المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جبريل Headshot

رسام في محاكمة عسكرية!

تم النشر: تم التحديث:

"هو بطبعه حنون جداً، وعاطفي لكن في نفس الوقت عقلاني غير متهور، بار بأهله ومحبوب من العائلة كلها، يحب عمل الخير، وإنساني جداً، كان متطوعاً في دار مسنين ودار أيتام، منذ أسبوعين جاء طفل يتيم في الصف الرابع الابتدائي يسأل عنه في البيت، فقد كان متبنياً لهذا الطفل منذ كان في "اللفة" وقتها كان في الصف الأول الثانوي، بعد وفاة والده في اعتصام رابعة العدوية ظل شهراً كاملاً في حالة من الصمت التام، لأنه كان مرتبطاً به جداً، رغم اختلافهم الفكري، وعندما قال له أنصار مرسي انزل المظاهرات وارفع علم أبيك، رفض وقال أنا ضد الموقف كله، أختاه تحبانه جداً، هما بنت في ثانوي (سلمى) والثانية في إعدادي اسمها (سما) التي تبكي يومياً قبل نومها على غيابه، لكن أخته الكبيرة لا تبكي فهي تستطيع التعبير عن حزنها، تقول سلمى وسما نحن تحملنا غياب بابا بوجوده، لكن كيف نتحمل غيابه هو الآخر، أما أنا فأحاول أن أظهر تماسكي أمامهما، أكتم مشاعري حتى لا أنهار؛ لأننا بالفعل ليس لنا غيره، أما الذين يعرفونه فيتساءلون كيف تم القبض عليه وهو بعيد عن السياسة؟ هو مجرد شاب يحب الخروج والرحلات والأكل ويحب شغله وأصدقاءه فقط لا غير".. هكذا تحدثت والدة عمر محمد علي المعتقل بسجن طرة والذي تتم محاكمته في القضية 174 غرب عسكري.

على حافة الموت منسيون، سجناء لم يعد أحد يهتم بهم رغم خطورة قضيتهم، فقد أصبحت الأحكام بالسنوات الطويلة وبالإعدام من المواضيع التي اعتاد عليها الناس في الأخبار اليومية بمصر، إلا أن خلف المعتاد والروتيني، وخلف الأبراج المحصنة والإجراءات الأمنية المشددة، شيء ما غير مُعلن، هو قصة حياة عادية للغاية.

الظروف التي اعتقلوا فيها غامضة تقريباً فيكفي أن يقال "إرهابيون" حتى يصمت الجميع، وتصبح القضية نسياً منسياً ويذهب المتهمون فيها مع الريح بلا أثر. بعضهم يمتلك القدرة على المقاومة وقليل من الأمل في أن يُعاد النظر في قضيتهم، والباقي في حالة من اليأس المميت. ضمن هؤلاء الذين تتدفأ قلوبهم بالأمل في رؤية الحياة مرة أخرى، طالِب في كلية الهندسة قسم العمارة أكاديمية طيبة، ولد في مدينة جدة السعودية يوم 27 نوفمبر 1992 وجاء مع أسرته إلى مصر قبل دخول المرحلة الابتدائية، التي أتمها في مدينة 15 مايو بحلوان.

كان والده قيادياً إخونياً على خلاف دائم معه، حيث كان عمر شغوفاً بالرسم، محباً للألعاب الإلكترونية وعلى رأسها "البلاي ستيشن"، والفيفا، وشغوفاً بالمسلسلات والأفلام الأجنبية، وعاشقاً للتصوير وأنتج أفلام قصيرة من قبل مع بعض أصحابه، كارهاً للتزمت الإخواني. درس في مدرسة ثانوية عسكرية وتخرج فيها بتفوق وفي 2009 قام المشير طنطاوي بتعيين الأوائل في الثانوية العسكرية ومنهم عمر في مصنع للقوات المسلحة في حلوان، وبدأ العمل في المصنع كرسام "أوتوكاد" وهو أصغر العاملين في المصنع حيث كان سنه عند التعيين 16 عاماً.

