويضعه في حرج شديد؛ حيث يتطلب الأمر أن ينافس على تحطيم الرقم الأولمبي، ولكنه يفشل في ذلك، ليعلن فوز البطل البرازيلي في مفاجأة أبهرت الجميع.

لم يضع البطل الفرنسي في حسبانه أنه ينافس البطل الذي بداخله، والذي قد فاز بنفس الميدالية من قبل، ولكنه اهتم بقدرات المنافسين من حوله، كذلك فإن اللاعب البرازيلي لم ينشغل بأنه أمام أقوى المنافسين، لكنه دخل ليتحدى إمكانياته وقدراته الشخصية بتحقيق رقم لم يصل إليه منافسوه، وهكذا تحقق الفوز.

""2
قاتل حتى اللحظة الأخيرة من أجل الوصول لهدفك..
في مشهد مؤثر سيستمر في ذكرى كل من شاهده، في سباقات 400 م سيدات كانت العداءة الباهاماسية "شوناي ميلر" في مقدمة السباق حتى وصلت لآخر الأمتار لتلحق بها العداءة الأميركية "أليسون فيليكس"، ويبدو على شوناي التعب في آخر السباق، وكاد المركز الأول يضيع منها في اللحظة الأخيرة، ولكنها قاتلت من أجل الوصول لهدفها، وقامت بإلقاء جسدها لتجتاز خط النهاية، وهي تطير فوق الأرض بفارق 7 أجزاء من الثانية فقط عن منافستها الأميركية، وتفوز بالميدالية الذهبية، وسط تصفيق الجميع.

وفي مشهد آخر للعداءة البحرينية "روث جيبيت" في سباق 3000 م موانع سيدات، كانت من البداية وكأنها تنافس نفسها، فالفارق بينها وبين أقرب منافسيها كان بعيداً، لكنها جاءت قبل خط النهاية بثوانٍ وتباطأت؛ لأنها ضمنت الوصول للهدف محققة زمن 8 دقائق و59 ثانية، ولو قاتلت حتى اللحظة الأخيرة كانت ستسجل رقماً عالمياً جديداً باسمها والذي كان يفصلها عن تحقيقه أجزاء من الثانية، ولكن عدم قتالها حتى اللحظة الأخيرة حرمها من ذلك.

""3
تكرار الفشل لا يعني الهزيمة فمحاولة واحدة ناجحة تكفي للفوز..
لا تيأس إذا فشلت جميع محاولاتك كي تحقق ما تريد، فربما في محاولة واحدة ستنجح، هذا ما فعلته "ساندرا بيركوفيتش" الكرواتية في لعبة رمي القرص، فاللعبة عبارة عن ست محاولات، ويتم احتساب المحاولة الصحيحة لأبعد مسافة يتم وصول القرص إليها، وتفشل البطلة الكرواتية في جميع محاولاتها الخاطئة، بينما منافساتها تحقق محاولات صحيحة، وتفاجئ ساندرا الجميع بتحقيق محاولة واحدة صحيحة محققة أبعد مسافة تتجاوز بها باقي اللاعبات بالوصول إلى مسافة 69.21م، مبتعدة عن أقرب منافساتها بمسافة 4 أمتار تقريباً، لتحصد الميدالية الذهبية بمحاولة واحدة صحيحة.

اليأس لا يعرف طريقه إلى نفوس أصحاب الإرادة والإيمان بقدراتهم، وليس له مكان بقلوب أيقنت بقدرتها على الوصول إلى ما تريد، فكلما فشلتَ فانهض وحاول من جديد، فما دمت تستمر في المحاولة، فالنجاح أكيد.

"4"
صدق حلمك فالطموح ليس له حدود..
هل لك صورة وأنت طفل صغير مع أحد المشاهير؟ لماذا لم تفكر يوماً بأن تصبح مثلهم؟! قد يكون هذا مستحيلاً أو يعتقده البعض نوعاً من الخيال، لكن السباح السنغافوري "جوزيف سكولينغ" فعل ذلك، فعندما كان عمره 11 سنة، شاهد السباح الأسطوري مايكل فليبس بعد أن حقق وحده 8 ميداليات بأولمبياد بكين عام 2008 وفي نفس العام التقط معه صورة تذكارية، وبعدها بثمانية أعوام من الطموح والتدريب والإرادة يصبح الطفل السنغافوري سكولينغ شاباً بالغاً يمارس السباحة مثل بطله المفضل مايكل فيلبس، ويشارك في أولمبياد ريو 2016، وتأتي لحظة الحلم في سباقات 100م فراشة ويكون من ضمن المنافسين البطل الأسطوري مايكل فيلبس، وبينما يتوقع الجميع فوز فيلبس بالسباق يأتي سكولينغ ليحقق المستحيل ويحطم رقم فيلبس العالمي ويصل إلى صدارة السباق متفوقاً على مايكل فيلبس بزمن قياسي 50.39 ث، ويحرم بطله المفضل من إضافة ميدالية ذهبية أخرى لرصيده في آخر مشاركاته الأولمبية، عندما يصدق الإنسان حلمه سيحطم جميع الحدود أمام طموحه، ويحقق المستحيل الذي لم يتوقعه غيره.

