المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد غنيم  Headshot

سنوات السيسي العجاف

تم النشر: تم التحديث:

"إنتم إزاي كدا؟.. إحنا ما ناكلش وهنبني بلدنا، إوعي تخافي ولا حد يخاف.. مش هناكل؟! ما ناكلش.. نجوع يعني؟! نجوع.. إيه المشكلة؟! لكن بلدنا بسلام وأمان وبنطلع لقدام والنجاح واضح ولسه هنستمر إن شاء الله"!

كلمات رددها الرئيس عبدالفتاح السيسي لطمأنة المصريين، تلك الكلمات التي كررها في أكثر من مناسبة ومشهد، وكان بدأها خلال فترة الترشح لانتخابات الرئاسة بقوله "مش قادر أديك، هتاكلوا مصر يعني؟! هتموتوها يعني؟!" وكانت تلك هي طبيعة التعامل مع المصريين والتي استمرت فترة توليه الرئاسة، فالمصريون إما أن يتحملوا التجويع وغلاء الأسعار، وإما أن يتهمهم بأهل الشر وعدم التحمل والصبر حتى تصبح مصر "قد الدنيا".

تلك السنوات العجاف التي بدأها بأضغاث أحلام يرسمها ببعض الكلمات على لوحة قلوب الهائمين نحو يوسف الأحلام، وضع الكثيرون فيه ثقتهم وتسليم عقولهم لكل كلمة يقولها حتى وإن كانت عبثاً، ففي ذلك التناقض الفج بين الرغبة في تحمل المصريين للسنوات العجاف، وترديد الحديث عن المشروعات الضخمة والعملاقة وسرعة إنجازها ما ينذر بأن أموراً خاطئة تحدث.

قال تزرعون مليوناً ونصف فدان قمح، فما حصدتم فذروه في صوامعه، ذلك خراب بيوت المزارعين، فليس من مشترٍ وليس من طرق بيع للدولة، والدعم لا يفي بمستحقات المزارعين، فلا قمحاً جنيناً، ولا ربحاً رأينا.

"هتنبهروا لما تشوفوا مصر"!

الانبهار يزداد يوماً بعد يوم، فكيلو الأرز وصل لتسعة جنيهات، وسعر الدجاج وصل إلى سبعة وعشرين جنيهاً، إلى غير ذلك من السلع الأساسية، وكذا سعر الأدوية بزيادة عشرين بالمئة، مع تواصل ترنح سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، فمصر إلى الهاوية الاقتصادية تسير واثقة الخطى.

يتزايد العجز في موازنة الدولة والرئيس يؤكد باستمرار على فكرة التآمر بمصر، ويعاتب المصريين دوماً على عدم تفهم حقيقة الأمور، وعدم إدراك حجم المخاطر التي تحيط بهم، كما يواصل هجومه على الدولة المصرية بأنها ليست بدولة حقيقية فقد كانت على حد قوله "شوية طرق" ولا يوجد بنية أساسية للدولة.

وأنا أتعجب من الكلام عن الدولة وبنية الدولة، هل البنية الأساسية للدولة هي "شوية الطرق والكباري"، أم أن البنية الأساسية هي المواطن المصري، إنْ أكرمته وهيأت له منافذ الإنتاج والعمل، قام بحمل الدولة على أكتافه، فما العائد الحقيقي على المواطن من تلك المشاريع التي يسمع عنها، ولا يراها سوى في ديون الدولة المتزايدة، وتلك الأرقام الضخمة التي تأتي في صور منح من الأشقاء العرب، ومنح من موازنة الجيش، بالإضافة إلى صندوق تحيا مصر، وفي المقابل فإن مصر تتحمل السلف والاستدانة التي سيتحمل تبعاتها وأضعاف فوائدها الأجيال القادمة التي ستتسلم الدولة عاجزة مستدينة بها "شوية طرق وكباري".

تمر السنة تلو السنة، ودموع مصر لا تجف، ولكن نيل مصر يجف كما أعلن ذلك وزير الري، وإن كانت دموع مصر تبكي حال أبنائها، فإن أبناءها لا تتذكرهم الدولة إلا عند طلب الصمود والصبر والتقشف، بينما كبار الدولة وقياداتها وأجهزتها، لا تعرف "جيوبهم" طعم الجفاف، وتستمر زيادة أجورهم ومصادر دخولهم، ونزول المكافأة تلو الحوافز تلو العلاوة، والبسطاء عليهم أن يتحملوا من أجل مصر.

تموت الأسدُ في الغابات جوعاً، ولحم الضأن تأكله الكلاب..

"يا بلدنا يا عجيبة فيكي حاجة محيراني، نزرع القمح في سنين يطلع القرع في ثواني"، هل من العيب أن يتحمل السيد الرئيس ووزراؤه وقضاته ولواءاته من أجل مصر؟! هل من العيب أن يتم تطبيق الحد الأقصى للأجور، ويحمل الرئيس مشروع العدالة الاجتماعية على عاتقه كمسؤولية وإرادة تنفيذ حقيقية ومراقبة المؤسسات وجذور الدولة العميقة التي عادت إلى سابق عهدها وكأن ثورة لم تقم؟!

هل رواتب ضباط الجيش والشرطة والقضاة ومنح ومكافآت الحكومة يتناسب مع تلك الصورة التي ينقلها الرئيس عن التجويع وصعوبة الأحوال الراهنة؟! وهل مشاريع مصر العملاقة والضخمة وهذه الحالة التي سنصبح عليها بعد عشرات السنين لها مؤشرات واضحة وبوادر خير تنبئ بذلك حقاً أم مجرد أضغاث أحلام؟!

إلى متى سيتحمل المواطن المصري مرارة العيش وحده بينما يرى ويسمع تلك الأموال الضخمة التي تنفقها الدولة، ولا يدخل جيبه منها سوى جنيهات لا تكفيه مؤونة يومه وأولاده، ويعيش المصري سنين السيسي العجاف في انتظار عام فيه يُغاث الناس وفيه يَعصرون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.