قرر عمر في الوقت نفسه أن يدرس عمارة في كلية الهندسة، أكاديمية طيبة، ومن 2009 وحتى يوم 1 يونيو 2015 كان منتظماً في دراسته وفي شغله في القوات المسلحة، إلى أن تم اختطافه وضمه إلى قضية عسكرية، وهو الآن محبوس في سجن طرة.

كان محبوباً في عمله، حتى أنه كان صديقاً لعم عبد المرضي عامل "البوفيه" الذي يعد له الطعام والشاي، وصوَّره ذات يوم وأرسل الصورة إلى صديقته إسراء الطويل. تطوع في جمعية رسالة الخيرية وسافر معظم أنحاء الجمهورية مع الجمعية، وكان مقرباً من شريف عبد العظيم، رئيس مجلس إدارتها.
تقول دعاء يسري، مهندسة معمارية، "عمر محمد علي صديق تعرفت عليه في أوائل 2012 عن طريق صديق مشترك كنا نعمل في حملات التوعية بعد الثورة وعرفني عليه بالخصوص؛ نظراً لاشتراكنا في مهنة الهندسة المعمارية، وهي مهنتي، في هذا الوقت عمر كان لا يزال طالباً في الجامعة، أكثر ما أعجبني فيه أنه شخص طموح".

وتضيف دعاء، "كنا نشترك في عدم الانتماء السياسي لأي فصيل، في وقت كان الجميع محط انتقاد، مروراً بجميع الأحداث من محمد محمود ومجلس الورزاء والعباسية والاتحادية إلى أن وصلنا جميعاً لمرحلة اليأس، وأنه لا فائدة ترجى من البلد، فأردت مساعدة عمر في أن يقترب من العمارة وأشجعه أنه يأخذ كورسات برامج الغرافيك التي تساعدنا في علمنا وعرضت عليه أن يأتي إلى المكتب الذي أعمل فيه كي يتدرب وظل يحضر يوم السبت من كل أسبوع للتدريب حتى يوم القبض عليه".. هذه شهادة دعاء يسري إحدى صديقات عمر.

شارك في ثورة 25 يناير، بشكل مستقل، وشارك في تظاهرات 30 يونيو ضد نظام الإخوان، في الوقت الذي كان والده يعتصم في ميدان رابعة العدوية دفاعًا عن شرعية محمد مرسي.

"بدأت الهتاف في يناير 2011 "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" والحمد لله ربنا كرمني بكل مكتسبات الثورة في 2016 عيش السجن وحرية الزنزانة وعدالة المحكمة".. هكذا يتحدث عمر عن علاقته بثورة يناير.

لم يذهب عمر إلى ميدان رابعة إلا مرة واحدة، للبحث عن جثة أبيه بعدما علم بموته أثناء فض الاعتصام، وكان آخر مظاهرة نزلها في 30 يونيو 2013 ضد محمد مرسي، وبعدها انقطع عن الاهتمام بالشأن العام، وبدأ يهتم بدراسته وعمله فقط، تعرض لحادث في يونيو 2014 ومكث شهراً كاملاً في بيته وأجرى عملية طبية، وما زال حتى الآن، يحتاج لإجراء عملية أخرى في وجهه.
في يوم القبض عليه 1 يونيو 2016 الساعة 9 مساءً، ذهب مع "إسراء الطويل" إلى الدكتور ليحدد له موعد إجراء العملية المطلوبة، وذهبا للعشاء في مطعم "تشيليز نايل سيتي" في الزمالك، واتصل بهم "صهيب سعد" ولحق بهما بعد أن انتهى من جلسته في المحكمة، حيث كان خاضعاً للمحاكمة في قضية خلية الماريوت (صحفيو الجزيرة) ومحكوم عليه فيها بـ3 سنوات.
أثناء خروجه من المطعم مع إسراء الطويل وصهيب سعد، بعد انتهائهم من العشاء، كان هناك 3 أشخاص بملابس مدنية، ظهروا فجأة وطلبوا منهم بطاقاتهم وموبايلاتهم وأمروهم بركوب "ميكروباص" أبيض.