"5"
فاجئهم بما لم يتوقعوا منك فعله..
لا تنشغل كثيراً لما يقال عنك ولما يعتقده فيك الآخرون، فلن يصل بك إلى ما تريد تحقيقه سوى إيمانك بنفسك وبقدراتك، وليس فقط إيمان الآخرين بك.

في سباق 400م يتنافس الكثير من الأبطال المرشحين للفوز بالميدالية، منهم أسطورة الدولة الصغيرة غيرينادا، وصاحب الميدالية الوحيدة في تاريخ هذه الدولة "كيراني جيمس" حامل ذهبية لندن 2012، وصاحب الزمن الأسرع، وهو 43.94 ث، هذا البطل يضع في حسبانه وجود العداء الأميركي "لاشون ميريت" صاحب ذهبية بطولة العالم لألعاب القوى عام 2015 وذهبية أولمبياد بكين 2008، ويبدأ السباق والجميع يتوقع فوز أحد هذين البطلين بأول مركزين، ولكن يظهر اسم جديد ليس له تاريخ أولمبي أو عالمي ويفاجئ الجميع، إنه الجنوب إفريقي "فان نيكرك"، البالغ من العمر 24 عاماً ينفرد بصدارة السباق ويحطم الرقم العالمي بعد 17 عاماً بزمن قدره 43.03 ث، وهو ما لم يتوقعه أحد ويعقِّب البطل الجديد على إنجازه بقوله: "حدودي السماء، فلا يمكن أن أضع لنفسي حدوداً".

"6"
الروح الرياضية أغلى من الذهب..
نفتقد في عالمنا ثقافة المنافسة بشرف، فنلجأ إلى الواسطة في العمل، والمحاباة في الترقيات، وقل من يحترم آداب الخصومة، خلال سباقات 5000م في الدور المؤهل للمرحلة النهائية، تعثرت اللاعبة الأميركية "داغوستينو" بقدم منافستها النيوزلندية "هامبلين"، وسقطت بعد مرور عشر دقائق على السباق، فما كان من العداءة النيوزلندية إلا أن توقفت عن السباق في مشهد أذهل الجميع، لتمد يدها إلى منافستها كي تساعدها على النهوض، تركت السباق ولكنها حظيت باحترام كل من شاهدها، وتقديراً من اللجنة الأولمبية لهذا الموقف أعطوا استثناء كمكافأة للاعبتين للمشاركة في المرحلة النهائية للسباق، فمهما بلغ حلمك وطموحك تعلَّم أن الأخلاق والمبادئ أسمى من كل شيء فلا تعرقل الآخرين في الوصول لأهدافهم، ولكن تعلَّم شرف المنافسة حتى يكون لنجاحك قيمة وسعادة حقيقية.

"7"
"يوسن بولت"، "مايكل فيلبس"..
هذان الاسمان يكفيان لمئات الدروس المستفادة من خلال مسيرتهما العالمية والأولمبية في عالم ألعاب القوى والسباحة، فقد حققا وحدهما ما لم تحققه دول بأكملها في تاريخها على الإطلاق، يوسن بولت العداء الجامايكي في سباقات 100م و200م الذي لم يترك رقماً قياسياً إلا وحطمه، بل وأخذ في تحطيم أرقامه التي يحققها، لم يجعل لنفسه حدوداً لا يتجاوزها بل يفكر دوماً في المزيد وتحقيق الإنجاز تلو الآخر حتى أصبح أسطورة حاضرة في عالمنا لم يأتِ تاريخ تلك السباقات بمثلها ليصبح الرجل الأسرع في العالم، أما مايكل فيلبس أسطورة السباحة على مر التاريخ، لم يعرف اليأس بل ترك كل المنافسين خلفه لينافس أرقامه، وكلما تعثر في حياته نهض من جديد متجاوزا عثراته.

هذان البطلان يخبرانك بأن المستحيل ليس له وجود إلا في حدود تصورك وعقلك الذي يرسم لك الأشياء على غير حقيقتها، بينما داخلك طاقات وإمكانيات كبرى، ستظهر إذا سمحت لخيالك أن يتحرر من قيوده لتصبح أحلامك حقيقة يشهدها العالم.

"8"
أخيراً..
كم أتمنى لو أن مثل هذا المقال يكون ضمن موضوعات القراءة بمناهج التعليم لأبنائنا بالوطن العربي، هذه الدروس التي استنبطتها من بعض لقطات أولمبياد ريو يمكن اعتبارها كمدرسة يأخذ منها الإنسان سبلاً يسلكها كي يصل إلى مبتغاه، فلا تركن إلى ما تقودك إليه الإحباطات من حولك، فبداخلك إمكانيات عقلية وروحية وجسدية خلقك الله بها لتستخدمها لا لتهملها وتحصر نفسك في محيط وجودك الضيق، انظر إلى أعلى وارفع رأسك لتحقق طموحك، وكن على يقين بأنك تقدر، فقط إن أردت بعزم وإصرار، ويبقى توفيق الله الذي لا يأتي من فراغ، هكذا علمتني أولمبياد ريو.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.