الضابط الذي قام بالقبض عليهم تحدث مع شخص ما هاتفياً وقال له "مبروك يا باشا خلاص قبضنا عليه وفيه كمان اتنين معاه واحد اسمه "عمر محمد علي" وواحدة اسمها "إسراء محفوظ"، أجيبهم معايا؟" صهيب سعد متهم في نفس القضية العسكرية وكان مطلوباً لدى الأجهزة الأمنية.

احتُجز عمر لمدة يومين في مبنى وزارة الداخلية في لاظوغلي، وبعدها تم نقله للمخابرات الحربية وقاموا بتعذيبه بالكهرباء والضرب والتعليق من ذراعه لساعات طويلة وتعريته من ملابسه تماماً لإجباره على الاعتراف على خلية لا يعلم عنها أي شيء، ظل 13 يوماً في المخابرات الحربية، وكُتب له في محضره عدة تهم، وأُجبر على التوقيع عليها، ومع ذلك ضباط التحقيق كانوا يقولون له "إحنا عارفين إنك ملكش في حاجة بس مشكلتك إنك جيت وسط مجرمين وأنت هتخرج بس عن طريق المحكمة".

لمدة 15 يوماً أهله لا يعلمون عنه شيئاً، والجهات الأمنية المسؤولة أنكرت احتجازها له، ووالدته قدمت بلاغات باختفائه للنائب العام، بينما تم فصله من عمله في القوات المسلحة بسبب غيابه ولاتهامه بأنه "إرهابي" مع أن زملاءه في العمل يشهدون له بانتظامه وحبه لعمله.

قال له أحد ضباط قوة القبض، إن الذي أدخله إلى السجن ليس سوى "بطنه" وإنه كان أولى به أن "يتعشى" في منزله وليس في الزمالك.

تعرف عمر على صهيب سعد قبل شهرين من القبض عليه، وكان يتعامل معه باعتباره أحد المعارف وليس صديقاً، ولم يكن القبض على عمر محمد وإسراء الطويل سوى صدفة بحتة.
بع
د أربعة أيام من القبض عليه كان الضباط يقولون له إنه سيخرج بعد أيام، لكن تم نقله هو وصهيب سعد إلى المخابرات، في الوقت الذي يتم التحضير فيه للقضية التي كان أغلب المتهمين فيها اخطتفوا قبل تجهيزها.
تعرض عمر للتعذيب، بدأ بالصعق بالكهرباء في أماكن حساسة، والتعليق من ذراعه، كانوا يسألونه عن رقم المجموعة التي ينتمي إليها فيجيب رقم "8" فيقولون له إن الخلية "3" مجموعات فقط، عمر كان يقصد رقم مجموعته في الكلية.

"من بعد 25 يناير 2011 وإحنا بدأنا نخسر حاجات كتير كل سنة أكتر من اللي قبلها لحد ما انتهت بخسارة بابا في الفض من بعدها أنا قررت إن خلاص هسيب البلد في حالها وأنا في حالي، بس هي اللي ما سابتنيش في حالي حتى وأنا بتعشى".. عمر عن حادثة القبض عليه.

أثناء تعذيبه كان الضباط يقولون له "مش إنت ابن محمد علي" فقد كان عمر يدفع ثمن اختيارات والده رغم رفضه لها.
بدون أي معرفة بتوجهات صهيب، استجاب عمر لسؤال صهيب عن اسم حارس المصنع الذي يعمل به، فقال له اسمه الثنائي في مكالمة على "واتسآب" ورغم أنه أخطأ في الاسم الثاني للحارس، دون أن يعلم السبب في هذا الطلب الغريب، إلا أنه بعد القبض عليه وتفتيش متعلقاته، اعتُبرت المكالمة إفشاءً لإسرار عسكرية ويحاكم بسببها حتى الآن.

الشاهد الوحيد في قضية 174 غرب عسكري ضابط مخابرات ولم يشهد عليه حتى الآن، وهو يجعل التساؤل مشروعًا، على ما تتم محاكمته؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.